إيران وأمريكا على حافة الهاوية: مفاوضات مسقط بين شبح الحرب وإغراء الصفقة الكبرى

سعد الغيطاني
"الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، تدرك أن توجيه ضربة لإيران قد يشعل المنطقة بأكملها"- جيتي
"الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، تدرك أن توجيه ضربة لإيران قد يشعل المنطقة بأكملها"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة

تعيش العلاقات الإيرانية-الأمريكية واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود، حيث تداخل التصعيد العسكري مع ضغوط سياسية واقتصادية غير مسبوقة، ما جعل المنطقة تقف على حافة انفجار واسع قد يغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط بالكامل. وبعد أشهر من التهديدات المتبادلة والضربات العسكرية المحدودة، عادت لغة التفاوض لتفرض نفسها عبر وساطة عُمانية في مسقط، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة شاملة. هذه المفاوضات لا تعكس فقط رغبة في تجنب الحرب، بل تكشف أيضا عن مأزق استراتيجي للطرفين، حيث بات الصدام المباشر أكثر كلفة من الجلوس إلى طاولة التفاوض.

من التصعيد العسكري إلى طاولة التفاوض.. لماذا تغيّر المسار؟

خلال الأشهر الماضية، شهدت المنطقة سلسلة من الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع إيرانية حساسة، بعضها مرتبط بالبرنامج النووي والبعض الآخر بالبنية العسكرية للحرس الثوري. وردّت إيران عبر أدواتها الإقليمية، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان، في رسائل واضحة بأن أي حرب لن تظل محصورة داخل حدودها.

بدا التفاوض خيارا اضطراريا للطرفين. فواشنطن تسعى إلى كبح الطموح النووي الإيراني دون الانزلاق إلى حرب، وطهران تبحث عن متنفس اقتصادي وسياسي يخفف عنها وطأة العقوبات ويعيد لها بعض الحضور الطبيعي في الاقتصاد العالمي

هذا التصعيد كشف سريعا حدود القوة العسكرية لكلا الطرفين. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، تدرك أن توجيه ضربة قاصمة لإيران قد يشعل المنطقة بأكملها، ويؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، ويرفع أسعار النفط والغاز بشكل جنوني، ما سينعكس سلبا على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. كما أن أي حرب مفتوحة ستفرض على واشنطن أعباء مالية وعسكرية ضخمة، في وقت تعاني فيه من أزمات اقتصادية داخلية واستقطاب سياسي حاد.
في المقابل، تواجه إيران وضعا اقتصاديا خانقا نتيجة العقوبات الطويلة، وتراجع العملة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، إلى جانب ضغط اجتماعي متزايد. ورغم امتلاكها أدوات ردع إقليمية فعالة، فإن الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة سيهدد استقرار النظام نفسه، وقد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية خطيرة.

أمام هذه المعادلة، بدا التفاوض خيارا اضطراريا للطرفين. فواشنطن تسعى إلى كبح الطموح النووي الإيراني دون الانزلاق إلى حرب، وطهران تبحث عن متنفس اقتصادي وسياسي يخفف عنها وطأة العقوبات ويعيد لها بعض الحضور الطبيعي في الاقتصاد العالمي.

حسابات القوة والمصالح: ماذا يريد كل طرف فعليا؟

الولايات المتحدة تدخل المفاوضات وهي ترفع سقف مطالبها إلى أقصى حد، فهي لا تريد فقط تقييد البرنامج النووي الإيراني، بل تسعى أيضا إلى إدخال ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي ضمن أي اتفاق جديد. الهدف الأمريكي يتجاوز منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ليصل إلى تحجيم دورها الإقليمي وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية وحلفائها.

أما إيران، فتتعامل مع المفاوضات من منطلق الدفاع عن الحد الأدنى من مصالحها الاستراتيجية. فهي ترفض بشكل قاطع توسيع نطاق التفاوض ليشمل الصواريخ أو سياساتها الإقليمية، وتصر على حصره في الملف النووي فقط. الهدف الإيراني الأساسي هو رفع العقوبات الاقتصادية، واستعادة القدرة على تصدير النفط بحرية، والحصول على ضمانات حقيقية تمنع واشنطن من الانسحاب مجددا من أي اتفاق مستقبلي، كما حدث في عام 2018.

لكن الواقع يفرض تنازلات متبادلة، فإيران تدرك أن برنامجها النووي أصبح ورقة ضغط رئيسية، لكنها في الوقت نفسه تعلم أن الاستمرار في التصعيد قد يؤدي إلى مواجهة كارثية. والولايات المتحدة تدرك أن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها بالكامل، وأن الحل العسكري لن يكون حاسما أو سريعا. لذلك، يبدو أن الطرفين يتجهان نحو "اتفاق مؤقت" أو "صفقة الحد الأدنى"، تقوم على تجميد مستويات التخصيب المرتفعة مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات.

انعكاسات المفاوضات على المنطقة
الصراع بين إيران وأمريكا لم يعد مجرد خلاف حول برنامج نووي، بل بات معركة على شكل النظام الإقليمي القادم

أي انفراجة في العلاقات الإيرانية-الأمريكية ستنعكس فورا على ملفات المنطقة الساخنة. ففي اليمن، قد يؤدي التقارب إلى تهدئة نسبية تفتح الباب أمام حلول سياسية، وفي العراق وسوريا، قد نشهد إعادة ترتيب للأدوار والنفوذ، بينما في لبنان قد ينعكس ذلك على المشهد السياسي والاقتصادي المأزوم.

أما في حال فشل المفاوضات، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من التصعيد، قد تشمل ضربات أوسع، وردودا أشد، وارتفاعا غير مسبوق في منسوب التوتر الطائفي والسياسي. كما سيؤدي ذلك إلى سباق تسلح إقليمي، وزيادة الاعتماد على التحالفات العسكرية، ما يجعل الشرق الأوسط أكثر هشاشة واضطرابا.

خاتمة

الصراع بين إيران وأمريكا لم يعد مجرد خلاف حول برنامج نووي، بل بات معركة على شكل النظام الإقليمي القادم. المفاوضات الجارية في مسقط تمثل محاولة أخيرة لتفادي الأسوأ، لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لإرادة الطرفين في تقديم تنازلات مؤلمة مقابل استقرار نسبي؛ فإما أن تنتصر البراغماتية السياسية، أو تنزلق المنطقة إلى مواجهة قد تعيدها سنوات طويلة إلى الوراء.

سؤال للقراء: هل ترون أن المفاوضات الحالية قادرة على إنتاج اتفاق دائم يجنّب المنطقة شبح الحرب، أم أننا أمام هدنة مؤقتة تسبق انفجارا أكبر؟
التعليقات (0)

خبر عاجل