لا تنسوا فلسطين في خضم الحرب المجنونة في المنطقة

مبارك المطوع
إن نسيان فلسطين في زمن الحروب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو فشل أخلاقي للنظام الدولي كله.
إن نسيان فلسطين في زمن الحروب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو فشل أخلاقي للنظام الدولي كله.
شارك الخبر
في خضم الحرب المجنونة والأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يتوسع نطاق العنف وتزداد المخاطر على الاستقرار الإقليمي، في مشهد يعيد الشرق الأوسط إلى دوامة من التوترات والصراعات التي يدفع المدنيون ثمنها الأكبر. ومع اشتداد المواجهات وتداخل الحسابات العسكرية والسياسية، يبرز سؤال جوهري: أين الحكمة، ولماذا يغيب الحكماء القادرون على وقف نزيف الحروب ومنع الظلم؟ في قلب هذه الأحداث تبقى فلسطين حاضرة في الوجدان الإنساني، إذ تظل معاناة شعبها جزءًا من المشهد الإقليمي المضطرب، بينما ينشغل العالم غالبًا بالحسابات العسكرية والجيوسياسية على حساب القيم الإنسانية وحقوق المدنيين.

تاريخيًا، لم تكن فلسطين طرفًا في كثير من الصراعات الإقليمية الكبرى، لكنها كانت في كثير من الأحيان الضحية الأبرز لاضطرابات المنطقة وتوازنات القوى الدولية. فمنذ وعد بلفور عام 1917، مرورًا بنكبة عام 1948، ثم احتلال عام 1967، وصولًا إلى سنوات طويلة من الحصار والمعاناة الإنسانية في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية، ظل الشعب الفلسطيني يعيش تحت وطأة ظروف قاسية تكشف عن هشاشة النظام الدولي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب. واليوم، مع تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، تتضاعف المخاطر على المدنيين، وتزداد الحاجة إلى تذكير العالم بأن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُهمَل أو تُدفع إلى هامش الأحداث.

تاريخيًا، لم تكن فلسطين طرفًا في كثير من الصراعات الإقليمية الكبرى، لكنها كانت في كثير من الأحيان الضحية الأبرز لاضطرابات المنطقة وتوازنات القوى الدولية. فمنذ وعد بلفور عام 1917، مرورًا بنكبة عام 1948، ثم احتلال عام 1967، وصولًا إلى سنوات طويلة من الحصار والمعاناة الإنسانية في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية، ظل الشعب الفلسطيني يعيش تحت وطأة ظروف قاسية تكشف عن هشاشة النظام الدولي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب.
من منظور قانوني، فإن ما تشهده المنطقة من عمليات عسكرية واسعة النطاق يثير تساؤلات جدية حول احترام قواعد القانون الدولي الإنساني. فالقوانين الدولية، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، وُضعت لحماية المدنيين وتقليل آثار النزاعات المسلحة. غير أن الواقع يظهر أن هذه القواعد تُنتهك مرارًا في خضم الحروب، حيث تتعرض المناطق المدنية والبنى التحتية الحيوية لأضرار جسيمة، ويجد المدنيون أنفسهم بين نيران النزاعات. إن تجاوز القوانين الدولية لا يقتصر على طرف دون آخر، بل أصبح ظاهرة مقلقة في كثير من النزاعات المعاصرة، الأمر الذي يضعف مصداقية النظام الدولي ويجعل حماية المدنيين أكثر صعوبة.

سياسيًا، تكشف هذه الحروب عن خلل عميق في النظام الدولي، حيث تصبح القوة العسكرية أداة رئيسية في إدارة الصراعات، بينما تتراجع قيم الحكمة والحوار والتسويات السياسية. وفي ظل هذا الواقع، يدفع المدنيون في مناطق عديدة من المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين، ثمنًا باهظًا نتيجة استمرار العنف وتراجع فرص الحلول العادلة.

وما يزيد المشهد تعقيدًا وخطورة هو توظيف الخطاب الديني في تبرير الحرب الجارية. فقد صدرت في الفترة الأخيرة تصريحات من بعض الشخصيات السياسية والدينية في الولايات المتحدة وإسرائيل تربط ما يجري في المنطقة بسرديات دينية تتحدث عن “عودة المسيح” أو عن معارك يُزعم أنها تمهد لمرحلة دينية كبرى في التاريخ. ويجد هذا الخطاب جذوره في ما يُعرف بالتيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهو تيار ديني ـ سياسي يرى في أحداث الشرق الأوسط تحقيقًا لنبوءات توراتية مرتبطة بنهاية الزمان وعودة المسيح. إن استدعاء هذه السرديات الدينية في سياق صراع سياسي وعسكري يمثل انزلاقًا خطيرًا، لأنه يحاول إضفاء قدسية رمزية على العنف وسفك الدماء.

والحقيقة أن الأديان السماوية في أصلها أديان حق مصدرها الله، ولذلك وُصفت بالسماوية، وهي في جوهرها قائمة على الرحمة والعدل وحرمة الحياة الإنسانية. غير أن التاريخ شهد في أحيان كثيرة انحرافًا في توظيف الدين، كما شهد تحريفًا في فهم بعض تعاليمه، حين جرى استخدامه لتبرير العنف أو الهيمنة السياسية. فالدين الحق لا يمكن أن يكون أداة للبطش أو القوة العمياء، لأن جوهره يقوم على الرحمة والتسامح وصون كرامة الإنسان.

ومن هنا فإن أي توظيف للدين يبرر قتل الأبرياء أو استهداف الأطفال والنساء، كما رأى العالم في المآسي الإنسانية التي شهدتها غزة، هو توظيف سياسي منحرف يتعارض مع القيم الأساسية للأديان. إن مثل هذا الاستخدام للدين لا يمثل جوهر الإيمان، بل يحوله إلى غطاء لتبرير العنف والإبادة الجماعية، وهو ما يهدد بتحويل الصراعات السياسية إلى مواجهات كبرى مدمرة لا تخدم الإنسانية ولا الدين. ولذلك تبقى المسؤولية الأخلاقية والدينية قائمة في التمسك بروح الدين الحق الذي يدعو إلى الرحمة والعدل ويرفض الظلم وسفك الدماء أيًا كان مبرره.

إذا كانت الحروب تُدار بلغة القوة، وتُبرَّر أحيانًا بخطابات دينية أو حسابات سياسية ضيقة، فإن فلسطين تظل التذكير الدائم بأن العدالة لا يمكن أن تُجزَّأ، وأن الدم الإنساني لا يمكن أن يصبح مجرد رقم في معادلات الصراع. إن نسيان فلسطين في زمن الحروب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو فشل أخلاقي للنظام الدولي كله.
إن ربط الصراعات السياسية والعسكرية بنبوءات دينية أو بتصورات لاهوتية حول نهاية الزمان لا يؤدي إلا إلى تعميق النزاعات وإطالة أمدها، لأنه يحول الصراع من نزاع سياسي قابل للحل إلى مواجهة يُنظر إليها باعتبارها قدرًا تاريخيًا أو معركة عقائدية. ومن هنا تكمن خطورة هذا الخطاب، إذ إنه لا يكتفي بتشويه جوهر الدين، بل يفتح الباب أمام مزيد من التطرف والعنف، ويُضعف فرص الوصول إلى حلول سياسية عادلة، خصوصًا في قضايا إنسانية معقدة مثل قضية فلسطين.

إن اتساع دائرة التوتر في المنطقة يهدد الأمن الإقليمي برمته، ويعرض ملايين المدنيين لمخاطر مباشرة وغير مباشرة، سواء عبر العمليات العسكرية أو من خلال آثارها الاقتصادية والإنسانية. وفي ظل هذه الظروف، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي قائمًا: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن السلام والاستقرار إذا كانت الحروب تتكرر والقوانين الدولية تُنتهك، بينما يغيب صوت الحكمة عن مراكز القرار؟

لقد أثبت التاريخ أن الاعتماد على القوة وحدها لا يحقق استقرارًا دائمًا، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى دورات متكررة من العنف والتصعيد. وما يحدث اليوم يذكرنا بالحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لقيم العدالة والحوار واحترام القانون الدولي، باعتبارها الطريق الوحيد لتجنب مزيد من الكوارث الإنسانية.

في خضم هذه الحروب المتصاعدة، يبقى الخطر الأكبر ليس فقط في اتساع دائرة العنف، بل في اعتياد العالم على الظلم حين يطول أمده. وإذا كانت الحروب تُدار بلغة القوة، وتُبرَّر أحيانًا بخطابات دينية أو حسابات سياسية ضيقة، فإن فلسطين تظل التذكير الدائم بأن العدالة لا يمكن أن تُجزَّأ، وأن الدم الإنساني لا يمكن أن يصبح مجرد رقم في معادلات الصراع. إن نسيان فلسطين في زمن الحروب ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو فشل أخلاقي للنظام الدولي كله.
التعليقات (0)