لا يمكن قراءة الدينامية التي أبان عنها حزب
العدالة والتنمية، خلال الفترة
الأخيرة المقدرة منذ شباط/فبراير 2026، بمعزل عن سياق أعمّ يتجاوز منطق الأنشطة
الحزبية في
المغرب، إلى سؤال أعمق يتعلق بـإعادة إنتاج الفاعل الحزبي لذاته، داخل
حقل سياسي متحوّل. فالحزب، الذي وجد نفسه بعد 2021 أمام اختلال وارتباك مزدوجين في
التمثيلية والشرعية، يبدو اليوم منخرطا في مسار تدريجي لإعادة التموقع، قوامه
التدرج والتراكم بدل القفزات "التكتيكية".
أول ملامح هذا المسار تتجلى في ما يمكن تسميته بـ"عقلنة الحقل
التنظيمي الداخلي"، فتنظيم الجموع العامة الإقليمية للترشيح، لا يعكس فقط
دينامية تحضيرية للاستحقاقات المقبلة بشكل مبكر، بل يؤشر على محاولة واعية لإعادة
بناء رأسمال تنظيمي تآكل بفعل ضغوط المرحلة الحكومية الثانية على وجه الخصوص،
وتداعياتها التي ظهرت في نتائج
انتخابات 2021. هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد ترتيب
لوائح انتخابية، بل بإعادة ضبط العلاقة بين المركز والمجال، وبين القيادة
والقواعد، بما يضمن حدا أدنى من الانسجام الداخلي الضروري لأي استعادة سياسية محتملة.
إعادة ضبط العلاقة بين المركز والمجال، وبين القيادة والقواعد، بما يضمن حدا أدنى من الانسجام الداخلي الضروري لأي استعادة سياسية محتملة
غير أن هذا الجهد التنظيمي يظل، في جوهره، مدخلا لإشكالية أعمق تتعلق
باستعادة الشرعية السياسية في بعدها المجتمعي، فالحزب يدرك أن أزمته لم تكن
تمثيلية أو انتخابية فحسب، بل مست بنية الثقة التي كانت تربطه بامتداداته
الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يكتسي تجديد الصلة مؤسساتيا مع نقابة الاتحاد الوطني
للشغل بالمغرب، دلالة كبرى، باعتباره محاولة لإعادة ترميم الوسائط الاجتماعية،
التي تُمكّن الحزب من التحول من مجرد فاعل انتخابي، إلى حامل لمطالب فئات مهنية
وفئات اجتماعية محددة.
في مستوى آخر، يشتغل الحزب على إعادة تأطير موقعه داخل النسق السياسي
الوطني، وقد برز ذلك في نبرة بلاغات أمانته العام خلال هذه المرحلة، والتي تعكس
سعيا إلى التموقع كمعارضة مؤطرة لا تكتفي بالاحتجاج، بل تسعى إلى إنتاج سياسي بديل.
غير أن هذا الطموح يواجه مفارقة بنيوية يجملها سؤال: كيف يمكن لحزب كان في صلب
التدبير الحكومي لولايتين، أن يعيد بناء خطاب معارض مقنع، دون السقوط في التبرؤ
الانتقائي من ماضيه الحكومي؟ إنها إشكالية الانتقال من شرعية الإنجاز إلى شرعية
النقد، بكل ما يرافق ذلك من توترات وبياضات في الخطاب السياسي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد السياقي المرتبط بتحولات الحقل السياسي
في المغرب، حيث تتسم المرحلة بضعف الوساطة الحزبية، وتنامي منسوب اللامبالاة
السياسية، وتراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية. وفي هذا السياق،
العدالة والتنمية، يوجد اليوم في طور إعادة التشكل على واجهات متعددة، في خضم مرحلة انتقالية بين ماض مثقل بكلفة المشاركة في السلطة، ومستقبل لم تتحدد ملامحه بعد
تصبح مهمة الحزب
أكثر تعقيدا، فهو لا ينافس فقط فاعلين سياسيين آخرين، بل يواجه كذلك بنية مزاج عام
متشكك في جدوى الفعل السياسي ذاته.
وما يميز تحركات الحزب خلال هذه الفترة، وخاصة بعد المجلس الوطني، هو أنها
تعكس نوعا من الاقتناع بحدود الفعل السياسي في مرحلته الراهنة، فلا خطاب تصعيديا
حادا، ولا رهانات كبرى معلنة، بل اشتغال هادئ على إعادة بناء الشروط الدنيا للعودة
المحتملة، من مدخل التنظيم المتماسك، والامتداد الاجتماعي القابل للتفعيل، وخطاب
سياسي يسعى إلى استعادة المصداقية دون ادعاء امتلاك الحقيقة.
بكلمة، يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية، يوجد اليوم في طور إعادة
التشكل على واجهات متعددة، في خضم مرحلة انتقالية بين ماض مثقل بكلفة المشاركة في
السلطة، ومستقبل لم تتحدد ملامحه بعد. ونجاح هذا المسار لن يتوقف فقط على حسن
تدبير الاستحقاقات المقبلة، بل على قدرة الحزب على إنتاج تعاقد سياسي جديد مع
المجتمع، يتجاوز منطق التمثيل الانتخابي إلى أفق أوسع؛ قوامه استعادة الثقة في
الفعل السياسي، واستعادة الأمل في الإصلاح من داخل المؤسسات.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.