فلسطين على حافة العاصفة: التحولات الإقليمية والحرب الإيرانية من 2025 حتى 2026

لؤي صوالحة
"فرصة إسرائيلية لإعادة رسم المشهد في الضفة الغربية بعيدا عن الأضواء"- جيتي
"فرصة إسرائيلية لإعادة رسم المشهد في الضفة الغربية بعيدا عن الأضواء"- جيتي
شارك الخبر
منذ مطلع عام 2025 لم يعد الشرق الأوسط يعيش حالة توتر عابرة، بل دخل في طور إعادة تشكيل عميقة لمعادلته الأمنية والسياسية، وكأن المنطقة كلها تسير على حافة بركان لا يحتاج سوى شرارة واحدة لينفجر. ففي ذلك العام تصاعدت لهجة حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو بصورة غير مسبوقة تجاه إيران، فلم يعد الحديث يدور حول ردع تقليدي أو احتواء محسوب، بل عن ضرورة "تغيير قواعد اللعبة" ومنع طهران من الاقتراب من العتبة النووية، وهو خطاب ترافق مع تحركات عسكرية ومناورات بعيدة المدى ورسائل تسريب مقصودة عن جاهزية سلاح الجو للوصول إلى العمق الإيراني. وفي المقابل، لم تكن إيران في موقع المتلقي الصامت، بل أعادت تثبيت معادلة الردع عبر إظهار قدراتها الصاروخية وتكثيف مناوراتها البحرية، فضلا عن تفعيل شبكة تحالفاتها الإقليمية بما يضمن أن أي ضربة لن تبقى محصورة في جغرافيا واحدة.

غير أن الصورة لا تكتمل دون قراءة الموقف الأمريكي في عهد دونالد ترامب، حيث بدت واشنطن وكأنها تمسك العصا من المنتصف؛ فهي من جهة تؤكد التزامها المطلق بأمن إسرائيل، ومن جهة أخرى تدرك أن الانخراط في حرب شاملة مع إيران سيعني استنزافا استراتيجيا في وقت تحتدم فيه المنافسة مع الصين وتتعقد فيه المواجهة المفتوحة مع روسيا.
حاولت إسرائيل ربط أي تصعيد في الضفة أو غزة بما تسميه "التحريض الإيراني"، في محاولة لشرعنة توسيع عملياتها الميدانية، بينما رأت فصائل المقاومة أن أي حرب كبرى في الإقليم لن تبقى بعيدة عن فلسطين
لذلك اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تعزيز الدفاعات الجوية في المنطقة وتحريك قطع بحرية في الخليج، مع ترك مساحة رمادية بين الردع والتورط، وهي مساحة خطرة بطبيعتها لأنها تبقي كل الاحتمالات مفتوحة.

ومع تقدم الأشهر في النصف الثاني من 2025، انتقلت المواجهة إلى مستوى العمليات غير المباشرة، حيث تكثفت الضربات الإسرائيلية في الساحة السورية، وتصاعدت الهجمات السيبرانية المتبادلة مع إيران، وارتفعت حرارة الاشتباك في جنوب لبنان بين الاحتلال وحزب الله، ما جعل المنطقة تعيش حالة حرب منخفضة الوتيرة لكنها عالية المخاطر. وهنا تحديدا عادت فلسطين إلى قلب المعادلة، ليس فقط باعتبارها ساحة اشتباك يومي مع الاحتلال، بل بوصفها جزءا من شبكة الردع المتبادل، إذ حاولت إسرائيل ربط أي تصعيد في الضفة أو غزة بما تسميه "التحريض الإيراني"، في محاولة لشرعنة توسيع عملياتها الميدانية، بينما رأت فصائل المقاومة أن أي حرب كبرى في الإقليم لن تبقى بعيدة عن فلسطين.

ثم جاء مطلع 2026 ليضع الجميع أمام مشهد أكثر توترا، فالتصريحات المتبادلة لم تعد مجرد رسائل للاستهلاك الداخلي، بل بدت كتمهيد نفسي لاحتمال المواجهة المباشرة، خاصة مع تكثيف المناورات الجوية الإسرائيلية بعيدة المدى، ونشر منظومات دفاع أمريكية إضافية، وإعلان إيران أن الرد على أي استهداف سيكون مباشرا وغير مسبوق. وهنا تصبح المسألة أبعد من حسابات ضربة مقابل ضربة، لأن أي اشتعال واسع سيعني فتح جبهات متعددة من الخليج إلى لبنان وربما غزة، وهو ما يضع الكيان أمام اختبار داخلي قاس لم يشهده منذ عقود.

أما فلسطين، فهي في هذه اللحظة ليست مجرد متفرج على صراع الكبار، بل تعيش في عين العاصفة. فمن جهة، يؤدي انشغال المجتمع الدولي بالملف الإيراني إلى تهميش القضية الفلسطينية في أروقة السياسة العالمية، ومن جهة أخرى يعيد التصعيد الإقليمي وضع فلسطين ضمن معادلة الردع الكبرى، بحيث يتحول أي حدث في الضفة أو غزة إلى رسالة ضمن صراع المحاور. وهذا التناقض هو جوهر المرحلة؛ تهميش سياسي مقابل مركزية ميدانية، وصمت دبلوماسي مقابل قابلية انفجار أمني في أي لحظة.

أخطر ما في المرحلة ليس فقط احتمال الحرب، بل اعتياد المنطقة على فكرة الحرب، وتحول التهديد إلى أمر يومي، ما يخلق بيئة نفسية وسياسية تقبل بالمواجهة باعتبارها خيارا طبيعيا

ثم إن أي حرب محتملة لن تكون حرب جيوش تقليدية فحسب، بل حرب بنى تحتية واقتصاد وطاقة وممرات بحرية، وهو ما سيضاعف الأعباء على الشعب الفلسطيني الذي يعيش أصلا تحت احتلال وحصار وإنهاك اقتصادي. فالتصعيد الإقليمي يعني تشديد القبضة الأمنية، وتسريع مشاريع الضم والاستيطان، وخلق واقع طوارئ دائم يسمح للاحتلال بفرض وقائع جديدة على الأرض تحت غطاء الانشغال الدولي. وهنا يكمن الخطر الأكبر، إذ يمكن للحرب مع إيران أن تتحول إلى فرصة إسرائيلية لإعادة رسم المشهد في الضفة الغربية بعيدا عن الأضواء.

وفي البعد الدولي، تبدو روسيا مستفيدة من إرباك واشنطن دون أن ترغب بانفجار يهدد مصالحها في سوريا، بينما تراقب الصين المشهد بحذر شديد حفاظا على خطوط الطاقة والتجارة، الأمر الذي يجعل الشرق الأوسط ساحة تقاطع مصالح كبرى لا ساحة صراع محلي فحسب. ومع ذلك، يبقى القرار النهائي بيد الأطراف المباشرة، لأن خطأ تكتيكيا واحدا أو ضربة محسوبة بشكل خاطئ قد تدفع الجميع نحو مواجهة لا يريدها أحد لكنه لا يستطيع منعها إذا بدأت.

وعليه، فإن المشهد من 2025 حتى آذار/ مارس 2026 يمكن توصيفه بمرحلة حافة الهاوية، حيث الردع قائم لكنه هش، والتهديدات مرتفعة لكنها لم تتحول بعد إلى حرب شاملة، غير أن كثافة التحشيد والتصريحات تجعل احتمال الانفجار قائما بقوة. وفي تقديري، فإن أخطر ما في المرحلة ليس فقط احتمال الحرب، بل اعتياد المنطقة على فكرة الحرب، وتحول التهديد إلى أمر يومي، ما يخلق بيئة نفسية وسياسية تقبل بالمواجهة باعتبارها خيارا طبيعيا.

هكذا تقف فلسطين اليوم بين نارين؛ نار احتلال يستثمر في الفوضى الإقليمية لتكريس وقائعه، ونار صراع إقليمي قد يفتح جبهات متعددة دون أن يضمن للفلسطينيين مكاسب واضحة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم أن أي إعادة تشكيل للشرق الأوسط لن تكون مكتملة دون فلسطين، لأن جوهر الأزمة في هذه المنطقة ظل على الدوام مرتبطا بهذه الأرض وهذا الشعب. ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط هل ستندلع حرب بين إسرائيل وإيران، بل ماذا سيكون شكل المنطقة بعدها؟ وأين ستكون فلسطين في خريطة ما بعد النار؟
التعليقات (0)