سلام القوة وهشاشة المحتل

عادل الحامدي
سيبقى الاحتلال قلقاً، لأن كل ما بُني على الظلم هشّ. وستبقى غزة، رغم الركام، أقوى من كل مجلسٍ لا يسمع صوتها. وفي النهاية، كما يقول التاريخ بصوتٍ لا يخفت: المحتل عابر، والأرض باقية.
سيبقى الاحتلال قلقاً، لأن كل ما بُني على الظلم هشّ. وستبقى غزة، رغم الركام، أقوى من كل مجلسٍ لا يسمع صوتها. وفي النهاية، كما يقول التاريخ بصوتٍ لا يخفت: المحتل عابر، والأرض باقية.
شارك الخبر
في الاجتماع الأول لما سُمِّي بـ "مجلس السلام" برئاسة دونالد ترامب جرى الإعلان عن تجميع سبعة مليارات دولار، أودِعت في صندوق النقد الدولي وربط صرفها بإعادة إعمار غزة بشرط نزع سلاح المقاومة الفلسطينية. بدا المشهد، للوهلة الأولى، كأنه عرض إنقاذٍ ماليٍّ لمدينة منكوبة، لكنه في جوهره أقرب إلى مقايضةٍ أخلاقية فادحة: الخبز مقابل الكرامة، والسقف مقابل الحق، والحياة المؤجلة مقابل الذاكرة الحية.

الغريب ليس في تأسيس مجلس يحمل اسم السلام، فالسياسة اعتادت أن تتزيّن بأسماء فضفاضة تخفي تحتها حسابات القوة. الغريب أن هذا المجلس، الذي يُفترض أنه جاء لنجدة شعب مسحوق، لا ينصف مظلوماً، ولا يطعم جائعاً، ولا يؤوي عائلة من برد الشتاء. سبعة مليارات دولار تبدو رقماً ضخماً في دفاتر المصارف، لكنها في ميزان العدالة لا تساوي دمعة أرملة، ولا دم طفل يبحث في الركام عن لعبته، ولا شيخٍ يتلمس جدار بيته الذي صار أثراً بعد عين.

الأكثر إيلاماً، أن المجلس الذي تشكّل بسبب فلسطين غابت عنه فلسطين. لم يكن هناك من يمثل الإرادة الحقيقية لأهل غزة، ولا من يحمل وجعهم إلى الطاولة. وحده رئيس لجنةٍ جرى انتقاؤه من مكانٍ ما ليكون شاهداً على لحظةٍ تُصاغ فيها معادلات جديدة، عنوانها القوة والغطرسة، لا العدالة والإنصاف. أيُّ سلامٍ هذا الذي يُطبخ في غياب الضحية؟ وأيُّ إعمارٍ يُشترط فيه أن يتخلى المقهور عن آخر ما يملك من أسباب ردعه؟
الأشد مرارة أن جزءاً كبيراً، بل الغالب، من هذه الأموال هو من أموال العرب والمسلمين. أموالٌ كان الأولى أن تُنفق بشكل يحفظ كرامة أهلها، فإذا بها تُربط بشرطٍ سياسيٍّ يمس جوهر القضية. والأغرب أن القوة الأمنية المرشحة لإدارة غزة أو تدريب شرطتها يُراد لها أن تكون من العرب والمسلمين أيضاً، وكأن التاريخ يُعاد كتابته بصورةٍ مقلوبة: أبناء الأمة يُستدعون ليكونوا حراساً على جراح إخوتهم، أو شهوداً على مرحلة استعمار جديدة.

أما الأكثر غرابة، بل الأكثر إيلاماً، أن المجلس الذي تشكّل بسبب فلسطين غابت عنه فلسطين. لم يكن هناك من يمثل الإرادة الحقيقية لأهل غزة، ولا من يحمل وجعهم إلى الطاولة. وحده رئيس لجنةٍ جرى انتقاؤه من مكانٍ ما ليكون شاهداً على لحظةٍ تُصاغ فيها معادلات جديدة، عنوانها القوة والغطرسة، لا العدالة والإنصاف. أيُّ سلامٍ هذا الذي يُطبخ في غياب الضحية؟ وأيُّ إعمارٍ يُشترط فيه أن يتخلى المقهور عن آخر ما يملك من أسباب ردعه؟

في غزة، لا تُقاس الأشياء بالأرقام، بل بالنبض. هناك، تتمسك الأرامل بتراب الأرض كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة. رأيتُ في الصور امرأةً تجلس أمام أنقاض بيتها، لا تملك إلا مفتاحاً صدئاً وذاكرةً لا تصدأ. حولها أطفالٌ حفاة، وجوههم مغبرة، لكن عيونهم تلمع بعناد الحياة. البيوت تحولت إلى أطلال، لا يخرج منها إلا صدى الضحكات القديمة، وذكرى موائد الإفطار، وأصوات الآباء وهم يعودون من العمل. كل حجرٍ في الركام يحكي حكاية، وكل نافذةٍ مكسورةٍ تفتح على سماءٍ تعرف أسماء شهدائها.

ورغم هذا الوجع الإنساني الهائل، لا يهنأ الاحتلال. يشعر أن كل صيحةٍ عليه، وكل دعاءٍ في ليلٍ طويل، وكل طفلٍ يحفظ اسم مدينته، هو تهديدٌ لوجوده. لذلك يعاند، ويستمر في إراقة الدماء، كمن يحاول أن يطيل عمر لحظةٍ يعرف في قرارة نفسه أنها زائلة. الاحتلال، بطبيعته، قلق. لا يطمئن إلى جدار، ولا يثق في هدنة، ولا يصدق أن القوة وحدها تصنع الأبد.

تلك دروس التاريخ. من فرنسا في الجزائر إلى المملكة المتحدة في الهند، ومن إمبراطورياتٍ ظنت نفسها خالدة إلى أنظمةٍ حسبت أن الحديد والنار يكفيان لإخضاع الشعوب، كانت الخاتمة واحدة: زوال المحتل، وبقاء الأرض لأهلها. قد يطول الليل، لكن الفجر لا يُلغى بقرار. وقد تُهدم البيوت، لكن فكرة الوطن لا تُهدم.

غزة اليوم، وهي تضمّد جراحها بيديها العاريتين، تعلّم العالم درساً في الصبر والثبات. أراملها وأيتامها لا يملكون رفاهية التحليل السياسي، لكنهم يعرفون بشكل غريزي أن الأرض التي شربت دماء أحبّتهم لا تُباع ولا تُشترى. وأن البيوت، وإن صارت أنقاضاً، يمكن أن تُبنى من جديد، أما الكرامة إذا هُدمت فإعادة بنائها أشق وأطول.
ليس الحديث هنا عن سلاحٍ بحد ذاته، بل عن معنى الكرامة في وجه الإكراه. حين يُربط إعمار غزة بشرط نزع سلاح مقاومتها، يُختزل الصراع في معادلةٍ تقنية، كأنه نزاعٌ على بندٍ في عقدٍ مالي. بينما الحقيقة أنه صراع على الوجود والحق والذاكرة. الإعمار الحقيقي يبدأ بإزالة أسباب الدمار، لا بمساومة الضحية على حقها في الدفاع عن نفسها.

إن سبعة مليارات دولار، مهما عظمت، لا تشتري سلاماً إن لم يكن قائماً على العدل. ولا تصنع استقراراً إن كان مبنياً على إملاء الشروط على طرفٍ واحد. السلام ليس مجلساً يُعلن من خلف الميكروفونات، ولا صندوقاً تُودَع فيه الأموال، بل هو اعترافٌ صريح بالحق، وإنهاءٌ صادق لسياسات القوة.

غزة اليوم، وهي تضمّد جراحها بيديها العاريتين، تعلّم العالم درساً في الصبر والثبات. أراملها وأيتامها لا يملكون رفاهية التحليل السياسي، لكنهم يعرفون بشكل غريزي أن الأرض التي شربت دماء أحبّتهم لا تُباع ولا تُشترى. وأن البيوت، وإن صارت أنقاضاً، يمكن أن تُبنى من جديد، أما الكرامة إذا هُدمت فإعادة بنائها أشق وأطول.

سيبقى الاحتلال قلقاً، لأن كل ما بُني على الظلم هشّ. وستبقى غزة، رغم الركام، أقوى من كل مجلسٍ لا يسمع صوتها. وفي النهاية، كما يقول التاريخ بصوتٍ لا يخفت: المحتل عابر، والأرض باقية.
التعليقات (0)