لماذا تبدو مسيرة الوعي "خافضة رافعة"؟

محمد ثابت
- ويكيميديا كومنز
- ويكيميديا كومنز
شارك الخبر
اعتبر الخليفة العباسي هارون الرشيد عائلة البرامكة من أقرب المقربين إليه، وزادهم حتى ليطلب أعقلهم منه أن يُحجمهم خوفا من بطشه لعظم ما وصلوا إليه، تلك معلومات يجب أن تُقرأ بالروح قبل النفس والعين، وتُكتب بمداد العافية والفطنة والحكنة وروح التدين قبل القلب والمحابر -حتى لو كانت عبر حاسب آلي- واستشرى نفوذ البرامكة، وتعددت الأطراف المنتفعة من خيراتهم حتى كادوا أن يكونوا في بغداد دولة بخلاف دولة الخلافة العباسية، بل تجاوزوا العراق وكادوا يعلون فوق الخلافة والرشيد، وفيما كان إمهال الله تعالى يمتد لهم كان الرشيد يرمقهم بعين التصبر ومراعاة قديم المعرفة وجميل الإحسان بينهم، فلما شاء الله تعالى إنهاء رفعتهم، وصدقت أجيال قبلنا لما قالت على الفطرة النقية الصافية" "ما طار طير وارتفع إلا كما طار هوى"، ولله در أبو البقاء الرندي إذ يقول بعدها بقرون:

وهذه الدار لا تبقي على أحد     ولا يدوم على حال لها شأن

.. فلما أراد الله -ولا معقب لحكمه وحكمته- أوغر القائلون بعلو البرامكة قلب الرشيد، فكانت الريبة والغيرة من تملكهم ما حوله حتى ليخاف أن يطولوا موضع قدميه، وهو الذي كان يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك"؛ فلما ضاق الرشيد بالبرامكة أمر أن يعلو السيف رقبة واحد من أشهرهم "جعفر" وآخرين من الرجال، وأن تصادر الأموال، وأن توقف مسيرة التجارات، وألا يبقى في الأرض اسم للبرامكة.

وفي سجن الرقة بقي يحيى بن خالد البرمكي مع أبناء له منذ عام 187ه حتى وفاته بعدها بثلاث سنوات، ورأف الرشيد بهم فلم يقطع رقابهم، فلما قام يحيى لصلاة الفجر فوجئ بالماء وبرودته مع ضعف بل تهافت يديه وقدميه وعدم تحمل وجهه ومفاصله للبرودة وسيولتها، فكان مما يروى أن أحد الأبناء يقوم قبله بفترة كافية، يضع الماء بين يديه وقرب مصباح السجن ليدفئه لأبيه عند قيامه للفجر، فلما ضاق بالشاب المرفه المنعم الذي فتح عينيه على عز أيام رضا الله ثم الرشيد عنه وعن أبيه قال للأخير: "يا أبتِ بعد العز والنهي، صرنا في القيد والسجن؟"، فجاء الرد المختصر المحير الذي لا يضيق به زمان تقصير، ولا تخفت قوته بمر القرون: "لعلها دعوة مظلوم علينا يا بني سرت بليل ونحن عنها وعن صاحبها غافلون". وقد كان من مهام البرامكة رد المظالم، ومراعاة أمور المظلومين.

1- استشراف النفس البشرية ومحاولة النفاذ لأعماقها لفهم بعضا من تقلباتها من أعقد مهام هذه الحياة؛ لا ينجو من صعوبتها كاتب يحاول الإخلاص ولا عابر للحياة يسعى للإصلاح، وفي المقابل فإنه من أسهل المهام حينما تصفو النفوس وتقترن بالنقاء وتحرص عليه، لكن من واضح الراحة أن يسعى البعض لما يُشبهُ الصراخ واستخدام "زاعق" وفج الكلمات والمواقف للتعبير عمَّا بداخله ومحاولة إفراغ حقائق من محتواها، وسواء أكان صاحب محاولة التسطيح يدري أم لا فإنما يعمق بفعله الجراح، ولربما كان حريصا على استفادة أو نفع قليل؛ أو دفع شبهة يطول شرحها بالالتفاف وشغل الآخرين بما يحيرهم ويغض طرفهم عنه.

ومحاولة النفاذ لأعماق الحقيقة والتعبير عنها صعبة بمكان لا يقاربه أو يزيد عنه سوى استسلام البعض لرغبات نفس دفينة وشغل المنتبهين بغير المفيد من القول والفعل.

2- يصبح الظلم ظلمات لما يتعلق بالأمة في وقت محنة شديدة تنقسم لفسيفساء من ظلمات في دول ارتفع رأس مظلومي أهلها لمقاربة ربيع عربي يسعدهم؛ فلم تبق في موقعها العالي عقبها بأشهر، وأراد الله فنزلت وتعبت وأهلها بفعل تزايد ضربات القهر وأهله.

ولما يتلمس شباب وعجائز الفرج يبحثون بأعين زائغة وقلوب ملهوفة عن عَرَابين للطرقات، ينجّونهم من تيه الخطى وزحام التطلعات، فإن صادفوا غير هذا انكسرت نفوس عزيزة أبية، ولانت أفهام عالية، وارتدّ عن المسيرة شباب محتاجون، وعانى مصلحون حقيقيون تكالب عليهم الأعداء من هنالك وبقربهم، وهانت لذائذ الوجود الفانية المادية، وصارت الخيانة هنا تقشعر لها السماوات وتذوب النفوس، وتقصر الدروب الطويلة، فعلى دماء الشهداء، وقهر المعتقلين، وأنين المصابين ترتفع أسهم وحسابات، وتزداد معاناة أوطان وأمة، ورضي الله عن علي بن أبي طالب:

أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ   وَلا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ

3- يدوم حسن الإعداد الحقيقي للنفوس وتطهير الأرواح والقلوب حتى لما لا يدوم البعض على الصلاح، ويبقى الخير الذي أراده الله تعالى بعمارة الإنسان لأرضه، وتبقى بشارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي هي من موعود الله تعالى: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (أخرجه مسلم والبخاري). ومما لا شك فيه أن التعجل بدفع البعض بطريق الإصلاح حتى أعلى دون تحقق هو ما جعل الأمة في أكثر من بلد ومركز من مراكز الانطلاق في وضعها الحالي، ويكفينا أن الاتحاد السوفييتي سقط رغم قوته لأن مسئولا نافذا كان يضع غير المؤهلين ببارز المواقع، فكان الظلم مؤذنا عبره بالانهيار، وكان الظلم من تمام السقوط، وفي هذا يقول رسولنا العظيم: "ما مِن أميرٍ يَلي أمرَ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يَجهَدُ لهم ويَنصَحُ، إلَّا لم يَدخُلْ معهُمُ الجَنَّةَ" (أخرجه مسلم).

4- تأذى أدبيا وشعريا كثيرون لما علموا أن الشعراء كانوا يختتمون قصائدهم -أيا كانت وعظم موضوعها- بحساب الجمل، أي أن يأتي الشاعر ببيت تحتوي حروفه على ما مجموعه عام كتابة القصيدة، ويعتمد الجمع وحساب الجمل على وضع رقم لكل حرف مقابل ترتيب الحروف الأبجدية بداية من واحد للألف وهكذا حتى الياء، أو لما يقول قائلهم في مفتتح قصيدة عن عام حل الجوع نسبيا به:

قلت يا صاح ما الخبر قال الجراد هنا ظهر
قلت الجراد؟ قال أي تدري الجراد إذا انتشر

ولكن مع تقدم العمر جاء أحد أهم دروسه المضنية فكلما ازدادت المحنة في عمر الأمة كلما جاءت كلمات حقيقية، وأيضا كلمات وتركيبات مغايرة، نرى ونلمس مفردات تبسط كل خطير، وتحرف كل موقف من الجانبين الموالي وغيره، فهذا يبرر الظلم وذاك يبرر انعدام رد الفعل تقريبا، ورحم الله الكاتب محفوظ عبد الرحمن إذ كتب مسرحية بعنوان "ما أجملنا" عن اعتزاز المماليك البالغ بأنفسهم وجمالها بنفس العام الذي جاء العثمانيون فيه القاهرة وأسقطوا المماليك!

5- قال الرسول العظيم لصحابته -رضي الله عنهم- "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (متفق عليه)، فإذا كان الصحابة الكرام فيهم قبل الإسلام الفاروق عمر الشديد في محاربة الرسول العظيم وصحابته الكرام، وخالد بن الوليد الذي حارب الصحابة والرسول العظيم بضراوة في أُحد، فكيف تكون الخيرية والرسول العظيم لا ينطق عن الهوى؟ إنها بصفاء النفوس وإخلاصها عقب الدخول في الإسلام، وعدم الإعلان عما ليس بها بأدنى ذرة، وذاك الإخلاص هو المطلوب والمستهدف المرجو اليوم بشدة!

6- يصف الله تعالى يوم القيامة والجزاء والحساب والموقف والآخرة بأنها "خافضة رافعة" (الواقعة: 3)، أو بحسب تعبير عنوان كتاب الراحل الدكتور مصطفى محمود -رحمه الله-: "عظماء الدنيا وعظماء الآخرة"، فكم من "أشعث أغبر مدفوع بالأبواب في الدنيا لو أقسم على الله لأبره"، كما في حديث الرسول العظيم الذي أخرجه مسلم. وهذا الأشعث له في الآخرة ما ليس لعظماء في الدنيا، وكم من عظماء بالدنيا هم كذلك بالآخرة، وإننا أمام محاولات الإصلاح خاصة بالربيع العربي جعلت مقدرات أناس في محنة وشدة، ورفعت آخرين فوق ما تأملوا، وهي أرزاق قدرها وأرادها الله، وبرأي الراحل الداعية السوري مصطفى السباعي: "ويل لمن اغتنى بمحنة الأمة" أي كانت محنة الأمة سببا مباشرا لغناه!

7- قال الرسول العظيم عن شطر بيت شعر الصحابي الشاعر لبيد الذي عمر فعاش في الإسلام مثلما عاش في الجاهلية، إنه "أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ" (أخرجه مسلم)، فلماذا بعده يبقي مصلحون على الدنيا على حساب الآخرة؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)