زيارة حفتر لباكستان.. رسالة من الرياض إلى أبو ظبي لا لطرابلس

فرج المجبري
"الانفتاح الباكستاني المتأخر على شرق ليبيا تبلور بعد اتساع رقعة التباين السعودي الإماراتي في أكثر من ساحة"- إكس
"الانفتاح الباكستاني المتأخر على شرق ليبيا تبلور بعد اتساع رقعة التباين السعودي الإماراتي في أكثر من ساحة"- إكس
شارك الخبر
لا يمكن قراءة زيارة خليفة حفتر إلى باكستان خارج سياقها الجيوسياسي الإقليمي العميق، ولا يجوز التعامل معها بوصفها مؤشرا على صعود نفوذ حفتر أو تمدد تحالفاته الدولية، كما يحاول بعض الإعلام الموجَّه الترويج. فباكستان، في حسابات السياسة الإقليمية، ليست دولة هامشية ولا تتحرك في الملفات العربية الحساسة بمعزل عن التوافق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي، والجيوسياسة العسكرية، وإدارة الصراعات المركبة. العلاقة التاريخية بين الرياض وإسلام آباد، الممتدة من التعاون العسكري إلى التنسيق الاستخباراتي، تجعل من أي تحرك باكستاني في الإقليم انعكاسا غير مباشر لإرادة سعودية أو على الأقل منسجما معها، لا سيما في مراحل إعادة التموضع وكسر التوازنات القديمة.

من هذا المنطلق، فإن الانفتاح الباكستاني المتأخر على شرق ليبيا، والذي تبلور بعد اتساع رقعة التباين السعودي الإماراتي في أكثر من ساحة، لا يمكن فصله عن لحظة إقليمية تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ. الخلاف بين الرياض وأبو ظبي لم يعد مكتوما كما في السابق، بل تمدد عمليا من اليمن إلى الصومال، ومن السودان إلى سوريا، وصولا إلى ليبيا. وفي كل هذه الساحات، تبيّن للسعودية أن الإمارات تجاوزت أدوار الشراكة إلى بناء أطواق نفوذ صلبة حول المجال الحيوي السعودي، مستخدمة أدوات محلية، ومليشيات، ومشاريع انفصال، وموارد استراتيجية، من الموانئ إلى الذهب والمعادن، ضمن رؤية تخدم في جوهرها إعادة هندسة الإقليم بما يتقاطع مع مشروع إسرائيلي أوسع.

في كل هذه الساحات، تبيّن للسعودية أن الإمارات تجاوزت أدوار الشراكة إلى بناء أطواق نفوذ صلبة حول المجال الحيوي السعودي، مستخدمة أدوات محلية، ومليشيات، ومشاريع انفصال، وموارد استراتيجية

السعودية التي كانت قد آثرت في مرحلة سابقة الانسحاب النسبي من التعقيد الليبي، إدراكا لتشابك المشهد وصعوبة الاستثمار السياسي فيه، فوجئت بتحول ليبيا، وخصوصا شرقها، إلى منصة إماراتية متقدمة لإدارة ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ودعم شبكات مسلحة عابرة للحدود، وفي القلب منها الدعم المباشر وغير المباشر لقوات حميدتي في السودان. هذا التحول لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تهديدا مباشرا للأمن القومي السعودي، لأن إشعال السودان والبحر الأحمر يعني الاقتراب من خطوط الملاحة والطاقة، وخلق بيئة فوضى مزمنة جنوب المملكة.

عند هذه النقطة تحديدا، استيقظت الرياض على ضرورة كسر حلقات النار التي نسجتها أبو ظبي حولها بهدوء، فتحركت بحزم في اليمن، وقطعت الطريق على مشاريع التفكيك، ثم أعادت ترتيب المشهد في الصومال، وأسهمت في إعادة ضبط الإيقاع في السودان، وبدأت مسارا واضحا لاستعادة زمام المبادرة في سوريا. ليبيا، بحكم موقعها ودورها في المعادلة الأفريقية والمتوسطية، لم تكن استثناء من هذا التحول، فبدأت السعودية بإرسال واستقبال الوفود من طرابلس، في رسالة سياسية واضحة بأن الرياض لم تعد ترى في العاصمة الليبية خصما أو هامشا، بل شريكا شرعيا يمكن البناء عليه ضمن منطق الدولة والاستقرار.

في هذا السياق، جاء التحرك السعودي غير المباشر نحو حفتر، لا عبر دعم عسكري أو سياسي مباشر، بل عبر بوابة باكستان، الحليف التاريخي، وصديق المؤسسة العسكرية السعودية. زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى بنغازي، ثم استقبال حفتر في إسلام آباد، ليستا إشارتين على تعاظم وزن حفتر، بل على العكس تماما، هما جزء من عملية احتواء وسحب تدريجي للرجل من العباءة الإماراتية، ومحاولة إيجاد موطئ قدم سعودي في شرق ليبيا دون الانخراط في مشروع عدائي ضد طرابلس أو دعم مسار الانقسام. الرسالة هنا موجهة أساسا إلى أبو ظبي، ومفادها أن شرق ليبيا لم يعد ساحة حصرية، وأن إعادة التموضع الإقليمي وصلت إلى عقر دار الأدوات الإماراتية.

زيارة حفتر إلى باكستان لا تحمل في طياتها دعما سياسيا أو عسكريا له داخل ليبيا، ولا تعكس اعترافا بدوره المستقبلي، بل تمثل جزءا من ترتيبات ما بعد حفتر، ومحاولة إدارة خروجه أو تحجيمه ضمن مسار إقليمي أوسع شهد سقوط أو تراجع نماذج مشابهة

من يقرأ المشهد بعين استراتيجية يدرك أن السعودية اليوم أقرب إلى منطق دعم الحكومات المعترف بها دوليا، كما فعلت في اليمن حين اصطدمت بمشروع الانفصال، وكما فعلت في الصومال والسودان وسوريا. من غير المنطقي أن تمنع الرياض انفصال جنوب اليمن، وترفض تفكيك الصومال، وتسعى لوحدة السودان، ثم تدعم في المقابل مشروع انفصال شرق ليبيا أو تبارك استمرار حفتر كأداة فوضى. هذا التناقض لا يستقيم مع السلوك السعودي المستجد، ولا مع إدراكها المتأخر، ولكن الحاسم، لحجم تورط حفتر في إشعال الإقليم، خصوصا عبر دعمه لحميدتي، وهو خط أحمر سعودي بامتياز.

الدلائل على هذا التحول ليست نظرية، بل عملية وميدانية. إخراج الكفرة من معادلة الدعم اللوجستي لحميدتي، كما كشفت تقارير دولية، لم يكن قرارا محليا عفويا، بل نتيجة ضغط إقليمي تقوده الرياض. الضربات الجوية التي استهدفت قوافل عسكرية خارجة من الجنوب الليبي باتجاه السودان لم تكن لتحدث دون غطاء سياسي واضح، وإغلاق الأجواء أمام الطائرات العسكرية الإماراتية المتجهة إلى بنغازي والكفرة شكّل رسالة إضافية بأن زمن التفويض المفتوح قد انتهى، وأن السعودية قررت وضع خطوط فاصلة بين النفوذ المشروع والتغوّل التخريبي.

بناء على كل ذلك، فإن زيارة حفتر إلى باكستان لا تحمل في طياتها دعما سياسيا أو عسكريا له داخل ليبيا، ولا تعكس اعترافا بدوره المستقبلي، بل تمثل جزءا من ترتيبات ما بعد حفتر، ومحاولة إدارة خروجه أو تحجيمه ضمن مسار إقليمي أوسع شهد سقوط أو تراجع نماذج مشابهة، من عبدروس الزبيدي في اليمن، إلى زعماء الانفصال في الصومال، إلى ترنح حميدتي في السودان، وبواكير تفكك مشاريع الأمر الواقع في سوريا. المشهد الإقليمي القادم، بكل مؤشراته، لا يملك مساحة لاستمرار حفتر كفاعل مركزي، بل يتجه نحو إعادة بناء الشرعيات، وتجفيف منابع الفوضى، وإغلاق المنصات التي استخدمت لإشعال الإقليم. ومن هنا، فإن الرسالة الحقيقية لزيارة باكستان ليست إلى طرابلس، بل إلى أبو ظبي، بأن اللعبة تغيرت، وأن زمن الأدوات المستهلكة يقترب من نهايته.
التعليقات (0)