"حرب اللايقين" وإعادة تشكيل الموازين الحضارية في الشرق

عبد اللطيف مشرف
"هذه الحرب، برغم آلامها، هي مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد"- جيتي
"هذه الحرب، برغم آلامها، هي مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد"- جيتي
شارك الخبر
تجاوزت المواجهة الحالية في المنطقة حدود الصراع العسكري التقليدي لتصبح "حربا حضارية وعقائدية" شاملة، لذلك نعتمد في هذه القراءة المعمقة على فرضية أن التفوق التقني الغربي (الصهيو-أمريكي) يواجه حاليا "صلابة التاريخ والجغرافيا" والعمق العقائدي، ونوصي بضرورة الانتقال من الاعتماد على الأوهام الدولية إلى بناء "الحوض الحضاري الإسلامي العربي" القائم على السيادة الشاملة (الغذاء، الدواء، السلاح).

ورغم أهمية الحدث، وتجلياته على الشرق الأوسط الذي يعيش مخاضا جديدا، إلا أننا نجد أن العقل الجمعي العربي والإسلامي يعيش حالة من "التيه التحليلي" والثرثرة الرغائبية التي تغذيها منصات الإعلام السطحي، حيث غُيبت المناهج الرصينة في سبر أغوار التاريخ والجغرافيا وسيكولوجيا الشعوب. إن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية تقنية، بل هي مختبر استراتيجي يكشف عن زيف مفاهيم هشة تعلقت بها الشعوب لعقود، ويبرز في المقابل مفاهيم صلبة كانت غائبة عن طاولة التحليل.

أولا: تصادم المفاهيم.. سقوط "التقنية" وصعود "التاريخ":
يتم الآن تحويل الصراع من صراع سياسي حدودي إلى "حرب مقدسة" شاملة. الغرب يعيد إحياء روح الحروب الصليبية بصبغة صهيونية

من أبرز ملامح هذه الحرب أنها وضعت حدا لأسطورة "الحسم التقني المطلق".

- تآكل مفهوم "التفوق التكنولوجي الحاسم": ساد الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي والترسانة السيبرانية والجوية كفيلة بإنهاء الحروب في أيام، إلا أن الواقع أثبت صحة مبدأ "اللايقين" لـكلاوزفيتز؛ فالحرب كائن حي لا يمكن التنبؤ بنهايته بمجرد الضغط على زر.

- بروز "الدولة الحضارية"(Civilizational State): مقابل الدولة الوظيفية التي تعتمد على الدعم الخارجي، برزت أهمية الدولة التي تستند إلى عمق تاريخي وعقائدي وجغرافي. إيران كنموذج (بقطع النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مشروعها) أثبتت أن الجغرافيا الواسعة والكتلة البشرية المؤمنة بعقيدة عابرة للأجيال (مثل ولاية الفقيه) تمنح الدولة قدرة على امتصاص الصدمات لا تملكها الدول "المجهرية"، فربما هذه الحرب تعيد أهمية التحالف الحضاري والجغرافي والإقليمي وخصوصا إذا كان المصير واحدا، ونموذج لذلك من الممكن تطويره هو نموذج دول مجلس التعاون الخليجي إلى كيان واحد سياسي لامركزي لمواجهة التحديات القادمة أو بصيغة تفاهمية تجعله أكثر صلبة وقوة.

ثانيا: المسألة الشرقية الجديدة و"إدارة الفوضى":

نحن نشهد نسخة معاصرة من "المسألة الشرقية" التي فككت الدولة العثمانية قديما، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

- من إسقاط الرؤوس إلى إدارة الفوضى: انتقل الاستعمار الجديد من استراتيجية "تغيير الأنظمة" (Regime Change) السريع؛ التي فشلت في تحقيق استقرار موالٍ، إلى استراتيجية "إدارة الفوضى الخلاقة". الهدف ليس الحسم، بل إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم لإعادة ترسيم الحدود بما يخدم حلم "يهودا الكبرى".

- صراع الهويات المقدسة: يتم الآن تحويل الصراع من صراع سياسي حدودي إلى "حرب مقدسة" شاملة. الغرب يعيد إحياء روح الحروب الصليبية بصبغة صهيونية، مما يستدعي بالضرورة ردا من جنس العمل من القوى الإقليمية التي تجد في العقيدة الدينية وسيلة التعبئة الوحيدة القادرة على المواجهة.

ثالثا: انحسار المفاهيم الهشة وزوال الأوهام:

عملت الحرب الحالية كـ"مشرط جراح" استأصل مفاهيم كانت الشعوب تظنها ثوابت:

- سقوط وهم "الحماية الدولية": تأكد للقاصي والداني أن "المظلة الأمريكية" أو القانون الدولي هي مجرد أدوات لخدمة المركزية الغربية، وأن الاعتماد على الخارج هو بداية "التآكل الذاتي".

- تعرية "الرويبضة السياسية": كشفت الحرب عجز "المتعلم الجاهل" والمحلل المسوّف الذي يبيع الأوهام للجماهير، وبرزت الحاجة إلى "المثقف الاشتباكي" الذي يربط بين حركة الدبابة وجذور التاريخ.

- هشاشة الدول الصغيرة: أثبتت المواجهة أن الدول التي تفتقر للعمق الجغرافي والسيادة الصناعية (الغذاء، الدواء، السلاح) هي مجرد "أحجار شطرنج" قابلة للتضحية في صراع العمالقة.

رابعا: ملامح المستقبل.. "الحوض الحضاري الإسلامي"

إن التطور الاستراتيجي لهذه الحرب يدفع المنطقة نحو مسار إجباري:

- المسؤولية الذاتية للدفاع: لن تجد الشعوب مفرّا من بناء قوتها الذاتية؛ إنتاج العلم والغذاء والدواء لم يعد ترفا، بل هو شرط الوجود الوحيد في غابة "اللايقين" الدولية.

- تشكل "الحوض الحضاري الإسلامي والعربي": بمرور الوقت، وبفعل ضغط "الصدمات الصليبية-الصهيونية"، ستتلاشى الحدود المصطنعة في الوعي الشعبي، ليحل محلها مفهوم "وحدة المصير". هذا الحوض سيتجاوز الخلافات المذهبية الضيقة ليتكتل ككتلة جيوسياسية قادرة على الوقوف في وجه المشاريع التفتيتية.

- الخلاصة الاستراتيجية:

إننا لا نعيش نهاية الحرب، بل نعيش نهاية عهد الاستبداد والتبعية. هذه الحرب، برغم آلامها، هي "مخاض عسير" لولادة نظام إقليمي جديد، ستسقط فيه العروش التي قامت على الفساد والارتهان للخارج، وتبرز فيه "الدول المحورية" التي تملك الجرأة على امتلاك سلاح الردع وصناعة قرارها المستقل. القادم ليس لمن يملك أحدث تكنولوجيا، بل لمن يملك أعمق تاريخ وأصلب عقيدة وأوسع جغرافيا.
التعليقات (0)