قضايا وآراء

في بناء الإنسان والتحرر الوطني

بحري العرفاوي
"القوى الاستعمارية تحتاج حُكاما مستبدين وفاسدين تسلطهم على الشعوب وتمدهم بالمساعدات وتسكت عن جرائمهم وعن فسادهم"- عربي21
"القوى الاستعمارية تحتاج حُكاما مستبدين وفاسدين تسلطهم على الشعوب وتمدهم بالمساعدات وتسكت عن جرائمهم وعن فسادهم"- عربي21
شارك الخبر
لا يمكن أن يكون المستعمر والمستبد مُعادِيَين لبعضهما، إنهما يتكاملان ويخدم كل منهما الآخر إلى أجل يختاره الأقوى دائما.

القوى الاستعمارية تحتاج حُكاما مستبدين وفاسدين تسلطهم على الشعوب وتمدهم بالمساعدات وتسكت عن جرائمهم وعن فسادهم، وهم كلما تورطوا في الظلم والفساد كانوا أكثر طاعة وتذللا للقوى الاستعمارية، فلا يجدون شجاعة في نقد مواقفها وممارساتها الاستعمارية حتى وإن تسلطت على أشقائهم وجيرانهم، وفي أفضل الحالات يعبرون عن "قلقهم" أو يُوجّهون نداءات باردة لـ"الحكمة" و"ضبط النفس".

إن الاستبداد والاستعمار توأمان يخدم كل منهما الآخر إلى حين، والقوى الاستعمارية هي من يحدد "قوى الشر" في المجتمعات التابعة، وهي من تعطي الإذن باستهداف تلك "القوى" بما هي منظمات وأحزاب وهيئات وشخصيات اعتبارية، لا باعتبارها "قوى شر" حقيقية، أو حتى باعتبارها معارضة لحكام بلدانها، وإنما، وأساسا، باعتبارها قوى مناهضة للاستعمار وللإمبريالية.

حين ترى القوى الاستعمارية أن أولئك المستبدين قد فقدوا كل قدرة على ضبط الداخل بسبب أزمات اجتماعية أو بسبب انتشار الفساد والظلم، فإنها تقرر التخلص منهم بأساليب مناسبة، حيث تنسج لكل بلد مخططا "ينطلي" على المقهورين اجتماعيا وحقوقيا، فينخرطون بحماسة في ذاك المخطط

ثم حين ترى القوى الاستعمارية أن أولئك المستبدين قد فقدوا كل قدرة على ضبط الداخل بسبب أزمات اجتماعية أو بسبب انتشار الفساد والظلم، فإنها تقرر التخلص منهم بأساليب مناسبة، حيث تنسج لكل بلد مخططا "ينطلي" على المقهورين اجتماعيا وحقوقيا، فينخرطون بحماسة في ذاك المخطط وهم يشعرون بفخر كونهم هم من أسقط الديكتاتور، ليجدوا أنفسهم لاحقا في وضعية "استبدال" ضمن القوى الخادمة للاستعمار والامبريالية.

لقد تمت إهانة عدد من "الزعماء" العرب خاصة، والتخلص منهم بطرائق مهينة للشعوب أيضا. ولنا أن نتساءل: لماذ تم إعدام صدام حسين بتلك الطريقة وفي يوم عيد الأمة الإسلامية؟ ولماذا تم قتل القذافي بتلك الطريقة البشعة؟ هل فعلا كان الغرب بقيادة أمريكا مدافعا عن الديمقراطية ومنتصرا للمظلومين ضحايا الاستبداد والفساد؟

إن طريقة إعدام صدام وقتل القذافي إنما يراد منها، ظاهريا، تحقيق إشباع غريزة الثأر ونوازع الانتقام لدى كل من يرون في الرئيسين ظلما وفسادا واستبدادا، ولكن الهدف الحقيقي هو ترهيب كل من يفكر في رفع صوته بوجه قوى الاستعمار حتى وإن كان خادما لتلك القوى في مواضع أخرى، والهدف أيضا هو تجاوز كل السقوف الأخلاقية والقانونية في التعامل مع "الخارجين" عن "الخط" المسموح به في ممارسة "السلطة" على أبناء الشعب؛ دون تفكير في "التمدد" إقليميا أو دوليا بما يستهدف مصالح تلك القوى المهيمنة و"الضامنة" لدلال ربيبتهم غير الشرعية في المنطقة العربية.

مسموح لأولئك الحكام "الأدوات" باستعمال خطاب ثوري وإطلاق شعارات مدوية ضد الاستعمار والإمبريالية وضد الكيان الغاصب، ولكن دون توهّم القدرة على الفعل في "المناطق المحظورة"، حيث لا فاعل إلا الغالبون ميدانا لا بلاغة.

ما حدث في فنزويلا هو ضمن نفس رؤية القوى الاستعمارية، وقد تتكرر العملية في أماكن أخرى ضمن تسريع عملية إعادة تشكيل العالم وفق مصالح الغالبين.

ما حدث في فنزويلا هو ضمن نفس رؤية القوى الاستعمارية، وقد تتكرر العملية في أماكن أخرى ضمن تسريع عملية إعادة تشكيل العالم وفق مصالح الغالبين

أما أولئك المستبدون فلن يجدوا شعبا يدافع عنهم ولن يبكي عليهم الا المستفيدون منهم؛ لا حسرة عليهم وإنما تحسرا على زوال "نعمة". إن المستبدين كما يجدون دائما من يدعمهم، يجدون أيضا من يخونهم ويغدر بهم.

وسيظل السؤال دائما: كيف تُحقق الشعوب مواءمة بين الديمقراطية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية ضمن مشروع تحرري ينطلق من فلسفةٍ في "بناء الإنسان"، بما هو وجود واع ومكرم ومقاوم؟

مشروع "بناء الإنسان" لا يمكن أن تُنجزه جهات سياسية أو مالية أو أيديولوجية، إنما يشترك فيه مصلحون حقيقيون من ذوي الاختصاصات المتعددة ذات العلاقة بالعلوم الإنسانية والسياسية، وبالقيم الحضارية وبالأخلاق أساسا.

حين يكون الخطاب حول الحرية وحول الديمقراطية محكوما بمصالح ظرفية فلن تكون هناك معايير ثابتة لتمييز مواطن الحق عن الباطل، ومواطن العدل عن مواطن الظلم ومواطن الديمقراطية عن مواطن الاستبداد، وسيظل العالم يحتكم إلى معايير مائعة يحددها الأقدر على الاخضاع والأسرع في التأثير والأكثر جرأة على ممارسة القهر والظلم، تماما كما هو حاصل اليوم في عالمنا "الجديد"، حيث هيمنة قانون "الغلبة" على قانون العدالة.

ستظل القوى الحية في العالم مؤمنة بحتمية الانتصار على الظلم، سواء كان داخليا تمارسه أنظمة مستبدة، أو خارجيا تمارسه قوى الاستعمار والإمبريالية، ولن تُسلم تلك القوى الحية للظالمين بأحقيتهم في السيطرة، فالغلبة لا تُكسِب الظالمين شرعية ولا تجعل أصحاب الحق ييأسون من كونهم على حق.

إن القوى التي تخوض معركة القيم في "عالمنا الجديد"، هي بصدد دفع ثمن باهظ وهي حتى وإن لم تنتصر اليوم فإنها ستُخَلِّد تلك القيم التي كافحت من أجلها.

x.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)