أمريكا وإيران: حتمية المواجهة

بحري العرفاوي
"ثمة انشطار عالمي جديد يزداد حِدّة ووضوحا، بين فسطاطين كبيرين لن يكون بينها وئام ولا التئام"- جيتي
"ثمة انشطار عالمي جديد يزداد حِدّة ووضوحا، بين فسطاطين كبيرين لن يكون بينها وئام ولا التئام"- جيتي
شارك الخبر
فهم المقدمات يسمح باستنتاج المآلات، فكما في عالم الطبيعة ثمة سنن تحكم الظواهر، فإن في حركة التاريخ قوانين أيضا نفهم بها الوقائع ونستشرف بها المستقبل.

استشراف مستقبل العلاقة بين أمريكا وإيران لا يمكن أن يُبنَى على معطيات القوة العسكرية أو على طبيعة التحالفات وتغير المصالح بين الدول، فكل تلك الظواهر إنما هي أدوات عملية في ممارسة المرتكزات العَقَدية لكل من الدولة الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، فالسياسة في الظاهر تحكمها مصالح اقتصادية، ولكنها في الجوهر مرتبطة بتصورات عَقَدية شاملة أي بنظرة للعالم وللتاريخ وللمستقبل أيضا.

وحين نراجع العلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية نجد أنها قامت منذ نجاح الثورة في شهر شباط/ فبراير 1979 على العداء وعلى التهديد من ناحية، والعناد من ناحية أخرى.

الزعيم الإيراني آية الله الخميني أسس عقيدة الثورة على مفردات مرجعية، وهي مواجهة الاستكبار العالمي والانتصار للمستضعفين واعتبار الولايات المتحدة الأمريكية "الشيطان الأكبر" و"عدوة الشعوب"، واعتبار الكيان المحتل "غدة سرطانية" استئصالها واجبٌ شرعي.

استشراف مستقبل العلاقة بين أمريكا وإيران لا يمكن أن يُبنَى على معطيات القوة العسكرية أو على طبيعة التحالفات وتغير المصالح بين الدول، فكل تلك الظواهر إنما هي أدوات عملية في ممارسة المرتكزات العَقَدية لكل من الدولة الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية

هذه المفردات تحولت إلى وقود محرك للشباب وحتى للكهول والشيوخ في معركة لا تعرف استقرارا ولا تعتدل عند تسويات مائلة، كان الخطاب الثوري "جذريا" بوجه الغرب، كل الغرب، باعتباره استعماريا وأيضا باعتباره شريكا في المظلمة التاريخية المسلطة على الشعب الفلسطيني المسلم.

كان إجراء عظيما ما اتخذه الإمام الخميني، حين أغلق مقر سفارة الكيان ليسلمها مباشرة الى زعيم الثورة الفلسطينية يوما الشهيد أبو عمار، ثم كانت الخطوة الكبرى في تحدي الإدارة الأمريكية حين احتل طلبة جامعة طهران يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 مبنى السفارة واعتبروه "وكر الجواسيس"، واحتجزوا 52 موظفا وديبلوماسيا لمدة 444 يوما

قد تكون تلك الحادثة أول إهانة بذاك الحجم تتلقاها الإدارة الأمريكية في حكم الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، فأرسل أسطولا حربيا للمنطقة وهدد بشن عدوان على الجمهورية الإسلامية، ولكن الإمام الخميني كان رده تسليح المواطنين لمواجهة أي عدوان، وحين يئس كارتر من حصول تراجع من القيادة الإيرانية عن عملية الاحتجاز، تراجع عن الخيار العسكري وأعلن الحصار الاقتصادي، فكان رد الإمام الخميني بأن فلسفة الصوم الذي فرضه الإسلام إنما تهدف الى تدريب المسلمين على مواجهة مثل هذه الأزمات.

في 24 نيسان/ أبريل 1980 نفذت الولايات المتحدة الأمريكية عملية عسكرية أطلقت عليها "مخلب النسر" في محاولة لتحرير رهائنها المحتجزين في سفارتها بطهران، ولكن تحطمت طائرتان أمريكيتان في صحراء طبس الإيرانية وتوفي ثمانية جنود من الكوماندوس المهاجم.

ورغم التقاء تحديات كبيرة على الثورة الإيرانية، من حصار اقتصادي شامل ومن عمليات تفجير تقوم بها المعارضة يومها ومن حرب مدمرة مع العراق ومن زلازل وكوارث طبيعية، فإن خطاب القيادات ظل ثابتا لا يتزحزج وظل الحديث عن فلسطين بوصلة لا تحيد، وظل الاحتفال باليوم العالمي للقدس قائما في كل جمعة أخيرة من شهر رمضان المعظم من كل سنة، وهي دعوة صادرة عن قائد الثورة الإسلامية الإيرانية منذ 1979.

واستطاعت الجمهورية الإسلامية بناء شبكة من العلاقات مع دول عدة تتمايز سياساتها الرسمية إلى حدٍّ كبير مع السياسة الأمريكية، فكانت متنفسا لها بوجه الحصار واستطاعت أن تصمد أكثر من أربعة عقود.

ورغم صعوباتها الاقتصادية ظلت الجمهورية الإسلامية تقدم أشكالا من الدعم لفصائل المقاومة في فلسطين ولبنان وفي اليمن، حتى بَدت سياساتها الداعمة لتلك الفصائل المقاومة مزعجة للكيان المحتل وللإدارة الأمريكية ومحرجة في آن لعدة أنظمة عربية اختارت مسار التسويات أو التطبيع أو "الحياد".

لقد اجتمعت مخاوف الكيان المحتل ومخاوف عدد من الأنظمة العربية، فالكيان المحتل أصبح يرى في إيران مصدرا لقوة فصائل المقاومة التي تطورت أساليبها من الحجارة والمقلاع إلى الكاتيوشا ثم الصوارخ، وأما تلك الأنظمة العربية المتخوفة فبعضها أصبح يرى في إيران تهديدا لاستقراره السياسي ولانسجامه المذهبي، حتى صار الجدل المذهبي طاغيا على الجدل الفكري وعلى المطارحات السياسية، ورغم أن قَدرا من هذه المخاوف مفهوما، فإن الكثير منه تغذيه مختبرات صناعة الفتنة بين المسلمين لإضعافهم وصرف قُوّتهم نحو بعضهم، حتى صار البعض يُفضل توسع الكيان المحتل في الجغرافيا على ما يرونه توسعا عَقَديا شيعيا على حساب المعتقد السني.

سيظل التهديد العسكري من قبل أمريكا والكيان الغاصب قائما لا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقط وإنما ضد كل من يعتقدون في خيار المقاومة

بعد حرب تموز/ يوليو 2006، بدأ الاشتغال على "المذهبية"، ثم بعد اندلاع "طوفان الأقصى" وطيلة أكثر من عامين من صمود المقاومة في غزة كان العدوّ يتحول إلى "منظومة" متكاملة ومتعاونة عسكريا وسياسيا واستخباراتيا وثقافيا ودينيا، تخوض حربها ضد المقاومة لا بما هي تنظيمات وإنما بما هي عقيدة، عقيدة لا تصوغ مفردات خطابها من تاريخ المذاهب وإنما من ميادين المواجهة مع العدو، ولا تجمع عناصرَها وشائجُ اللغة والمذهب وإنما تجمعها خلايا الدم الأحمر القاني، إنها عقيدة المقاومة، بروحها الإسلامية وشموخها الإنساني وجماليتها الكونية تتبدّى في رشاقة رجال الجبهات وفي مسيرات الشباب بشوارع كبرى المدن الغربية والعربية والإسلامية، إنها عقيدة ما بعد الطائفية وما فوق العِرقية وما أقوى من "إبراهيمية" يريدونها حيلة لتذويب إرادة التحرر ولحجب الحقيقة واغتصاب الحقوق.

ثمة انشطار عالمي جديد يزداد حِدّة ووضوحا، بين فسطاطين كبيرين لن يكون بينها وئام ولا التئام، وإنما هو صِدام يشتد ويخفت، ما زال فيه الحق ضعيفا ولكنه لا يستسلم وسيظل يقاوم إلى أن يتحقق انتصارٌ ذو اقتدار في لحظة يستوي فيها ميزان التاريخ على قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

ضمن هذه الرؤية التأصيلية للصراع، سيظل التهديد العسكري من قبل أمريكا والكيان الغاصب قائما لا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقط وإنما ضد كل من يعتقدون في خيار المقاومة، وإن كل ما سيكون من هدوء وتفاوض ومن "انتكاس" وكُمون، إنما هو لالتقاط الأنفاس استعدادا لجولات أخرى.

x.com/bahriarfaoui1
التعليقات (0)