إيران والتشيُّع.. أساطير وخرافات (2-4)

عبد الرحمن أبو ذكري
"طريقة صوفيَّة سُنيَّة من الغُلاة، ثم تحوَّلت إلى التشيُّع"- إرنا
"طريقة صوفيَّة سُنيَّة من الغُلاة، ثم تحوَّلت إلى التشيُّع"- إرنا
شارك الخبر
أسلفنا الحديث -في مقالنا السابق- عن بعض ملامح الحياة الدينية في إيران، خصوصا قبل وصول الصفويين إلى الحكم، وعقب استتباب أمرهم؛ وتحديدا علاقتهم بالتشيُّع وموقعه وحجمه.

وثمة معالم أخرى، لا تقل أهميتهما عما أسلفنا؛ تتعلَّق بخارطة التديُّن في إيران. أولها هو سبق التشيُّع الإسماعيلي على الاثني عشري، في الوجود بين الجماهير الإيرانيَّة قبل الغزو المغولي؛ فكانت جمهرة أقليتها الشيعيَّة تدينُ بالمذهب الإسماعيلي، لا الاثني عشري الذي اعتنقه الصفويون؛ فلم يَنمُ الأخير ويزدهر إلا بعد تحطيم المغول للوجود الإسماعيلي في إيران. وقد اشتُهر اتخاذ حكام العباسيين للشيعة الإمامية وزراء وكتاب ومؤدبين، وحلفاء اجتماعيين وسياسيين؛ ليواجهوا بهم راديكاليَّة الطائفة الإسماعيلية، وتربُّصها بالحكم العباسي وعملها على تقويضه! أما المعلم الثاني المهم من معالم الحياة الدينيَّة في إيران؛ فهو تبعيَّة حواضرها الشيعيَّة -شبه الكامِلة- للعتبات العراقيَّة[1] طوال معظم تاريخها، وخصوصا خلال القرن التاسع عشر، وحتى الثلث الأول من القرن العشرين؛ حين أحيا الشيخ عبد الكريم حائري الحوزة العلميَّة لمدينة قم مرَّة أخرى، لتبدأ في احتلال مكانتها بوصفها من حواضر العلم الديني الشيعيَّة المهمة. وقد اكتمل ازدهارها مع ترسُّخ تقليد المرجعيَّة وشبكته الاجتماعيّة، على يد آية الله بروجردي المتوفى مطلع ستينيات القرن العشرين. ولم تبدأ قُم في اكتساب مكانتها المركزيَّة الحاليَّة، إلا مع انتفاضة خُرداد التي أضرمها الإمام الخميني بعد وفاة بروجردي بأعوام قلائل، وأدَّت إلى نفي الأول حوالي خمسة عشر عاما.

* * *

لم يكن الصفويون بالأصل أتراكا فحسب، بل كانوا كذلك طريقة صوفيَّة سُنيَّة من الغُلاة، ثم تحوَّلت إلى التشيُّع (في عهد جد إسماعيل الصفوي)؛ لأسباب مُتراكِبة ما زال المؤرخون يدرسونها إلى اليوم. لكنَّ أهم أسباب استمرار هذا التمذهُب بعد سيطرتهم على إيران هو: التمايُز السياسي، والحفاظ على استقلال ملكهم، بين أكبر إمبراطوريتين مُسلمتين وقتها من الأتراك أبناء عمومتهم: التيموريين في دهلي والعثمانيين في الآستانة.

دخل الفرس في دين الله أفواجا بعد أن كانوا قد انسلخوا قبلها نفسيّا من دين زرداشت الطبقي. هذه الهزيمة النفسيَّة والروحيَّة جعلتهم يصحبون أقل القليل من ديانتهم القديمة في رحلة التسليم لله

لقد مثَّل الصفويون حالة نماذجيَّة لنمط الغلو الديني في هذه المنطقة، وكانوا -مثل أبناء عمومتهم- بُرهانا حيّا على أن جُلَّ تصورات الغلو الديني الإسلامي، والمرتبط بالعُجمة؛ هي تصورات تُركية/ تركمانية/ كردية، مصدرها هضبة الأناضول لا الهضبة الفارسيَّة. إذ إن أكثر حركات الغلو الديني هذه، لم تكن أصولها حتى في العمق من خراسان مثلا -مهما كانت ناشطة هناك- وإنما كانت أصولها -على الدوام- في أقصى شمال إيران، وامتداداتها ومعينها في قلب الأناضول المترامي. ويعرف الدارسون المتخصصون أن جُلَّ مؤثرات الغلو الديني في الإسلام، يُمكن عزوها بسهولة إلى التقاليد الشامانية في آسيا الوسطى؛ بوصفها الجوهر المشترك للديانات "البدائيَّة" لهذه الأعراق التركية قبل الإسلام (دخلت هذه الأعراق التركية الإسلام تباعا على أيدي الفرس الأقحاح. وأكثر نصوص اللغات التركيَّة القديمة -قبل الإسلام- تُعبر عن المسلم بلفظة: "الفارسي"، وذلك كما ظلَّت أوروبا -حتى مطلع القرن العشرين- تعبر عن المسلم بلفظة: "التركي").

ثم إن هذه الأعراق التُركيَّة نفسها (السلاجقة، والتيموريون، والصفويون، والغزنويون.. إلخ)، التي تلقَّفت راية الإسلام بإخلاص باد حين وهنت العصبية العربية، فتسلَّطت على حكم ديار الإسلام كافَّة لتستنقذها من الكافر الأصلي؛ لم تُغير فحسب تركيبة النظام السياسي "الإسلامي" -من الملك العضوض إلى الملك الجبري- تمهيدا لظهور حكم الطواغيت مع بداية التحديث، بل مثَّلت مواريث الغلو الديني في الأفراد -وعبادة الزعامة- التي اجتلبتها من ماضيها الجاهلي؛ عُنصرا فعالا في بلورة صورة الحكم الطاغوتي الحديث. إذ كانت ثقافتها -الكامنة والواعية- مُثقَلَة في ذاتها بمقادير كبيرة من مواريثها السياسية والاجتماعيَّة والدينية قبل الإسلام.

ولاحظ أن بُلدان الأعراق التركية هذه قد مثَّلت -في العصر الحديث- معظم أقاليم الإمبراطورية السوفييتية البائدة، التي كرَّست عبادة القائد الفرد "الملهَم"، وذلك بينما صار الفرس بيروقراطية إدارية وكوادر علميَّة فذة، لا يُمكنها الانفراد بالحكم؛ وإن ظهر منها من برع في تولي الوزارة منذ عهد البرامكة.

ولعل الإشارة إلى طبيعة تديُّن الفرس والأعراق التركية -قبل الإسلام مباشرة- تُسهم في فهمنا لمدى "تجرُّد" كل أمة عند قبولها للإسلام. إذ بينما كانت الأغلبية الكاسحة من الفرس "فلاحين" على وشك الخروج من دينهم الطبقي القديم، الذي يُرسخ استعبادهم ويُكرس اضطهادهم، وكانت المسيحيَّة تقِفُ على أبواب إيران الشماليَّة الغربية تنتظر فرصة تسنح لها؛ أرسل الله الفتح الإسلامي من الغرب ليستنقذهم، فدخل الفرس في دين الله أفواجا بعد أن كانوا قد انسلخوا قبلها نفسيّا من دين زرداشت الطبقي. هذه الهزيمة النفسيَّة والروحيَّة جعلتهم يصحبون أقل القليل من ديانتهم القديمة في رحلة التسليم لله، وذلك على عكس الأعراق التركية، التي اشتهرت بالبدواة والغزو، وكانت دياناتها الوثنيَّة بوتقة قومية جامعة وأداة تسوية بين أبناء القبيلة، وروابط صلة تحفظ تماسُك وحداتهم الصغيرة؛ فكانت انتصارات المسلمين العسكرية هي أهم ما اجتذبهم، إضافة إلى ما يكفله دين الله مما اعتادوا عليه من مساواة البداوة. وبعبارة أخرى، فبينما كان الفرس يُعانون قبل الإسلام مما يشبه الفراغ الروحي، كانت الأعراق التركية تطلب شيئا من الترقي الروحي مثَّل في وعيها نوع استمرار لما هي فيه. وشتان بين مجاز "الوعاء الفارغ" في حال الفرس، ومجاز "الوعاء نصف الممتلئ" في حال الترك؛ الأول قطيعة شبه كاملة والثاني نوع من الاستمرار الضمني، ولكل قاعدة شواذها. لكن ربما لهذا السبب مثَّل الأتراك استمرارا لعصبية الحكم والفتح العربيَّة، بينما شرع الفرس في بناء التقاليد العلميَّة والثقافيَّة للحضارة الإسلاميَّة بعد أن تعرَّبوا (أبو حنيفة، وسيبويه، والجُرجاني، والجُنيد، وغيرهم ممن لا يُحصيهم العد).

* * *

وقد تجلَّت أهم مفارقات الأصل التركي للصفويين وبداوتهم في النتيجة الطبيعيَّة والمتوقَّعة: جهل الشاه إسماعيل -مؤسس الدولة الصفويَّة، ووارث طريقتها الصوفية- بلغة الحضارة الإسلامية في "القسم الأعجمي" من ديار الإسلام (الدولة العثمانية، وإيران، ودولة مغول الهند): اللغة الفارسيَّة. ولم يكُن إسماعيل يجهل اللغة الفارسيَّة فحسب، بل كان السلطان سليم العثماني يُعيّره بذلك في مراسلاتهما؛ إذ كان يُراسله بالفارسية، وإسماعيل يرُد بالتركية الآذرية، لغته الأم؛ بل لغته الوحيدة التي يُعد -حتى اليوم- أحد أهم شعرائها على الإطلاق. ولم يشفع له كونه شاعرا صوفيّا مُبرزا في لغته اﻵذريَّة؛ فكان الجهل بلغة العلم والثقافة والكتابة وصمة يُعيَّر بها!

مثل العربية والفارسيَّة في ديار الإسلام، كمثل اللاتينية واليونانية في أوروبا، اللتين تمخضت عنهما كافة لغات الأوروبيين الحديثة؛ فمن أحسن العربية والفارسية بحق، سهُل عليه تعلُّم كافَّة لغات الشعوب الإسلامية في المشرق

ولعلَّ من المفارقات الإضافية اللافتة في هذا الموطن، أن حجم التدوين باللغة الفارسيَّة خارج حدود "فارس التاريخيَّة"، خصوصا في شبه القارة الهنديَّة؛ كان أضخم منه بكثير داخل إيران نفسها، وذلك تقريبا حتى أواخر القرن السادس عشر، بل ظلَّ هذا التفوق الهندي واضحا حتى انتشار الطباعة إبَّان القرن التاسع عشر، وترسُّخ انتصار التيار الأصولي في إيران. ومن المفارقات العجيبة التي لا تنتهي في تاريخ إيران اللغوي والفكري؛ أن منظومة الفردوسي الشهيرة: "شاه نامه"، التي تُعَدُّ النص المركزي في بناء: "الهوية القومية الفارسية" في العصر الإسلامي، باستعادتها لأمجاد الفرس الجاهليَّة؛ قد نُظِمَت وأهديَت إلى السلطان محمود الغزنوي (التركي الأصل!)، وثمة قصة مشهورة لذلك تُطلب في مظانها. وكذلك، فمن الثابت أن أهم شعراء إيران -على الإطلاق- في العصر الإسلامي سُنَّة، ابتداء بحافظ الشيرازي، ومرورا بسنائي الغزنوي وفريد الدين العطار وجلال الدين الرومي، وانتهاء بعبد الرحمن الجامي.

بيد أن هذه اللغة "الفارسيَّة الحديثة" -التي سادت مشرق الأمة قرونا؛ من إيران إلى حدود الصين- بدأت بالتبلور في القرن الثاني الهجري (بعد قدر من القطيعة التاريخيَّة مع لغات هذه البقعة الجغرافيَّة قبل الإسلام) لتصير هي نفسها ابنة للغة العربيَّة ونتاجا للحضارة الإسلاميَّة، وإن انتميتا لأسرتين لغويتين مختلفتين. إذ إن اللغة الفارسيَّة التي نعرفها اليوم، والتي تُعد لغة الإسلام الثانية؛ عظيمة التأثر باللغة العربية، رغم أنها تُعَدُّ من اللغات الهندو-أوروبية. وقد ظلَّت الفارسيَّة لغة العلم والثقافة في آخر أكبر ثلاث إمبراطوريات (تركية!) مُتزامنة في حُكم عالم الإسلام، قُبيل الهجمة الكولونيالية مباشرة: الهند، وإيران، وتركيا. وكانت التركيَّة العثمانية -التي تعد إلى حد ما هجينا من العربية والفارسيَّة- لهجة محكيَّة لم تكتسب شيئا من الأهمية، التي تُضفى عليها اليوم؛ إلا مع بداية التحديث العثماني إبان عصر التنظيمات -منتصف القرن التاسع عشر- وهو نفس التوقيت -تقريبا- الذي بدأ البريطانيون فيه بتنحية اللغة الفارسيَّة في شبه القارة الهنديَّة، بوصفها لغة الحضارة الإسلامية الجامعة هناك، وإفساح الطريق للغة الأرديَّة (بوصفها لغة "الأقلية" المسلمة)، بعد أن كانت مُجرَّد رطانة محليَّة، مثلها في ذلك مثل كل اللغات الأوروبيَّة الحديثة، وخصوصا تلك المتحدِّرة من اللاتينية.

وعندنا أن مثل العربية والفارسيَّة في ديار الإسلام، كمثل اللاتينية واليونانية في أوروبا، اللتين تمخضت عنهما كافة لغات الأوروبيين الحديثة؛ فمن أحسن العربية والفارسية بحق، سهُل عليه تعلُّم كافَّة لغات الشعوب الإسلامية في المشرق، ولا زال هذا ميسورا اليوم إلى حدٍّ ما..

وإلى لقاءٍ قريب..

_________
[1]- هي المدن التي تحوي مراقد الأئمة من آل البيت (كربلاء، والنجف، والكاظمية، وسامراء)، كما تحوي كبريات مقاعد العلم الشيعيَّة.
التعليقات (0)