سماحة السيد
مجتبى خامنئي
المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية
الإيرانية
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، وبعد:
لا يسرّ أيَّ مؤمن بالله
واليوم الآخر أن يرى شعبا مسلما يُعتدى عليه من قبل من لا يرقبون في المؤمنين إلّا
ولا ذمة، ولا أن يرى ما تتعرض له الجمهورية الإسلامية من عدوان غاشم، وما تشهده من
دمار على أيدي برابرة العصر من الصهاينة وأعوانهم المتصهينين. وما من شك في أن شرفاء
الأمة بل وشرفاء العالم أجمع يُدينون هذا العدوان ويطالبون بوقفه فورا؛ لأنه اعتداء
سافر غير مشروع على دولة ذات سيادة وانتهاك شنيع للقانون الدولي وظلم فاضح لا تقره
الشرائع على الإطلاق، وقبل ذلك وبعده هو اعتداء على إخوة لنا في الدين، وجيران في الجغرافيا،
وشركاء في التاريخ، نتألم لألمهم ونفرح لفرحهم.
سماحة المرشد، لا أظنه يخفى
عليكم ما بذله قادة المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون من جهود سياسية مضنية
لتجنيب إيران ويلات العدوان، وقد سعوا وما زالوا يسعون جاهدين لوضع حد له في أقرب وقت.
وإنه لمن المؤسف أن تلك الجهود الكبيرة المخلصة قوبلت ولا تزال تقابل من قبل إيران
باعتداءات غاشمة شنتها وتشنها على المنشآت المدنية والاقتصادية والحيوية في دول مجلس
التعاون لدول الخليج العربية، راح ضحيتها المئات من الأبرياء من المواطنين والعاملين
والمستأمنين والزوار، إلى جانب الأضرار المادية التي لا يُعرف مداها حتى الآن. وإنه
لمن المحزن بل والمخزي أن يكون حجم وعدد ما أطلقته إيران وما زالت تطلقه من صواريخ
بالستية ومسيرات لضرب المنشآت المدنية والاقتصادية والحيوية في دول مجلس التعاون أضعاف
ما أطلقته ضد قوات ومصالح المعتدين عليها.
إن المقام والوقت لا يقبلان
إلا الصدق والصراحة، ولذلك أرجو مخلصا أن يتسع صدرك لهذا البوح الذي لا يُراد به سوى
وجه الله عز وجل ومصلحة الشعب الإيراني ومصلحة الأمة بوجه عام.
إنكم تتولون هذا المنصب الذي
ابتليتم بولايته في لحظة حاسمة من تاريخ إيران وتاريخ المنطقة والعالم، ولا أظنه يخفى
عليكم أنكم ترثون تركة ثقيلة وتراكماتِ ما يقرب من سبعة وأربعين عاما من السياسات الهوجاء
والمغامرات الرعناء، والسجل الطويل من التجاوزات والإساءات للجيران والأمة والعالم
بوجه عام.
لقد تورط من سبقوك في قيادة
إيران في زرع الفتن في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، وارتكبوا أعمالا تخريبية في
أماكن يطول حصرها. ففي لبنان على سبيل المثال أنشأوا حزب الله الذي تحوّل إلى دولة
داخل الدولة، وتسبب بانقسامٍ طائفي في مجتمعه لا يزال يعاني منه حتى اليوم. وفي العراق
أنشأوا منذ سقوط نظام البعث ما يقرب من أربع وثلاثين مليشيا طائفية مسلحة، منها على
سبيل المثال لا الحصر: الحشد الشعبي، وجيش المهدي، وعصائب أهل الحق، وسرايا طليعة الخراساني،
وحركة حزب الله النجباء، وكتائب حزب الله، وسرايا الزهراء، ولواء ذو الفقار، ولواء
المنتظر، ولواء أبو الفضل العباس، وسرايا الدفاع الشعبي، وكتائب درع
الشيعة، وكتائب
التيار الرسالي. وقد ارتكبت هذه المليشيات المدربة والمسلحة من قبل إيران جرائم قل
نظيرها في تاريخ العراق راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والمصابين وملايين المهجرين.
وفي اليمن حولوا الحوثيين من مواطنين مسالمين تعايشوا مع إخوانهم في المجتمع اليمني
على مدى قرون إلى مجموعات مسلحة ساهمت في تدمير البلاد وقسمتها وأهلكت الحرث والنسل.
وفي سوريا أسهموا في وأد واحدة من أعظم الثورات في التاريخ، وبعثوا الحشود تلو الحشود
من المليشيات الشيعية من إيران ولبنان والعراق والهند وباكستان وأفغانستان لتعيث في
سوريا فسادا وتقتّل تعذّب الشعب السوري على مدى ما يقرب من أربعة عشر عاما. وفي دول
الخليج العربية أثاروا الفتن الطائفية وحرّضوا المواطنين الشيعة ضد أوطانهم، وزرعوا
خلايا ارتكبت جرائم يندى لها الجبين، وكل هذا معلوم وموثق ولا أظنه يخفى عليكم.
إن المأمول أن تكون ولايتكم
ولاية تصحيح لهذا المسار المشؤوم الذي لم يجلب سوى الدمار والفقر والعزلة لإيران، والتفرّق
والأذى للأمة. وغني عن القول: إن الشعب الإيراني الذي نكنّ له المودة والتقدير أولى
بكل تلك الثروات التي بُعثرت وأُهدرت على مجازفات ومغامرات أساءت لإيران والتشيّع قبل
أي أحد آخر.
إن من أعظم وأخطر ما ترثونه
الموروث العقائدي الاثني عشري الذي عبث به أعداء الإسلام وأعداء آل البيت ودسوا فيه
كمّا هائلا من الغلو والتطرف والخرافات التي شوّهته وأساءت إلى مدرسة آل البيت عليهم
السلام؛ ومن ذلك كل دعوى بأن للأئمة الأطهار من آل البيت عليهم السلام قدراتٍ خارقة
فوق قدرات البشر يعلمون بها الغيب ويديرون بها الأكوان ويرزقون ويغيثون. وإن كل تسامح
مع طقوس يَسفك فيها الرجالُ والأطفال والنساء دماءهم، ويجلدون ظهورهم، ويلطخون أجسادهم
بالأوحال والقذارات بدعوى الحزن على ما وقع في كربلاء، ما هو إلا انحرافٌ ومخالفة صريحة
لما يأمر به الشرع، وتشويه شنيع للإسلام ومدرسة آل البيت.
إن من أعظم الدعوات التي
دعت إليها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها قبل سبعة وأربعين عاما الدعوة إلى الوحدة
الإسلامية، وهي دعوة تسر المؤمنين، ولكنها اصطدمت منذ إطلاقها وللأسف الشديد بمعتقدات
الغلو التي تكفر جمهرة من الصحابة رضوان الله عليهم ومن المسلمين، كما اصطدمت بما زرعته
إيران من الفتن في لبنان والعراق وسوريا واليمن ودول أخرى من دول العالم الإسلامي،
بل واصطدمت بالانقسامات التي أوجدتها إيران في مجتمعات كانت متآلفة لا تعرف الطائفية
ولا النزاعات المذهبية. وإن المرء والله ليعجب أي وحدة هذه التي يكفّر فيها الداعي
إليها المدعوين ويُخرجهم من الملة التي توحده بهم؟! وأي وحدة يمكن أن تتحقق والداعي إلى الوحدة
يزرع الفتن والانقسامات في أوساط من يدعوهم إلى التوحد؟! وأي وحدة يمكن أن يكون لها أي نصيب من
التوفيق والنجاح والداعون إليها يواجهون من يريدون الوحدة معهم كل حين بصيحات "يا
لثارات الحسين"، ويكفرون ويلعنون صحابة رسول الله ويطعنون في عرضه عليه الصلاة والسلام؟!
سماحة السيد، إنّ الفرصة
التاريخية متاحة لكم لإنقاذ إيران، وتجديد مدرسة آلِ البيت وتطهيرها من الغلو الشنيع
والخرافات والخزعبلات التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي دسها الأعداء وشوهت التشيع
على مدى القرون الماضية، وقد آن الأوان لإخراج المذهب الاثني عشري من السراديب المظلمة
التي أُدخل فيها، والعودة به إلى نهج الأئمة الأطهار من آل البيت، الذي هو نهج العلم
والعقل والرشد والاعتدال والوسطية والأخوّة الإيمانيّة الحقة، ولن يتسنّى ذلك إلا بمبادرة
وريادة مخلصة منكم يحفظها لكم التاريخ وتحفظها الأجيال القادمة من أتباع المذهب الاثني
عشري. ولست بحاجة لتذكيركم بما ورد في أمالي الطوسي وبحار الأنوار من قول الإمام علي
بن أبي طالب رضي الله عنه:
"اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم
اخذلهم أبدا ولا تنصر منهم أحدا".
أسأل الله عز وجل أن يحفظ
إيران وشعبها وجميع شعوب المسلمين، ويطهرنا جميعا من كل غلو وتطرف، ويجمع كلمتنا على
الحق، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
* المقال يعبر عن رأي كاتبه
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.