استعرضنا
في مقالنا السابق بورتريها شخصيّا لآية الله
الخميني، رسمته زوجة ابنه السيدة
فاطمة طباطبائي، وهي من الصور الدقيقة النادرة؛ التي تكشف جانبا مُعتما من شخصيَّة
الإمام في روع القارئ العربي.
هذه الصورة يُرسخها أستاذنا البروفسور حامد الگار، وإن كان يحمِلُ فيها
تفاصيل هذا السلوك الشخصي المنضبط إلى المجال السياسي، محاولا قراءة سلوك الإمام
وتصرُّفاته السياسية، عبر تكوينه الشخصي وتركيبته الإنسانية.[1] وهو انطباعٌٌ من أوائل ما ذاع عن الإمام (مثل مقالات ميشيل فوكو
الإيرانية)، إذ
كان محتوى محاضرة شهيرة من المحاضرات الأربع التي ألقاها الگار
في بريطانيا بعد انتصار
الثورة بأقل من ستة أشهر.
ولعلَّ أهم مفاتيح الصورة التي يرسمها الگار؛
هي عَدُّه الإمام الخميني استمرارا للتقاليد العلمائية والثقافيَّة الإيرانية
والشيعيَّة، وليس شذوذا عنها. صحيح أن ثمة عناصر حداثية قد تركت -بطبيعة الحال-
تمغتها في فكره وأثرها على حركته، بيد أنه يظلُّ استمرارا مُخلصا لهذه التقاليد
إلى حدٍّ كبير.[2]
وعليه، يؤكد حامد الگار أن الثورة
الإسلامية في إيران، تختلف عن غيرها من أحداث القرن العشرين التي توصَفُ بكونها
ثورات؛ "بأنها عميقة التجذُّر في التاريخ. فهي أبعد ما تكون عن القطيعة
الراديكالية مع التطورات الجوهريَّة والمعقَّدة التي مرَّ بها الشعب الإيراني، بل
هي على العكس؛ استمرارٌ وإثمارٌ لأعوامٍ طويلة من التطور السياسي والروحي
والفكري"، وهذا دقيقٌ من أكثر الوجوه. بل إن الإمام الخميني نفسه كان هو
القامة التي جسَّدت أوج التقليد العلمائي في جُملته، والذي بدأ بانتصار التيار
الأصولي، ثم ترسيخ نفوذ العلماء عبر فتوى تحريم التبغ التي أصدرها المرجع محمد حسن
الشيرازي إبَّان العقد الأخير من القرن التاسع عشر، ثم إعادة إحياء الشيخ عبد
الكريم حائري لحوزة قُم إبَّان عشرينيات القرن العشرين، ويليه ترسيخ آية الله
بروجردي لمؤسسية الحوزة، وبناؤه لشبكتها الاجتماعيَّة لتغطي إيران تغطية شبه
كاملة، وذلك قبل أن يبرُز شخص الإمام الخميني تتويجا لهذا كله، وتوظيفا للمقدرات
التي راكمها أسلافه بُناة التقليد وحُراسه؛ فبرز شخص الإمام علانية للمرة الأولى
على مسرح الأحداث الإيراني في عام 1962م.
يُقرر الگار "أن إحدى الحقائق
اللافتة عن الإمام الخميني هي أن دوره السياسي في قيادة الثورة، الذي لا نظير له
في التاريخ الحديث؛ قد حجب خلفه بالكليَّة إنجازه كعالمٍ وفيلسوف وعارف إلهي. إذ
تعتبِرُ العقلية المسلمة الحداثية الفلسفة والعرفان -في أكثر الأحيان- انسحابا من
الواقع واعتزالا كاملا لأي لون من الأدوار الاجتماعية والسياسية، كما لو كانت محض
موضوعات نظريَّة مُجرَّدة، ما من صلة حقيقيَّة بينها وبين الإشكالات المشهودة
للمسلمين والعالم الإسلامي. بيد أن فكر الإمام الخميني وحركته كانا دليلا حيّا على
أن الفلسفة والعرفان، إذا أُحسِنَ تصورهما وتحصيلهما.. يصيران الدعامة الأساسية
لصيغة من الحركة تحدوها بصيرة واضحة، ولا تقتصر على حدود السياسي والاستراتيجي؛ بل
هي في الوقت نفسه رؤية دقيقة ميتافيزيقيّا وسليمة الوجهة".
وقد عبَّرت السيدة فاطمة طباطبائي عن مدى ترسُّخ قناعة الباحثين
الجادين بأثر العرفان في الفكر السياسي للإمام، حين أتمَّت رسالتها للدكتوراة؛
التي تتناول أثر التصورات العرفانية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في تشكيل
الفكر السياسي للإمام.
فقد كان العرفان تحديدا هو ما صنع الإمام الخميني فعليّا، فهذا
الانضباط الشخصي الصارم، والتزكيَّة المطردة للنفس تقوى لله؛ هي التي شكَّلت هذا
البأس العجيب. يُبين البروفسور الگار: "أن
الخصال الأخلاقيَّة والروحية، التي تعهَّدها الإمام الخميني في نفسه؛ هي تحديدا
التي صنعت ما هو عليه.. تجسيدٌ كاملٌ للمثال الإنساني للإسلام.. فهو قائد ثوري لا
يسكُن جناحا وثيرا، بل ينزِلُ في محلٍّ شديد البساطة، ويقضي لياليه في الصلاة
والذكر، ويتكوَّن زاده اليومي من أبسط الأطعمة وأشدَّها بدائية". ثم يُضيف:
"وترجع الشُهرة المبكرة للإمام، في الحوزة العلمية بقُم؛ تحديدا إلى كونه
شارحا للفلسفة والعرفان [وأشهر الكتب العرفانيَّة التي درسها الإمام على آية الله
شاه آبادي، ثم شرحها هو نفسه لاحقا؛ هي: فصوص الحكم لابن عربي، ومنازل السائرين
للأنصاري الهروي، ومفاتيح الغيب للقونوي]، إذ ألقى عددا من المحاضرات ذات
الجماهيرية الكثيفة في بعض النصوص التأسيسية للفلسفة الإسلامية؛ مظهرا فصاحة
عظيمة، وأسلوبا مؤثرا. كما دوَّن في تلك الحقبة عددا من النصوص، بعضها متون وبعضها
حواشٍ على نصوص، وإن ظلَّت في مُعظمها غير منشورة. وكذلك ألَّف عددا كبيرا من
الكتب في الفقه، حتى اعتُبِرَ حُجة في هذا الباب. ولو قُدِّرَ لمؤهلاته التوقُّف
عند هذه المواطن التقليدية نسبيّا، الفقه من جهة والفلسفة والعرفان من الجهة
الأخرى؛ لولج بلا شك التاريخ الروحي الإيراني كقامة جليلة. لكنَّه رغم كونه -من
عدَّة جوانب- يُمثِّلُ أوج التقليد وخلوده، فهو يقطع كذلك بصرامة مع التقليد
[السكوني] للمؤسسة العلمائية، وذلك من خلال تنميته المطردة لاهتمامات سياسية
[وحركية] راديكالية منذ طورٍ جد مُبكر".
بيد أن هذه الاهتمامات السياسيَّة التي تنبني على رؤية ميتافيزيقيَّة
واضحة، وغاية أخرويَّة بارزة؛ ليست اهتمامات ماديَّة آنية، كما هو ديدن السياسيين
الحداثيين؛ بل اهتمام من يُدرك خطورة المجال السياسي على الحياة الإنسانيَّة
للمؤمن، لكنه لا يُقدسه، ولا يسعى لتحصيل النفع منه بأي ثمن؛ خصوصا إن كان ذلك على
حساب دينه، ورؤيته للسياسة بوصفها خادما لهذا الدين، لا العكس. يروي أستاذنا الگار نقلا عن بعض من يعرف: "وقد سأله أحد معارفي
الإيرانيين، الذي سافر إلى پاريس خصيصا لزيارة الإمام [قبيل انتصار الثورة
مباشرة]؛ فقال له: هل ترى حصافة في مسارنا الحالي؟ وماذا سيحدُث إذا ظل الجيش يذبح
الجماهير؟! ألن تُرهَق الجماهير إن عاجلا أو آجلا وتُحبَط؟ فأجاب الإمام ببساطة
شديدة: إن واجبنا هو الجهاد على هذه الطريقة، وإنما توكَل النتائج إلى
الله..". يُعلِّق الگار: "هذا الرفض
للتفكُّر في الحسابات الدقيقة، للاستراتيجية السياسية المألوفة؛ هو الذي يُمثِّلُ
أعلى صور الاستراتيجية الثورية في السياق الإسلامي".
ولهذا كان جليّا لكل من خالط الإمام الخميني وعرفه عن قُرب، أنه قد
تمكَّن من أداء هذا الدور شبه المُعجِز، والذي لا نظير له في العصر الحديث؛ معتمدا
على ما تَعهَّد من خصال روحيَّة ومؤهلات أخلاقيَّّة. يُقرر البروفسور الگار أن "أحد الأمور اللافتة أنه في مسار الثورة،
شرع غير الملتزمين التزاما خاصا تجاه الإسلام.. بإعادة اكتشافه، والتزموا به -في
الوقت نفسه- بوصفه قوة ثورية، وذلك من خلال شهودهم فضائل الإمام الخميني الأخلاقية
والروحية البارِزة للعيان. فقد كان جليّا أنه رجلٌ لم يُعنَ بحال بتحصيل منفعة
شخصيَّة أو طائفيَّة، وإنما مثَّل أعمق تطلُّعات الشعب الإيراني".
وقد يبدو لكثيرين أن ثمة مُفارقةٌ صارخة في كون الرجل الذي تعرَّى من
المطامِع الدنيويَّة إلى هذا الحد، هو نفسه الذي "نجح" نجاحا كاسحا على
الصعيد الدنيوي؛ حتى قوَّض نظاما سياسيّا دون أن يرفع سلاحا في وجهه. لكنَّ
الإسلام يُعلمنا أنها ليست بمفارقة على الإطلاق، إذ إن هجر النفس لكافة صنوف
التعلُّق بهذا العالم (أي تخلية القلب من الدنيا)؛ يجعل الإنسان شديد الفعالية
والنشاط في عين هذا العالم (أي يجعله يملك الدنيا دون أن تملكه هي). وهذا ما عناه
سيدي الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه
الترمذي، من حديث أنس بن مالك: "من كانتِ الآخرةُ
هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ، وجمعَ لَه شملَهُ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ
راغمةٌ".. رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف.
__________
[1]- راجع: حامد
الگار، جذور الثورة الإسلامية في إيران
(مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 2021م)، المحاضرة الثانية، ص 63 وما بعدها.
[2]- للمزيد
حول هذه التقاليد واختلافها عن التقاليد السنيَّة؛ راجع: حميد عنايت، الفكر
السياسي الإسلامي الحديث (تنوير للنشر والإعلام، 2021م)، وخصوصا
مدخلنا المعنوَن: "ماذا فعلت بنا الحداثة"، والفصل الخامس من الكتاب:
"مظاهر التجديد الشيعي".
* المقال يعبر عن رأي كاتبه