الفنان والسلطة

هشام عبد الحميد
"اختلاف المعطى السياسي، اختلف المشهد أيضا مع عبد الحليم"- ويكيبيديا/ سامي السعدني
"اختلاف المعطى السياسي، اختلف المشهد أيضا مع عبد الحليم"- ويكيبيديا/ سامي السعدني
شارك الخبر
إن علاقة الفنان بالسلطة، في أي مكان وزمان، قد تأخذ بعدا إيجابيا أو سلبيا، تبعا للمتغير الاجتماعي أو السياسي، وكذلك بحسب قرب الفنان من السلطة ورضاها عنه أو غضبها منه. وفي كل الأحوال، تنعكس هذه العلاقة على الفنان سلبا أو إيجابا. ونورد هنا بعض الأمثلة -على سبيل المثال لا الحصر- حول مواقف السلطة من الفنان، دعما أو تضييقا.

ولعل من أبرز الأمثلة التي نتوقف عندها كثيرا: عبد الحليم حافظ، مغني الثورة والمبشر بأحلامها وطموحاتها. فقد احتضنت الثورة، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عبد الحليم حافظ ودللته كثيرا. ولكن مع اختلاف المعطى السياسي، اختلف المشهد أيضا مع عبد الحليم؛ فرأينا في العهد الساداتي مغنيا كأحمد عدوية يتفوق في توزيع أسطواناته على عبد الحليم، مما مهد الأرض لنجومية جديدة من نوع مختلف، كانت بمثابة ضربة غير مباشرة لزمن عبد الحليم وفنه.

وكذلك أم كلثوم؛ فقد كانت الأعظم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولكن مع تغير المعطى السياسي اهتزت صورتها، ومُنعت أغانيها من الإذاعة المصرية بفعل فاعل، وسُرق منها مشروع "الوفاء والأمل". ولعل رحيل كلٍّ من عبد الحليم وأم كلثوم في أعوام متقاربة يشي برحيل رموز ملأوا حياتنا إبداعا وفنا.

ومن أشد الأمثلة إيلاما أسماء مثل: زكي طليمات، ومحمد فوزي، وليلى مراد، وإسماعيل ياسين، وفؤاد المهندس.

فخطأ زكي طليمات -على سبيل المثال- أنه وقف في صف محمد نجيب في دعوته إلى عودة الضباط إلى الثكنات، فأُقيل من عمادة المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أنشأه، واضطر إلى مغادرة البلاد ليستقر به الحال في الكويت الشقيقة، حيث أنشأ المعهد العالي للفنون المسرحية هناك.

أما محمد فوزي، ذلك العبقري، فبرغم إنشائه أول شركة أسطوانات في الشرق الأوسط، على غرار الشركات الأوروبية بل متفوقة عليها، لم يشفع له ذلك عندما لم يغنِّ للرئيس جمال عبد الناصر، بل غنّى لمصر: "بلدي أحببتك يا بلدي". فتم تأميم شركته وأملاكه، وأصيب بمرض عضال، ورحل عن دنيانا كمدا وحسرة عما لحق به.

ليلى مراد كان خطؤها أنها كتبت خطابا إلى محمد نجيب، بصفته رئيسا لمصر، لإنصافها. وقد دفعت أثمانا باهظة نالت من سمعتها ودورها المهني، ومن بين ما أشيع عنها أنها تقدم تبرعات لإسرائيل بوصفها يهودية الديانة.

أما العظيم، شديد التوهج، فؤاد المهندس، فكانت جريمته أنه سجّل في برنامجه الشهير "كلمتين وبس" عتابا على الهجوم الذي وقع على الرئيس السادات بسبب انتهاجه سياسة التطبيع، فحلت به مأساة تمثلت في منع اسمه من التوزيع، وبالتالي حصاره وتهميشه، واضطراره -بعد أن كان بطلا لأفلامه- إلى قبول أدوار ثانية مع تلاميذ أصبحوا أبطالا عليه. وكان ذلك عقابا قاسيا، ولم يقف أحد إلى جانبه، الأستاذ والإنسان، بل اكتفى الجميع بنظرات الشفقة أو التشفي.

هكذا تنوعت علاقة الفنان بالسلطة، أيّا كانت هذه السلطة. وتحضرنا أيضا العديد من الأمثلة الإقليمية والعالمية، لكن لعل لذلك مقالات أخرى، فإلى لقاء في مقال آخر.
التعليقات (0)