صراع الإرادات: ما الذي حققته إيران؟

بحري العرفاوي
"هدد قادةٌ عسكريون إيرانيون بأن صواريخ بلادهم ومُسيّراتها ستستهدف بكل قوة الكيان وكل بلد فيه قواعد العدو أو تنطلق منه هجمات عدائية"- جيتي
"هدد قادةٌ عسكريون إيرانيون بأن صواريخ بلادهم ومُسيّراتها ستستهدف بكل قوة الكيان وكل بلد فيه قواعد العدو أو تنطلق منه هجمات عدائية"- جيتي
شارك الخبر
إن أهم المعارك ليست تلك التي تُخاضُ في الجبهات، حيث يكون الاحتكام للسلاح وحيث يكون قتلى وجرحى ولاجئون وانهدام مبان وانقطاع جسور وحرق مصانع وحقول وحيث يكون خراب عمران وشقاء إنسان، إنما المعارك الحقيقية هي التي تُدار في عوالم الأفكار والقيم، وهي التي تؤسس لمستقبل يرسم ملامحه المنتصرون لا الغالبون.

الغَلبة بما هي وضعيةُ تفوّق مادي عسكري، ليست انتصارا، إذ لا يكون انتصارٌ إلا حينَ يُسلمُ المغلوبُ بالهزيمة ويعلن استسلامَه ويكفّ عن المقاومة ويستجيب لشروط الغالب.

الشعوب المنتمية إلى حضارات عظيمة والمُشبَعة بقيم الحياة وبمعاني الشموخ والكرامة؛ لا تنظر لمعاركها باعتبارها منازلاتٍ حينية تتحدّد نتائجُها بموازين القوة المادية والخبرة القتالية، وإنما ينظرون إلى تلك المعارك باعتبارها تأسيسا دائما ومتجدّدا لمقوّمات العزة والكرامة، تتوارثها الأجيال وتستمدّ منها أصالة الانتماء ومهابة الكبرياء وإرادة الصمود، فلا تنهزم ولا تقبل بوضعية الإذلال حتى وإن جرت عليها "مغلوبية" ظرفية هي نتيجة قوانين الصراع واختلاف موازين قوى وتفاوت مهاراتِ قتال.

كان ترامب أشبه بمن ينفخ النار حول الحديد ويتفقده كل مرة إن كان قد لان وارتخى، حتى إذا ما تعب وخابت ظنونه زعم أنه يستجيب لدعوات العقلاء من الأصدقاء في المنطقة يخشون نتائج الحرب على استقرارها

كم من شعوب خسرت حروبا ولكنها لم تخسر ذاتها ولم تعلن انهزامها ولم تنكسر إرادتها ولم تعترف لغالب بكونه على حق وكونها على باطل، وكم من شعوب غَلبت في معركة نتيجة تفوق في العتاد أو نجاح خطة حربية، ولكنها لم تستطع تحقيق شعور بالانتصار ولا هي حوّلت غَلَبتها تلك إلى ثقافة انتصارية تضمن لها الحضور في المستقبل والاستمرار في التاريخ.

في الوقت الذي كان خبراءُ الحروب بكل قنوات العالم يحللون موازين القوة العسكرية بين إيران وأمريكا، ويرسمون للمتابعين خرائط البر والبحر والجو، ويتسابقون في تحديد ساعة الصفر لانطلاق "الهجوم"، كان ثمة من يتابع معركة أخرى تُخاضُ في المفردات والمصطلحات والرموز والمواقيت والأمكنة، إنها معركة الارادات أو معركة "الدفع نحو الهاوية" يطفح بها الخطاب لدى كلٍّ من المتكلم الأمريكي والمتكلم الإيراني، وهل كانت الحروب إلا لهيب كلمات؟

كان الرئيس الأمريكي ترامب هو المتحدث دائما عن قوة دولته العسكرية وعن بوارجه وحاملة طائرات وعن صواريخ ومدمرات، يتكلم بنبرة المكابر المتعالي يُعطي مهلة وراء مهلة ويتوعد بصبّ حمم الحجيم وبتغيير نظام دولة مستقلة تريد ممارسة سيادتها وتنظيم علاقاتها بالطرائق التي تراها محققة لمصالحها، كان ترامب أشبه بمن ينفخ النار حول الحديد ويتفقده كل مرة إن كان قد لان وارتخى، حتى إذا ما تعب وخابت ظنونه زعم أنه يستجيب لدعوات العقلاء من الأصدقاء في المنطقة يخشون نتائج الحرب على استقرارها.

القادة الإيرانيون لم يرفّ لهم جفن ولم يُبدوا خوفا من سوء عاقبة، بل كانوا هادئين كما لو أنهم يتعاملون مع حالة نفسية وليس مع زعيم أقوى دولة في العالم اقتصاديا وعسكريا، يردّدون: "لا نقبل بحوار تحت التهديد"، "لا نقبل بحوار مشروط"، "مستعدون لحوار نِدّيّ ومستعدون للقتال"، "لا نبحث عن الأسلحة النووية لكن لا يحق لأحد أن يفرض علينا ماذا نفعل وماذا نملك".

لا يمكن الثقة بأي متعجرف مهما ادعى من رغبة في السلام ومن تدثّر بالدين ومن تجمّل بالأخلاق، فثمة فرق بين من وطّنوا أنفسهم على مبادئ إنسانية وقيم حضارية ويدافعون عن أنفسهم، وبين من ينظر إلى العالم على أنه سوق لممارسة التجارة وتحقيق الأرباح

ولعل أخطر جملة هي التي قالها الامام الخامنئي: "لا نريد الحرب ولكن إذا فُرضت علينا فسنخوضها ولن نموت وحدنا"، الدلالات الأمنية لهذه الجملة ليست بسيطة، بل إنها "مُرعبة"، خاصة وقد هدد قادةٌ عسكريون إيرانيون بأن صواريخ بلادهم ومُسيّراتها ستستهدف بكل قوة الكيان وكل بلد فيه قواعد العدو أو تنطلق منه هجمات عدائية.

العقل الأمريكي ينظر إلى المعركة بميزان المادة، يحسبها كمّياتٍ وأرقاما سواء في العتاد أو في الجنود، ولكن العقل الإيراني ينظر إلى المعركة بميزان العدالة وبقيم الحرية والكرامة وبعنفوان "الإنسان".

من المؤكد أن عقل ترامب لا يستوعب تلك المعاني، فثمة غشاوة سميكة تحجب عنه تلك القيم، إنها العجرفة والغرور والاستعلاء والأنانية، ولكن المؤكد أيضا أنه انتقل من حالة العنجهية إلى حالة الصدمة ثم إلى وضعية التساؤال: من أين يستمد هؤلاء القادة كل هذا الاطمئنان وهذه الثقة بالنفس؟

لأول مرة يتكلم ترامب عن الدين، ويعلن عن ثقته بكونه سيدخل الجنة لأنه حقق السلام في أكثر من مكان وأوقف حروبا.

لا يمكن الثقة بأي متعجرف مهما ادعى من رغبة في السلام ومن تدثّر بالدين ومن تجمّل بالأخلاق، فثمة فرق بين من وطّنوا أنفسهم على مبادئ إنسانية وقيم حضارية ويدافعون عن أنفسهم، وبين من ينظر إلى العالم على أنه سوق لممارسة التجارة وتحقيق الأرباح دون التزام معايير أخلاقية ودون اعتبار لحقوق الآخرين وسلامتهم وكرامتهم وسيادة أوطانهم.

ودون خوض في العسكريات، فلها أهلها، يمكننا القولُ بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومن خلال مرحلة "التسخين" للحرب هذه، قد نجحت في الانتصار لهويتها الحضارية ولمرجعيتها العقدية ولفلسفتها "الكربلائية" ولسياستها البراغماتية، بل لعلها تنتصر بمنع العدوان عليها مع الاحتفاظ بحقوقها النووية والصاروخية ودون قطع وشائجها مع شركائها في عقيدة المقاومة، وتلك الشروط الثلاثة التي يضعها ترامب والكيان لكفّ العدوان.

x.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)