فطين عبد الوهاب.. صانع البهجة

هشام عبد الحميد
"قدّم فطين عبد الوهاب نجومنا في قوالب مختلفة عمّا هو متعارف عليه"
"قدّم فطين عبد الوهاب نجومنا في قوالب مختلفة عمّا هو متعارف عليه"
شارك الخبر
ما أحوجنا اليوم إلى فنّ هذا المبدع الكبير، الذي ملأ حياتنا بهجة وسعادة. وبرغم اختياره الطوعي للكوميديا قاسما مشتركا أعظم لأعماله السينمائية، فإن ذلك لا ينفي قدرته الكبيرة على التنوع والتباين في موهبته؛ فقد قدّم أعمالا لا تنتمي إلى الكوميديا، وكانت على الدرجة نفسها من الإمتاع، من بينها -على سبيل المثال- فيلم الأخ الكبير، لفريد شوقي وهند رستم وأحمد رمزي. غير أن استقراره وقراره الإبداعي باختيار الكوميديا، بلا شك، كان اختيارا في صالح المتلقي العربي والمصري على حد سواء. فمن منا ينسى سلسلة أفلام الفنان الكبير إسماعيل ياسين في البوليس والبحرية وما إلى ذلك، مسجِّلا ومحققا لنجمنا الكبير أعمالا ستظل خالدة في تاريخ السينما المصرية.

ولعل من الأسباب التي عجّلت برحيل إسماعيل ياسين حزنه على رحيل رفيق دربه وشريكه في النجاح والمجد، فطين عبد الوهاب، الذي سبقه إلى الرحيل بأسبوع واحد.

لقد قدّم فطين عبد الوهاب نجومنا في قوالب مختلفة عمّا هو متعارف عليه، حتى فؤاد المهندس كان مختلفا في الأفلام التي تحمل توقيع فطين عبد الوهاب، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين قدّم كلا من أحمد مظهر وعمر الشريف بثوب جديد وغير مألوف.

فمن ينسى أحمد مظهر في فيلم أضواء المدينة، والمشهد الخالد الذي اضطر فيه إلى التحول لعدة شخصيات؛ صبي قهوجي، وكلب ينبح، وغير ذلك، كي يرضي عائلة شادية الثرية، التي هي في حقيقتها فرقة بائسة فقيرة. وكانت المفارقة هنا، إلى جانب أداء أحمد مظهر، هي ما صنع من كوميديا راقية بحق.

ومن ينسى أيضا الأداء المفاجأة لعمر الشريف في فيلم إشاعة حب أمام سعاد حسني ويوسف وهبي وعبد المنعم إبراهيم؟ إذ قدّم أداء استثنائيا لشخصية الشاب الخجول الذي لا يعرف من الحياة سوى العمل، بينما يحاول يوسف وهبي أن يصنع له هالة زائفة كزير نساء، ليُبهر بها ابنته سعاد حسني ويُبعدها عن ابن خالتها لوسي، ذلك الشاب الرقيع الماجن. وقد جسّد عمر الشريف هذه التحولات بخفة ظل لافتة تُسجَّل في تاريخه، لا سيما وهو يقف أمام يوسف وهبي، الذي تمتع في هذا الفيلم -وبخاصة- بكاريزما وخفة ظل تضاهي كبار فناني الكوميديا في العالم.

وعلى الرغم من ظهور بذور هذه الكوميديا في أفلام سبقت إشاعة حب، مثل بيومي أفندي والمهرج الكبير ليوسف شاهين، فإن إشاعة حب يظل متفردا بخصوصيته وتميّزه في الكوميديا التي قدّمها يوسف وهبي.

ويعود كل ذلك في النهاية إلى براعة فطين عبد الوهاب وحذقه وحرفيته كمخرج كبير؛ بدءا من اختياره للموضوع، وكتابة السيناريو، واحتوائه على المفارقات الكوميدية، مرورا بترشيح الممثلين وإدارتهم على عكس المتوقع من تاريخهم، وصولا إلى اختيار العدسات، وأحجام اللقطات، والزوايا، والمونتاج، الذي كان يتعامل معه بحساسية شديدة لتفجير الضحكات.

ولعل مشهد الكومبارس الذي قدّمه إسماعيل ياسين ما يزال حاضرا في ذاكرتنا الجمعية حتى اليوم؛ يثير بهجتنا وينتزع ضحكاتنا، ذلك المشهد الذي قدّم فيه فطين عبد الوهاب يوسف شاهين كضيف شرف، في دور المخرج السادي الذي يطلب من الكومبارس المسكين -إسماعيل ياسين، الذي يؤدي هنا دور دوبلير البطل- أن يصعد سلالم القصر الطويلة ليواجه رجلا مفتول العضلات، فيقوم إسماعيل ياسين بصفعه، فيرد الآخر بصفعة لا يقوى عليها، فيتدحرج منكفئا على سلالم القصر. ولا يرضى المخرج، فيعيد اللقطة مرة بعد مرة، حتى يصل الدوبلير إلى حد الانهيار.

إن هذا المشهد المضحك، السهل الممتنع، يلخّص أسلوب فطين عبد الوهاب في خلق الكوميديا؛ ليس فقط من الموقف، بل أيضا من خلال حرفيات السينما المتنوعة، من زوايا الكاميرا، واختيار العدسات، وأحجام اللقطات، إلى غير ذلك.

نعم، كان فطين عبد الوهاب صانع البهجة، وسيظل باقيا في ذاكرتنا وذاكرة السينما المصرية ما دمنا.. وما دامت.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)