المواجهة الصفرية: هل تدق ساعة "الحسم" بين ترامب وإيران؟

إسلام الغمري
"هل يستطيع اللاعبون الكبار إدارة هذا التصعيد دون أن يتحول إلى صدام واسع تفرضه الحسابات الخاطئة؟"- الأناضول
"هل يستطيع اللاعبون الكبار إدارة هذا التصعيد دون أن يتحول إلى صدام واسع تفرضه الحسابات الخاطئة؟"- الأناضول
شارك الخبر
يعيش الشرق الأوسط اليوم لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتجاوز في تعقيدها كثيرا من الأزمات التي مرت بها المنطقة خلال العقود الماضية. فالمؤشرات القادمة من دوائر صنع القرار في واشنطن وطهران، وما تعكسه التحركات العسكرية في مياه الخليج، توحي بأن المشهد لم يعد مجرد لعبة ضغط تقليدية، بل دخل منطقة المواجهة الصفرية التي تضيق فيها مساحة الحلول الوسط، ويصبح التوازن قائما بين تسوية قاسية أو انفجار واسع يعيد رسم خرائط القوة في الإقليم.

تشير المعطيات السياسية إلى أن مسار المفاوضات الذي شهدته جنيف خلال الأشهر الماضية بوساطة عُمانية واجه صعوبات عميقة، بعدما اتسعت الفجوة بين سقف مطالب الطرفين. فبينما عرضت طهران خطوات مؤقتة تتعلق بتجميد بعض الأنشطة النووية، تصر واشنطن -تحت ضغط داخلي وإسرائيلي واضح- على مقاربة أوسع تشمل تفكيك القدرات النووية وتقليص البرنامج الصاروخي الإيراني. وتعتبر القيادة الإيرانية أن هذه المطالب تمس جوهر منظومة الردع التي تعتمد عليها لضمان بقاء النظام، ما يجعل مساحة التنازل محدودة للغاية.

يبدو أن عامل الزمن يحتل موقعا مركزيا في الحسابات الأمريكية. فالرئيس دونالد ترامب ينظر إلى الملف الإيراني باعتباره اختبارا لقدرة إدارته على فرض الحسم، ويُدرك أن المماطلة قد تمنح طهران فرصة لإعادة التموضع أو انتظار متغيرات سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها

في هذا السياق، يبدو أن عامل الزمن يحتل موقعا مركزيا في الحسابات الأمريكية. فالرئيس دونالد ترامب ينظر إلى الملف الإيراني باعتباره اختبارا لقدرة إدارته على فرض الحسم، ويُدرك أن المماطلة قد تمنح طهران فرصة لإعادة التموضع أو انتظار متغيرات سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها. لذلك، يظهر توجه واضح نحو تسريع وتيرة الضغط، سواء عبر التصعيد السياسي أو تعزيز الحضور العسكري في المنطقة.

رهانات ترامب: بين الحسم وفخ التضخم

يدرك الرئيس دونالد ترامب أن عامل الزمن لا يعمل لصالحه؛ فحسم الملف الإيراني قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة قد يمنحه صورة القائد الحاسم ويعزز مشروعه السياسي. غير أن هذا الطموح يصطدم بجدار أولويات الداخل الأمريكي، إذ إن أي حرب واسعة في الخليج قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة -وربما تتجاوز في بعض السيناريوهات حاجز المئة والخمسين دولارا للبرميل- وهو ما قد يعيد شبح التضخم ويضعف السردية الاقتصادية التي يعتمد عليها البيت الأبيض. هذا التناقض يفسر حالة التذبذب الظاهرة في الموقف الأمريكي؛ بين حشد عسكري ضخم يرفع منسوب الضغط، ومحاولات متوازية للبحث عن صفقة تمنع انفجار الأسواق العالمية.

في المقابل، لم تعد إيران تتحرك في بيئة دولية معزولة كما كان الحال في مراحل سابقة. فالتقارير المتداولة تشير إلى تنامي التنسيق التقني مع الصين، سواء في مجالات الرصد الجوي أو أنظمة الملاحة، بينما يحمل الحضور الروسي المتزايد في المنطقة رسائل سياسية واضحة بأن موسكو وبكين لا تنظران بعين الرضا إلى أي محاولة لإعادة صياغة التوازن الإقليمي بالقوة. ورغم أن الحديث عن تحالف عسكري مباشر قد يكون مبالغا فيه، فإن تلاقي المصالح بين هذه القوى يضيف تعقيدا حقيقيا على حسابات واشنطن.

على الصعيد العسكري، تشير المؤشرات إلى مستوى عالٍ من الجاهزية الأمريكية، مع تعزيز الوجود البحري والجوي في محيط الخليج وبحر العرب. هذه التحركات تُقرأ كرسالة ردع تهدف إلى فرض ضغط أقصى على طهران، لكنها في الوقت ذاته ترفع مستوى المخاطر؛ فكلما زادت الكثافة العسكرية زادت احتمالات الاحتكاك غير المقصود الذي قد يشعل مواجهة لا يريدها أحد بشكل مباشر.

ورغم هذا التصعيد، لا يزال سيناريو تجنب الحرب قائما، فالتاريخ القريب يثبت أن الحشود العسكرية كثيرا ما تُستخدم كأداة تفاوضية أكثر منها مقدمة حتمية للصراع. تدرك واشنطن أن أي حرب مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى استنزاف طويل يربك الاقتصاد العالمي، كما تدرك طهران أن تجاوز خطوط معينة قد يستجلب ردا واسعا يصعب احتواؤه. ومن هنا، يبقى الطرفان في حالة اقتراب خطير من حافة الهاوية دون السقوط الكامل فيها.

في المقابل، تراهن إيران على رفع كلفة أي مواجهة محتملة عبر تطوير قدراتها الصاروخية والبحرية، والتلويح بأوراق جيوسياسية حساسة مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية. فمجرد التهديد بتعطيل حركة الملاحة هناك يضع الاقتصاد الدولي بأكمله في معادلة الأزمة، ويجعل أي قرار عسكري أمريكي مرتبطا بتقديرات اقتصادية دقيقة.

كما تعتمد طهران على عنصر الغموض الاستراتيجي، عبر الإيحاء بامتلاك قدرات جديدة قادرة على تعديل ميزان الردع، سواء في مجال الصواريخ أو الدفاعات الجوية أو أساليب الحرب غير المتماثلة. الهدف هنا لا يتمثل بالضرورة في تغيير موازين القوى جذريا، بل في خلق حالة شك لدى الخصم حول كلفة المواجهة ونتائجها.

الثابت الوحيد أن نتيجة هذه المواجهة -سواء انتهت بتسوية سياسية أو بانفجار عسكري- لن تقتصر على رسم ملامح الشرق الأوسط المقبل، بل ستترك بصمتها على شكل النظام الدولي لعقود قادمة

في جوهر المشهد، لا تدور الأزمة فقط حول القدرة على الهجوم، بل حول القدرة على الردع. فالولايات المتحدة تسعى إلى إظهار تفوق عسكري ساحق يمنع طهران من المغامرة، بينما تعمل إيران على رفع كلفة أي هجوم إلى مستوى يجعل القرار العسكري مكلفا سياسيا واقتصاديا. هذه المعادلة، المعروفة في الأدبيات الاستراتيجية باسم "الردع المتبادل"، قد تكون العامل الحقيقي الذي يؤجل الانفجار حتى في ذروة التصعيد.

اللافت أن الشارع الإقليمي، المنشغل بتفاصيل الحياة اليومية، قد لا يدرك مدى اقتراب المنطقة من لحظة مفصلية، بينما تتحدث تقارير إعلامية غربية عن خطط عسكرية تُبحث بجدية داخل دوائر القرار. وهذا لا يعني بالضرورة أن الحرب باتت حتمية، لكنه يشير إلى أن هامش الخطأ أصبح أضيق من أي وقت مضى، وأن شرارة صغيرة قد تكون كافية لتغيير المسار بالكامل.

في النهاية، نحن أمام معادلة شديدة الهشاشة، تتحرك فيها القوى الكبرى على خط رفيع يفصل بين الردع والانفجار. والسؤال لم يعد فقط: هل ستندلع الحرب؟ بل: هل يستطيع اللاعبون الكبار إدارة هذا التصعيد دون أن يتحول إلى صدام واسع تفرضه الحسابات الخاطئة؟

الثابت الوحيد أن نتيجة هذه المواجهة -سواء انتهت بتسوية سياسية أو بانفجار عسكري- لن تقتصر على رسم ملامح الشرق الأوسط المقبل، بل ستترك بصمتها على شكل النظام الدولي لعقود قادمة.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئا، فهو أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرار واضح، بل أحيانا بلحظة يظن فيها الجميع أن التصعيد ما يزال تحت السيطرة.. بينما تكون ساعة التحول قد بدأت بالفعل.
التعليقات (0)