من منطق الصفقة إلى منطق الحق.. تفكيك مشروع إعادة تشكيل فلسطين

مبارك المطوع
إن منطق "الصفقة" قد يفرض نفسه مرحليًا بفعل اختلال موازين القوى، لكن منطق الحق أكثر رسوخًا في التاريخ وأعمق أثرًا في الضمير الجمعي.. الأناضول
إن منطق "الصفقة" قد يفرض نفسه مرحليًا بفعل اختلال موازين القوى، لكن منطق الحق أكثر رسوخًا في التاريخ وأعمق أثرًا في الضمير الجمعي.. الأناضول
شارك الخبر
حين طُرح ما عُرف إعلاميًا بـ "صفقة القرن"، لم أتعامل معه كعنوان لحدث سياسي عابر، بل بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن مرحلة كاملة من محاولات إعادة هندسة المنطقة سياسيًا واستراتيجيًا. وقد تناولتُ هذا التصور بشيء من التفصيل في كتابي "سفير الحق"، حيث أوضحت أن الإشكال لا يكمن في تفاصيل الخطة بقدر ما يكمن في الإطار المفاهيمي الذي أُعيد من خلاله تعريف القضية الفلسطينية.

إن مجرد استخدام مصطلح "صفقة" في سياق قضية بحجم قضية فلسطين ينطوي على تحوّل خطير في البنية القانونية والأخلاقية للنزاع. فالصفقة ـ في معناها القانوني ـ تقوم على الرضا المتكافئ وتبادل المنافع بين أطراف متساوية. أما حين يُستدعى هذا المصطلح في سياق احتلال قائم، فإننا نكون أمام محاولة لنقل القضية من دائرة الحق التاريخي الثابت إلى دائرة المقايضة السياسية، وكأن الأرض والسيادة والهوية عناصر قابلة للمساومة. وهذا ما نبّهت إليه في "سفير الحق" معتبرًا أن أخطر ما في المشروع ليس بنوده المعلنة، بل منطقه المؤسس.

من منظور القانون الدولي، يظل حق الشعوب في تقرير مصيرها قاعدة آمرة لا يجوز الالتفاف عليها عبر ترتيبات اقتصادية أو وعود تنموية. فالاحتلال لا يكتسب شرعية بمرور الزمن، ولا يتحول إلى واقع مشروع بمجرد اعتراف قوة كبرى به. ومن هنا فإن انخراط الولايات المتحدة الأمريكية في رعاية هذا المشروع لم يكن حياديًا، بل جاء منسجمًا مع رؤية استراتيجية تعيد ترتيب أولويات الإقليم بما يخدم أمن ومصالح إسرائيل.

ولعل ما جرى في العراق بعد الغزو عام 2003 يقدم نموذجًا دالًا على خطورة إدارة الدول وفق منطق المصالح الخارجية. فقد أدت سياسات إعادة الهيكلة المفروضة إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام صراعات داخلية عميقة. ولم تكن الفوضى هناك مجرد نتيجة عرضية، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي بما يخدم أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى. وقد استحضرتُ هذا المثال في "سفير الحق" للتدليل على أن اختلال السيادة يفضي غالبًا إلى اختلال الاستقرار.
غير أن تمرير مثل هذه المشاريع لا يتم إلا في بيئات رخوة سياسيًا ومجتمعيًا. وقد أكدتُ في سفير الحق أن البيئة المثالية لفرض التسويات المختلّة هي بيئة الانقسام الداخلي والإرهاق الاقتصادي والتشظي الهوياتي. فالأمة المنهكة بصراعاتها تصبح أقل قدرة على بلورة موقف جامع، وأكثر قابلية للضغط والمساومة.

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة إعادة توجيه بوصلة العداء في وعي بعض الأنظمة من الاحتلال إلى أطراف إقليمية أخرى، وفي مقدمتها إيران. لا يتعلق الأمر هنا بتقويم سياسات أي دولة، بل بقراءة في آلية صناعة “العدو البديل” سياسيًا وإعلاميًا، بحيث تتراجع مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العام، وتتحول من قضية جامعة إلى ملف ضمن ملفات متعددة. وهذا التحول يخدم موضوعيًا مشروع الاحتلال، لأنه يبدد الطاقات في صراعات جانبية، بينما تستمر الوقائع على الأرض في التشكل.

ولعل ما جرى في العراق بعد الغزو عام 2003 يقدم نموذجًا دالًا على خطورة إدارة الدول وفق منطق المصالح الخارجية. فقد أدت سياسات إعادة الهيكلة المفروضة إلى تفكيك مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام صراعات داخلية عميقة. ولم تكن الفوضى هناك مجرد نتيجة عرضية، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي بما يخدم أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى. وقد استحضرتُ هذا المثال في "سفير الحق" للتدليل على أن اختلال السيادة يفضي غالبًا إلى اختلال الاستقرار.

إن قراءة "صفقة القرن" في ضوء هذه المعطيات تكشف أنها لم تكن مبادرة سلام بالمعنى الحقيقي، بل محاولة لإعادة تعريف سقف الممكن سياسيًا، وتطبيع واقع غير مشروع عبر إلباسه ثوب التسوية. فالسلام الحقيقي لا يقوم على تكريس الاختلال، بل على إزالة أسبابه الجذرية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه الكامل غير المنقوص في تقرير مصيره.

وفي هذا السياق، يبرز ما يُتداول بشأن تشكيل ما يُسمّى بـ "مجلس السلام" بوصفه تطورًا يستحق التوقف والتحليل. فبعيدًا عن العناوين المعلنة، يبدو هذا الإطار ـ في تقديري ـ خطوة مؤسسية متقدمة في مسار ترجمة الرؤية التي بشّرت بها صفقة القرن إلى هياكل دائمة. إذ إن نقل المشروع من مستوى المبادرات السياسية إلى مستوى الأطر التنظيمية المستقرة يعني الانتقال من الطرح النظري إلى البناء المؤسسي طويل الأمد.

أخطر ما في بعض المشاريع ليس ما تعلنه من شعارات، بل ما تؤسسه من بُنى دائمة قد تعيد صياغة الواقع بحيث يصبح التراجع عنها بالغ الصعوبة. ومن ثم فإن المعركة لم تعد فقط حول نصوص المبادرات، بل حول الهياكل التي تُنشأ لتكريسها، وحول الوعي القادر على التمييز بين السلام العادل والسلام المُعلَّب.
إن إنشاء مثل هذا المجلس ـ إن اتجه نحو تكريس الأمر الواقع بدل معالجته ـ قد يتحول إلى آلية لإدارة الصراع لا لإنهائه، وإلى منصة لتطبيع اختلال موازين القوى بدل تصحيحها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُبنى السلام على قاعدة العدالة وإنهاء الاحتلال، أم على قاعدة إعادة تنظيمه في صورة أقل كلفة سياسية؟

لقد أكدتُ في "سفير الحق" أن أخطر ما في بعض المشاريع ليس ما تعلنه من شعارات، بل ما تؤسسه من بُنى دائمة قد تعيد صياغة الواقع بحيث يصبح التراجع عنها بالغ الصعوبة. ومن ثم فإن المعركة لم تعد فقط حول نصوص المبادرات، بل حول الهياكل التي تُنشأ لتكريسها، وحول الوعي القادر على التمييز بين السلام العادل والسلام المُعلَّب.

إن منطق "الصفقة" قد يفرض نفسه مرحليًا بفعل اختلال موازين القوى، لكن منطق الحق أكثر رسوخًا في التاريخ وأعمق أثرًا في الضمير الجمعي. وبين هذين المنطقين يتحدد مستقبل القضية: إما تسوية تعيد إنتاج الظلم في صيغة جديدة، أو مسار يستند إلى القانون والعدالة والكرامة الإنسانية.
التعليقات (0)