حين تصدر
تصريحات توسعية من مسؤول أمريكي رفيع، مستندة إلى مرجعيات توراتية تتحدث عن حدود
تمتد من "النيل إلى الفرات"، فإنها لا تمرّ كعبارة عابرة في فضاء
الإعلام، فهي تلامس ذاكرة تاريخية مثقلة بالصراعات، وتوقظ مخاوف إقليمية عميقة،
وتطرح سؤالا جوهريا: هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي، أم أمام تصعيد لغوي يعكس
صعود تيار أيديولوجي داخل مراكز القرار؟ الإجابة لا تُبنى على الانفعال، بل على
التفكيك.
المشهد
الأمريكي خلال العقدين الأخيرين شهد تنامي تأثير التيار الإنجيلي المحافظ داخل
الحزب الجمهوري، وهو تيار يربط بين العقيدة الدينية والدعم غير المشروط لإسرائيل.
هذا التيار لا ينظر إلى
إسرائيل باعتبارها مجرد حليف استراتيجي، بل بوصفها امتدادا
لرؤية لاهوتية تتصل بنصوص دينية وتصورات غيبية عن التاريخ ونهاياته. ومن هنا،
تتسرب أحيانا لغة توراتية إلى الخطاب السياسي.
أي محاولة لتغيير جذري في خرائط المنطقة ستعني انفجارا شاملا، وتفككا في منظومة التحالفات، وفتح جبهات لا تستطيع حتى واشنطن تحمل تبعاتها
لكن
الخطاب أصبح كاشفا للسياسة الفعلية التي تنتهجها أمريكا في المنطقة، فالدولة
الأمريكية، في بنيتها المؤسسية، تحكمها شبكة مصالح معقدة: أمن الطاقة، واستقرار
الأسواق، وحماية التحالفات الخليجية، والتوازن مع تركيا، والمنافسة مع الصين، والردع
في مواجهة روسيا، وضمان حرية الملاحة. هذه الحسابات لا تُدار بنصوص دينية، بل
بأرقام ومؤشرات عسكرية واقتصادية.
إسرائيل
نفسها، رغم قوة جيشها، تعتمد اعتمادا عميقا على الغطاء الدولي، وعلى شبكة علاقات
لا تسمح لها بمغامرة توسعية إقليمية واسعة، وأي محاولة لتغيير جذري في خرائط
المنطقة ستعني انفجارا شاملا، وتفككا في منظومة التحالفات، وفتح جبهات لا تستطيع
حتى واشنطن تحمل تبعاتها.
إذن، أين
تكمن الخطورة؟
الخطورة
ليست في خريطة عسكرية جاهزة للتنفيذ غدا، بل في تطبيع اللغة التوسعية داخل المجال
العام. حين يتحول الحديث عن "الحقوق التوراتية" إلى موضوع نقاش مشروع،
فإن ذلك يوسّع هامش التيارات المتشددة، ويمنحها جرأة سياسية، ويخلق بيئة نفسية
مهيأة لتقبل خطوات تدريجية على الأرض.
التاريخ
لا يتغير دائما بقفزات مفاجئة، بل أحيانا عبر تراكمات بطيئة: تعديل قوانين، وتوسيع
مستوطنات، وفرض وقائع إدارية، وإعادة تعريف حدود السيطرة الفعلية دون إعلان رسمي.
هنا تتجلى الفجوة بين الخطاب الرمزي والخطوات الميدانية المتدرجة.
أما ما
يسمى بمشروعات "السلام"، فهي في العادة أدوات لإعادة هندسة التوازنات لا
لإنهاء الصراعات جذريا. فأي مبادرة في المنطقة تخضع لحسابات النفوذ، وترتيب
التحالفات، وتوزيع الأدوار، أكثر مما تخضع لمثالية أخلاقية مجردة، ولذلك فإن
تقييمها يحتاج إلى قراءة بنيوية لا عاطفية.
الشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله بخطاب وحده، لكنه قد يُعاد تشكيله إذا تحوّل الخطاب إلى سياسات، والسياسات إلى وقائع، والوقائع إلى خرائط جديدة. وهنا، تكمن مسؤولية الفاعلين في المنطقة
مستقبل
المنطقة في ظل تصاعد هذا التيار مرهون بثلاثة عوامل حاسمة:
أولا،
قدرة المؤسسات الأمريكية على ضبط التوازن بين القناعات الأيديولوجية والمصالح
الاستراتيجية.
ثانيا،
موقف الحلفاء العرب وتركيا من أي تحول في الخطاب نحو التوسع الرمزي أو الفعلي.
ثالثا،
مسار التغيير على الأرض في القدس والضفة، باعتبارهما البوصلة الحقيقية لأي نوايا
سياسية.
التحليل
الاستراتيجي الرصين لا ينفي وجود تيارات توسعية، ولا يقلل من أثر الدعم الأمريكي
القوي لإسرائيل، ولصعوبة القفز إلى فرضية "المخطط الشامل" تظهر مثل هذه
التصريحات. القوة
ليست في رفع سقف الاتهام، بل في قراءة ميزان القوى، ورصد التحركات الواقعية، وبناء
أدوات تأثير قانونية وإعلامية وسياسية قادرة على مواجهة أي انحراف فعلي.
الشرق
الأوسط لا يُعاد تشكيله بخطاب وحده، لكنه قد يُعاد تشكيله إذا تحوّل الخطاب إلى
سياسات، والسياسات إلى وقائع، والوقائع إلى خرائط جديدة. وهنا، تكمن مسؤولية الفاعلين في المنطقة: أن يقرأوا المشهد بعين باردة،
وأن يفرّقوا بين اللغة والقرار، بين الرمز والتنفيذ، بين
الأيديولوجيا والمصلحة. فالتاريخ
لا يُدار بالشعارات.. بل بموازين القوة.