مواقف الدعم للجمهورية الإسلامية
الإيرانية في صراعها مع التحالف الصهيوأمريكي
يمكن تبويبُها في مستويين:
- أولا: مستوى مبدئي عملي
وهو الوقوف الذي تمارسه قوى المقاومة في المنطقة باعتبارها أطرافا في فاعلة في
محور يجمع قوى متحالفة مع دولة ترفع منذ تأسيسها شعار تحرير القدس، وتعتبر الكيان
المحتل "غدة سرطانية وجب اقتلاعها" وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية
"شيطانا أكبر"، ولا تتردد في تقديم كل أشكال الدعم لمختلف فصائل
المقاومة باعتراف أبرز قادتها؛ هذه القوى أعلنت موقفها المبدئي في الوقوف إلى جانب
الجمهورية الإسلامية في مواجهتها مع التحالف الأمريكي الأسرائيلي، وقد عبر كل من
زعيم حزب الله اللبناني والناطق باسم أنصار الله الحوثي وكذلك الحشد الشعبي
العراقي؛ عن موقف واضح بأن الدعم سيكون ميدانيا حال تعرض إيران لعدوان عسكري أمريكي
إسرائيلي.
هذه القوى ترتبط ارتباطا عقديا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي تعي جيدا
بأنها مستهدفة جميعها لكونها مقاومة ولكونها تمثل حالة "انتظام" تتجاوز
العلاقة بين مكوناته مجرد
التضامن الظرفي؛ لتكون علاقة انسجام عقدي تتّحد أهدافه
ومواقفه وأساليب عمله، وهو "انتظام" يملك قراره ويُدار من موقع مركزي له
سلطته الروحية ورمزيته الكفاحية وانتماؤه التاريخي.
المواقف المبدئية الأخلاقية، لا ينطلق أصحابها من حسابات الربح والخسارة، أو الانتصار والهزيمة، وإنما ينطلقون من مبادئ ثابتة وهي الانتصار للحق سواء كان أصحابُه أقوياء أو ضعفاء، وسواء تحققت لهم الغلبة أم كانوا مغلوبين
فصائل المقاومة الفلسطينية هي ضمن هذا المحور، ولكنها تتمتع بخصوصيتها وأيضا
لها بيئتها التي لا تستطيع الخروج عنها، وهي البيئة التي تفرضها الجغرافيا ويفرضها
التاريخ، وقد خاضت تلك الفصائل ملحمة طوفان الأقصى وحققت معجزات حقيقية وأحدثت
زلزالا عالميا في مستويات السياسة والقيم والوعي، وهي الآن تواجه بحذر مخطط
"مجلس السلام" الذي يحاول الرئيس الأمريكي توريط النظام العربي الرسمي
فيه.
الدعم الروسي الصيني قد يكون دعما عمليا، ولكنه غير مبدئي، فأهداف الجمهورية
الاسلامية الإيرانية ليست هي أهداف كل من روسيا والصين، إنما ثمة مصالح تفرض على
الدولتين اتخاذ مواقف عملية لمنع مزيد توسع النفوذ الأمريكي في مجالات حيوية
لمصالح الدولتين، وقد تمتد تلك الهيمنة لتنال من سيادتهما وقد تتسبب لهما في مشاكل
داخلية تهدف الى إضعافهما أو حتى تفكيكهما.
- ثانيا: مواقف مبدئية أخلاقية
ثمة مستوى ثان للدعم، هو مستوى مبدئي نظري، لا يتجاوز البيانات وربما الشعارات
في مسيرات وتظاهرات تقوم بها جماهير غير منتظمة، ترفض الظلم وتقف إلى جانب المظلوم،
وتحاول الضغط لصناعة مزاج عالمي واسع يضغط على صانع القرار الأمريكي خاصة لمراجعة
مواقفه العدوانية وخياراته العسكرية.
غير أن تلك المواقف لن يكون لها تأثير عملي، فقد علّمنا التاريخ أن القرار
العسكري الأمريكي لا تحدده الأخلاق وإنما تحدده المصالح وتضبطه موازين القوة، وقد
تابع العالم الحرب الأمريكية على أفغانستان في 2001 والحربين على العراق في 1991
و2003، لقد كانت المصالح وحدها هي المحددة، ولم تؤثر المسيرات الشعبية وبيانات الإدانة
وقصائد الشعراء وخطابات الزعماء في تعطيل محركات الطائرات والدبابات، ولم توقظ
ضميرا إنسانيا في غرفة عمليات القتل ولا في سجون التعذيب والإهانة.
هذه المواقف المبدئية الأخلاقية، لا ينطلق أصحابها من حسابات الربح والخسارة،
أو الانتصار والهزيمة، وإنما ينطلقون من
مبادئ ثابتة وهي الانتصار للحق سواء كان
أصحابُه أقوياء أو ضعفاء، وسواء تحققت لهم الغلبة أم كانوا مغلوبين، فالحق لا
يُلغَى بنتائح منازلات عسكرية ولا يموت أصحابُه بمجرد قتلهم، إنه يظل حيّا ويظل
أصحابُه أحياء خاصة إذا ما قضوا لأجله شهداء؛ فإنهم يُخلدون قضاياهم العادلة
تتوارثها الأجيال ويتناسل من دمهم مناضلون ومكافحون يقاومون الظلم والهيمنة
ويرفضون الاستسلام حتى وإن غُلِبوا وخسروا معارك، فالغَلبة لا تصنع انتصارا،
والهزائم لا تكون إلا حين ينهزم صاحب الحق نفسيا فيعلن استسلامه ويتخلى عن قضيته.
المبدئيون لا يعلنون دعمهم للجمهورية الإسلامية لأنهم يقدّرون أنها تَغلب عسكريا،
فأصحاب هذا التقدير لا يصمدون وسينقلبون على أعقابهم وسيتهمون القيادة الإيرانية
بالمغامرة كما حصل مع قادة الطوفان، وإنما هم يدعمونها لإيمانهم الراسخ بأن الظلم
جريمة لا يمكن السكوت عنها، وبأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي هو تحالف عدواني
يهدد السلم العالمية ويهدد حياة الشعوب وثقافات الأمم ومعتقداتها وثرواتها.
أصبح التحالف الصهيوأمريكي أكثر جرأة في التحرّش بكل البلاد العربية وحتى بتركيا رغم كونها حليفا في النيتو، لقد صدرت تصريحات عن قادة بارزين في الكيان تكشف بوضوح عن نوايا توسعية وعما يزعمون أنه حق تاريخي وتوراتي سيستعيدونه
لقد أصبح التحالف الصهيوأمريكي أكثر
جرأة في التحرّش بكل البلاد العربية وحتى بتركيا رغم كونها حليفا في النيتو، لقد
صدرت تصريحات عن قادة بارزين في الكيان تكشف بوضوح عن نوايا توسعية وعما يزعمون
أنه حق تاريخي وتوراتي سيستعيدونه، وهم واثقون من كون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
الحالي هو فرصتهم التي عليهم استغلالها في تحقيق أحلامهم الكبرى.
الأنظمة العربية والإسلامية
التي تخاذلت عن دعم غزة وظنت أنها في مأمن من الاستهداف حين سكتت وحين دفعت
الأموال الطائلة لترامب، ها هي تعضّ على أصابعها وتعلن تفاجئها بتصريحات مسؤول أمريكي،
وقد نشرت منابر إعلامية أخيرا أن "14 دولة عربية وإسلامية
وأمانات مجلس التعاون والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي؛ تدين في بيان
مشترك تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل التي أشار فيها إلى قبول ممارسة
إسرائيل سيطرتها على أراض تعود لدول عربية بما في ذلك الضفة الغربية".
وذكرت تلك المنابر الإعلامية أن "قائمة الدول الموقعة على البيان تضم
دولة قطر، والمملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ومملكة
البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا، وباكستان، وجمهورية مصر
العربية، والجمهورية التركية، والجمهورية العربية السورية، ودولة فلسطين، ودولة
الكويت، والجمهورية اللبنانية، وسلطنة عُمان".
فهل تُحدث الهجمة الصهيوأمريكية على المنطقة صدمة شبيهة بما أحدثته حملة
نابوليون بونابرت على مصر سنة 1798، فيُعيد العرب والمسلمون طرح نفس السؤال ولكن
بصيغة أكثر وضوحا وأشد مرارة فيقولون :"لماذا يغلبوننا دائما
ويُهينوننا"؟
x.com/bahriarfaoui1