كان المفكر
الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري يفرّق دوما بين نمطين من المشتغلين بالمعرفة: الأكاديمي
التقليدي الذي ينكفئ داخل جدران جامعته الغارقة في الأوراق والترقيات والشكليات البيروقراطية
المنعزلة عن حركة الشارع، وبين المثقف الحقيقي الذي يتحرك بين الناس، ويحمل همومهم،
ويترجم الأفكار النقدية المجردة إلى مشروعات حية لبناء الوعي وحماية الهوية والتصدي
لمحاولات التزييف الحضاري.
وبرحيل
العالِم اللغوي والمفكر
المصري الكبير الدكتور
خالد فهمي، أستاذ اللغويات بكلية الآداب
جامعة المنوفية، والخبير بمجمع
اللغة العربية بالقاهرة، والمستشار الثقافي السابق لدار
الكتب والوثائق القومية؛ تفقد الأمة العربية والإسلامية نموذجا حيا وجليا لذلك المثقف
الذي وصفه المسيري. فلم يكن الراحل مجرد سادنٍ للغة الضاد في محرابه الأكاديمي، بل
كان حارسا لثغورها الثقافية، صابرا ومصابرا، أفنى عمره في التنقيب في أسرار العربية،
ليس بوصفها أداة للتواصل الفني فحسب، بل باعتبارها أمننا القومي الأول، وخط الدفاع
الأخير عن وجود هذه الأمة وذاكرتها التاريخية.
لقد تلاقت
خطوط
فكر المسيري في "المثقف العضوي المرتبط بناسه" مع حركة الدكتور خالد
فهمي الذي لم ينعزل يوما في صومعة عاجية، بل خرج بعلمه وفقهه اللغوي إلى فضاء المجتمع،
مؤمنا بأن المعركة الحقيقية هي معركة وعي وهويّة.
1.
التكوين والمسيرة: عالم في محراب الهوية
تلخصت رؤية الدكتور خالد فهمي في أن "معركة اللغة هي معركة وعي وجودي". وكان يرى أن الأمم لا تُهزم عسكريا أو اقتصاديا إلا بعد أن تُهزم لغويا وثقافيا وتفقد لسانها الأصيل
لم يكن
الدكتور خالد فهمي مجرد أكاديمي يمنح درجات علمية أو يلقي محاضراته الروتينية على طلابه؛
بل كان باحثا موسوعيا يجمع بين دقة المنهج اللغوي الحديث، وعمق الاطلاع على التراث
الإسلامي والعربي. تنقّل في مناصب ثقافية وأكاديمية متعددة، وترك في كل مكان بصمة لا
تُمحى، خاصة خلال فترة عمله في دار الكتب والوثائق القومية، حيث أدرك مبكرا قيمة "الوثيقة"
و"المخطوط" في تثبيت أركان الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الجمعية من التشويه.
2. فلسفته الفكرية: اللغة أمن قومي
تلخصت
رؤية الدكتور خالد فهمي في أن "معركة اللغة هي معركة وعي وجودي". وكان يرى
أن الأمم لا تُهزم عسكريا أو اقتصاديا إلا بعد أن تُهزم لغويا وثقافيا وتفقد لسانها
الأصيل. ومن هنا، تميز مشروعه بعدة مرتكزات:
-
مواجهة التغريب الثقافي: وقف بقوة ضد محاولات تهميش اللغة العربية في التعليم والحياة
العامة، محذرا من أن استبدال اللغات الأجنبية بالعربية في مراحل التعليم الأولى يشوه
وعي الطفل ويفصله عن جذوره وانتمائه.
-
توطين المعرفة: كان داعما كبيرا لحركة الترجمة والتعريب، مؤمنا بأن الأمة لا يمكن أن
تنتج معرفة حقيقية أو نهضة مستقلة بلغة غير لغتها.
-
ربط اللغة بالمجتمع: رفض "علمنة" اللغويات وفصلها عن السياق القيمي والاجتماعي،
فكانت أبحاثه دائما تربط بين البنية اللغوية وبناء السلوك البشري والوعي الحضاري.
3.
الوداع المهيب: كيف رثا المثقفون خالد فهمي؟
لم يكن
رحيل الدكتور خالد فهمي مجرد حدث عابر في الأوساط الأكاديمية، بل أحدث صدمة حزن عميقة
وترددت أصداؤه في جنبات الوطن العربي. فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي، والمجلات الثقافية،
والمنصات الفكرية بمرثيات دافقة من المفكرين، والكُتّاب، والإعلاميين، وتلامذته الذين
رأوا فيه "الأب الروحي" والملاذ الآمن لكل باحث عن الحقيقة.
تفقّد
المثقفون برحيله نموذجا نادرا لـ"عالم الثغور"؛ ذلك العالِم الذي يدرك أبعاد
المعركة الثقافية ولا ينسحب للأبراج العاجية. رثاه زملاؤه في مجمع اللغة العربية، والمؤسسات
الفكرية في مصر والعالم العربي، واصفين إياه بأنه كان جسرا فريدا بين التراث والمعاصرة،
وامتاز بقدرته الفائقة على تسييل المعارف المعقدة وجعلها قريبة من وعي الشباب، محاربا
بلا ضجيج، لم يطلب وجاهة أو منصبا، بل كان حضوره دائما لخدمة الفكرة ودعم الهوية.
4.
من مشكاة فكره: مقولات خالد فهمي الخالدة
تميز الراحل
بعباراته المركزية الدقيقة التي تلخص مشروعه الفكري، والتي تُعد نبراسا لكل سائق في
طريق الوعي:
- "إن اللغة العربية ليست مجرد وعاء للمفردات،
بل هي نظام تفكير، ورؤية للكون، وجدار صد يحمي الأمة من الذوبان".
-
"صناعة الوعي هي الجهاد الأكبر في هذا العصر؛ فالأمة التي تفرط في كتابها وفي
لغتها وفي تاريخها، تسلّم مفاتيح قلعتها لخصومها طواعية".
- "تحقيق التراث ليس ترفا عقليا ولا بكاء على
الماضي، بل هو استدعاء لعناصر القوة والأصالة لتأسيس نهضة الحاضر".
5.
المواقف الإنسانية: العالِم الإنسان والأب المربي
خلف المعطف
الأكاديمي الصارم والمشروع الفكري الضخم، عاش الدكتور خالد فهمي بقلب نقي ونبل فارس،
وتجلى ذلك في مواقف إنسانية حفرت اسمه في قلوب كل من اقترب منه:
-
التواضع الجم والاحتفاء بالتلاميذ: لم يكن يرى في تلامذته مجرد طلاب يتلقون العلم،
بل كان يعاملهم كأنداد وأصدقاء ومشاريع علماء للمستقبل. كان ينفق من وقته وصحته بغير
حساب لمراجعة خطة بحثية لطالب مبتدئ، دون أن يبتغي من ذلك جزاء ولا شكورا.
-
العطاء المعرفي المجاني: كان يؤمن ببركة العلم ونشره، فلم يَبخل يوما بكتبه أو مكتبته
الشخصية أو أبحاثه. كان يُهدي مصنفاته للباحثين، ويفتح بيته وصدره لاستقبال التساؤلات،
معتبرا أن زكاة العلم هي بذله للمحتاجين إليه دون عوائق بيروقراطية.
-
الثبات والنزاهة الأخلاقية: عُرف عنه ترفعه عن الصغائر، وزهده في المناصب التي قد تفرض
عليه قيودا تمس حرية فكره أو نزاهة علمه. كان يصدح برأيه العلمي والفكري بكل أدب وشجاعة،
مع حِرصه الشديد على لَم الشمل والابتعاد عن الخصومات الشخصية.
6.
شهادة من قلب المحراب: عندما يتحدث الأثر
وفي غمرة
آلاف برقيات التعزية، توقف الكثيرون عند مرثية بالغة الشجن كتبها أحد تلامذته المقربين،
تلخص بصدق نادر جوهر حياة الراحل ومعدنه النفيس، حيث كتب بدموع الوفاء:
"هذه
كلمات لا أكاد أصدّق أني أكتبها..
أبونا،
وشيخ مشايخنا، وأستاذنا البروفيسور د. خالد فهمي أستاذ اللغويات بآداب المنوفية..
اللُغويّ،
والباحث، والمُعلّم، والمربّي، والمُحقق، والمؤلف، وخبير مجمع اللغة، وقُل ما بدا لك!
هذا يا
سادة رجل.. عاش حُرا شريفا.. ومات عزيزا كريما..
لم يَبِع
دينه ولا علمه ولا عقله ولا مروءته بعرَضٍ من الدنيا قليل.
عاش للعلم..
والبحث.. والتعليم.
ألقى مئات
المحاضرات.. وألف فوق الستين كتابا.
غياب الدكتور خالد فهمي يضع مسؤولية كبرى على عاتق تلامذته والباحثين من بعده. فالأفكار التي غرسها، والمشروعات الفكرية التي دعا إليها لبناء الوعي وحفظ الهوية، تحتاج إلى من يواصل ريها وتطويرها
عاش معتزا
بهُويته وثقافته ولُغته وتُراثه وأصوله وقومه.. وبثّ فينا هذه العزّة والفخر والانتماء..
وهذه الصورة كفيلة بأن تُخبرك عنه الكثير!
عاش متصلا
بنا.. بالشباب.. بواقعنا وأزماته.. لم ينعزل في صومعة.
عاش مهموما
بأمته.. ومشكلات حضارته وثقافته".
إن إشارة
التلميذ إلى "الصورة" تتجاوز مجرد لقطة فوتوغرافية عابرة؛ إنها تختزل مشهد
العالم القريب من نبض الشباب، المتواضع في جلسته، الممتلئ بالهيبة والوقار، الذي لا
تحده جدران المدرجات الجامعية بل يتسع صدره لآلام أمته وطموحات جيلٍ بأسره. إنها صورة
"العالم المرجعي" الذي نحتاجه اليوم: منارة علم واستقامة أخلاقية لا تتزعزع
أمام مغريات الحياة.
خاتمة:
رحل الجسد وبقي المشروع
إن غياب
الدكتور خالد فهمي يضع مسؤولية كبرى على عاتق تلامذته والباحثين من بعده. فالأفكار
التي غرسها، والمشروعات الفكرية التي دعا إليها لبناء الوعي وحفظ الهوية، تحتاج إلى
من يواصل ريها وتطويرها.
إن الدموع
التي انهمرت حزنا على رحيله، والشهادات التي سطّرها كبار المثقفين في حقه، هي "عاجل
بشرى المؤمن" والدليل الناصع على أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما حاز
من مناصب، بل بما زرع في نفوس البشر من وعي، وما تركه في قلوبهم من نبل ومحبة.
رحم الله
الدكتور خالد فهمي، وجزاه عما قدمه لبلاده ولغة القرآن الكريم خير الجزاء، وجعل علمه
نافعا باقيا ممتدا في أجيالٍ تعلمت منه كيف يكون العلم رسالة وجهادا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.