تتحرك
المواجهة
السعودية-
الإماراتية اليوم على أرضٍ مختلفة تماما عن لغة "الشراكة
الخليجية" التي اعتادتها المنطقة. نحن أمام صراعٍ على وظيفة القيادة
الاقتصادية في الإقليم: من يحتكر دور "المركز" الذي تمر عبره
الاستثمارات، والمقار الإقليمية، والتمويل، وشبكات الشركات متعددة الجنسيات.
السعودية
قررت -بوضوح غير مسبوق- أن تنتزع جزءا من هذا الدور من دبي عبر سياسة المقرات
الإقليمية وربط العقود الحكومية بوجود مقر إقليمي في الرياض ابتداء من كانون
الثاني/ يناير 2024؛ وهو ما أكدته رويترز نقلا عن وزير المالية السعودي عند الحديث
عن إنفاذ الموعد النهائي. بهذه الخطوة أعادت الرياض تعريف السوق: لم يعد "المركز"
مجرد ميزة
تنافسية تكتسبها مدينة بمرونتها وبيئتها، بل صار قرارا سياديا تُترجمُه
الدولة بقوة مشترياتها الحكومية وحجم إنفاقها.
ومن هنا
تحديدا يبدأ ردّ الفعل الإماراتي في صورته الأعمق: في هندسة بيئة الأعمال بحيث
تقاوم انتقال الثقل إلى الرياض، وتبقي الشركات والتمويل داخل المنظومة التي راكمت
الإمارات عليها تفوقها لعقود. ما يبدو على السطح "سباق جذب استثمارات"
هو في الجوهر سباق نفوذ: من يتحكم في البوابة، ومن يفرض شروط المرور، ومن يجعل
الانتقال إلى مركز جديد مكلفا ومشحونا بالمخاطر.
ما يبدو على السطح "سباق جذب استثمارات" هو في الجوهر سباق نفوذ: من يتحكم في البوابة، ومن يفرض شروط المرور، ومن يجعل الانتقال إلى مركز جديد مكلفا ومشحونا بالمخاطر
القطاع
المصرفي أحد مفاصل الاشتباك الأكثر حساسية. فبينما تخوض السعودية معركة نقل
النشاطات والمقار إلى الداخل، تتقدم البنوك الإماراتية داخل السوق السعودي بما
يصنع -مع الوقت- نفوذا شبكيا يتجاوز الحسابات التجارية البحتة: تمويل الشركات، وترتيب
القروض المشتركة، والخدمات المصرفية الاستثمارية، وإدارة السيولة المرتبطة
بالمشاريع الكبرى. بنك الإمارات- دبي الوطني يعلن في مواده التعريفية أنه يشغّل
فروعا في السعودية تشمل الرياض وجدة والخبر، ويقدم حزمة خدمات تمتد من التجزئة إلى
الشركات والأعمال. هذا النوع من التمركز بمثابة حضورٌ تشغيلي داخل الدورة
الاقتصادية: علاقات مباشرة مع العملاء، قنوات تمويل، ومسارات معلومات تلتقط نبض
السوق من الداخل لا من الخارج.
والأمر
نفسه ينطبق على بنك أبو ظبي الأول الذي يعرض عناوين عملياته في السعودية ويشير إلى
نشاط داخل المملكة، مع حديث عن توسع وتراخيص وفروع تشغيلية. في منطق المنافسة
الهادئة، وجودٌ كهذا داخل النظام المالي السعودي لا يُقرأ فقط كخدمة مصرفية عابرة
للحدود، بل كقدرة على التمدد في شرايين تمويل المشاريع وتراكم معرفة تفصيلية
بالمخاطر وسلاسل الإمداد ومواعيد الدفع وأنماط الإنفاق.
وهنا تظهر
الفكرة التي تُقلق الرياض على المدى البعيد: النفوذ لا يُبنى دائما عبر
الاستحواذات المباشرة على بنوك محلية، بل عبر "التموضع" داخل منظومة
التمويل نفسها، بحيث يصبح جزء من تمويل المشاريع وترتيب القروض وتقديم الخدمات
الاستثمارية في يد مؤسسات تابعة لدولة تنافس على الزعامة الاقتصادية. هذه ليست
تفاصيل محاسبية، بل قدرة على التأثير في تدفق رأس المال، وإعادة توجيه جزء من
النشاط إلى مراكز أخرى عند أول توتر سياسي أو أول اهتزاز ثقة في سوق المنافس.
وتستحضر
هذه القراءة المثال التركي بوصفه نموذجا لكيف تُحوَّل لحظة انهيار العملة إلى نفوذ
مؤسسي. حين هبطت الليرة بشكل حاد، لم تتعامل أبو ظبي مع الأزمة كحدثٍ عابر، بل
كنافذة للتدخل من "نقطة الضعف": ضخّ رسائل استثمارية كبيرة في توقيت
الحاجة كي يبدو الإنقاذ اقتصاديا بينما يُعاد تشكيل ميزان الاعتماد، ثم استخدام
أدوات نقدية مثل اتفاقات مبادلة العملات لتوفير "أوكسجين" سيولة لا يعمل
كمنحة بل كقناة تأثير، بالتوازي مع التقاط أصول حساسة أو إعادة تسعير صفقات تحت
ذريعة تدهور العملة، بحيث تتحول الأزمة نفسها إلى خصمٍ يُنتزع من السعر ثم إلى
تمركزٍ داخل قطاعات استراتيجية كالمصارف والوساطة. في هذه المقاربة، لا تظهر
الإمارات كمستثمر استفاد من انخفاض الأسعار فقط، بل كلاعب يقرأ الانكسار بوصفه
فرصة لبناء نفوذ ممتد يعمل عبر السيولة وشروط السوق وامتلاك مفاصل في البنية
الاقتصادية لا في هامشها.
ومن هنا
تصبح "نيوم"، باعتبارها عنوان التحول السعودي، ساحة ذات قيمة استثنائية
في هذا الاشتباك. فكل تعثر في مشاريع السعودية الكبرى يترجم فورا إلى أسئلة
المستثمرين: أين الاستقرار؟ أين وضوح الجدول الزمني؟ أين القدرة على التسليم؟ وفي
الأشهر الماضية قدمت تقارير دولية صورة عن "إعادة معايرة" للمشهد
السعودي: رويترز تحدثت عن مغادرة الرئيس التنفيذي طويل الأمد لنيوم في وقت تُقلص
فيه المملكة بعض المشاريع الضخمة ضمن ضغوط كلفة وتأخيرات وتعديلات نطاق.
ثم عادت
رويترز في آب/ أغسطس 2025 لتصف "فحص واقع" قاسيا: صندوق الاستثمارات
العامة سجّل خفضا/شطبا بقيمة 8 مليارات دولار على مشاريع عملاقة، مع إشارة مباشرة
إلى أن تجاوزات الكلفة والتأخيرات وظروف السوق أثرت في مشاريع بارزة مثل نيوم، وأن
مشاريع عدة جرى تقليصها مع تحويل موارد نحو بنى تحتية مرتبطة بفعاليات كبرى.
عند هذه
النقطة تحديدا تتصاعد الرواية التي تتداولها دوائر متابعة لصناعة المشاريع
العملاقة وسلاسل التعاقد: أن ما أصاب مسارات من نيوم لم يكن مجرد أخطاء تنفيذ أو
تعثر طبيعي، بل "استنزاف" مرّرته طبقات تبدو فنية وإدارية عبر شبكات
نفوذ تابعة للإمارات.
وفق هذه
القراءة، يتحول التعطيل إلى فن: شبكات تضغط باتجاه خيارات خاطئة، توسّع الهوامش
الرمادية، تُبطئ آليات التعاقد، ترفع كلفة الالتزام، وتفجر النزاعات الفنية بين
الأطراف، ثم تُغرق الإدارة بسلسلة مراجعات وتدقيقات لا تنتهي، بحيث تُستهلك الطاقة
في إدارة الأزمات بدل إدارة التقدم.
وعندما
تتكرر هذه الحلقة، يصبح التعثر نفسه هو المنتج النهائي: تأخير يفتح باب إعادة
التقييم، وإعادة التقييم تمهد للتقليص، والتقليص يرسل إشارة سلبية للسوق، والإشارة
السلبية تعيد الشركات إلى دبي وتُضعف قدرة الرياض على فرض نفسها كمركز إقليمي بديل.
في مثل
هذا المناخ تتضح "حرب المركز" أكثر: السعودية تحاول إقناع العالم أنها
المركز القادم، لكن أي اضطراب في المشاريع العملاقة يفتح نافذة للمنافس الإماراتي
ليعيد تقديم دبي -بأدوات السوق لا بخطاب السياسة- كخيار أقل مخاطرة وأكثر جاهزية.
ومع إضافة
معركة المقرات الإقليمية إلى مشهد إعادة المعايرة، تصبح الصورة أشد قسوة: الرياض
ترفع سقف السيطرة التنظيمية لإجبار الشركات على القدوم، بينما تعمل الإمارات على
أن يبقى القرار الفعلي للشركات ورأس المال مرتبطا ببيئتها الأكثر نضجا وخبرة في
الخدمات العابرة للحدود.
ثم يأتي
البعد الأمريكي ليكمل دائرة الضغط؛ الإمارات تمتلك في واشنطن شبكة تأثير موثقة ضمن
قنوات الضغط القانوني والسياسي، وتناول معهد كوينسي ذلك في تقرير عن "اللوبي
الإماراتي في أمريكا"، موضحا كيف يمكن لهذا النشاط أن يتحول إلى نفوذ مؤسسي
داخل دوائر صنع القرار. وفي الوقت نفسه منح التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي أبو ظبي
رافعة إضافية في سردية واشنطن عن "الشرق الأوسط الجديد"، مع توثيق
اتفاقات إبراهيم رسميا وتوقيعها في البيت الأبيض في أيلول/ سبتمبر 2020. الأهم أن
التطبيع لم يبقَ سياسيا فقط، بل تداخل مع ملفات التسليح النوعي؛ وتناولت رويترز
ربطا بين اتفاقات إبراهيم ومسار صفقات متقدمة. في قاموس النفوذ، هذا يعني أن أبو ظبي
لا تقدم نفسها كدولة خليجية ثرية فحسب، بل كلاعب يملك رصيدا سياسيا في واشنطن،
ويستثمر التطبيع كعملة سياسية وأمنية واقتصادية في آن.
يبدو أن السعودية وكأنها بدأت أخيرا تلمس حجم الفخ: تُدفع إلى الواجهة لتدير معركة المركز بقرارات سيادية مكلفة، بينما تتسلل مكامن النفوذ من الخلف، في التمويل، وفي شبكات الأعمال، وفي مفاصل القرار الخارجي
ومن هذا
المنطلق يصبح الضغط على السعودية أكثر قابلية للحدوث بصورته غير المباشرة: عبر
هندسة بيئة القرار في واشنطن بحيث تصبح أبو ظبي مرجعية في بعض الملفات المرتبطة
بالتطبيع وشبكات الأمن، بما يمنحها هامش مناورة أوسع حين تتقاطع المصالح مع
الرياض. وعندما تُوضع هذه الرافعة فوق منافسة اقتصادية متوترة أصلا -على المقرات
والاستثمارات وسلاسل التمويل- تظهر صورة دولة تحاول محاصرة صعود منافسها من كل
الجهات: السوق، التمويل، السردية الدولية، ومفاتيح التأثير الخارجي.
الخلاصة
أن الصراع لم يعد اختلافا في أساليب التنمية، بقدر ما هو صراع على إزاحة النفوذ
السعودي من موقع القيادة الاقتصادية الإقليمية عبر استنزاف البيئة الاستثمارية
الجديدة التي تحاول الرياض بناءها، وإبقاء الشركات بين خيارين كلاهما مكلف: انتقال
إلى الرياض تحت ضغط العقود الحكومية، أو بقاء عملي داخل منظومة الإمارات بوصفها
مركز الخدمات الأكثر جاهزية. وبين الخيارين تتقدم أدوات الإمارات بهدوء: بنوك
تتمدد داخل السعودية، منظومة أعمال لا تزال جاذبة للشركات، ونفوذ في واشنطن يضيف
إلى المنافسة طبقة ضغط لا تُرى في العناوين اليومية.
وإذا كانت
السعودية تريد أن تربح معركة "المركز"، فالسؤال الذي لا يمكنها تجاهله
هو كيف تحمي مشروعها من نفوذ الشبكات العابرة للحدود حين تكون الدولة المنافسة
حاضرة داخل مفاصل التمويل والخدمات، وكيف تحول سياسات الإلزام من أداة إجبار إلى
بيئة استثمار تقلل المخاطر بدل أن تضاعفها؛ لأن أي تأخير أو إعادة معايرة في مشروع
بحجم نيوم لا يبقى داخل المملكة، بل يتحول فورا إلى ميزة نسبية لمركز منافس جاهز
لاستقبال الشركات التي لا تحب المخاطرة.
وبالمجمل،
يبدو أن السعودية وكأنها بدأت أخيرا تلمس حجم الفخ: تُدفع إلى الواجهة لتدير معركة
المركز بقرارات سيادية مكلفة، بينما تتسلل مكامن النفوذ من الخلف، في التمويل، وفي
شبكات الأعمال، وفي مفاصل القرار الخارجي.
بهذه
القراءة، لا تريد الإمارات أن تنافس السعودية على المركز فقط، بل أن تمنعها من أن
تصبح مركزا أصلا: أن تبقى سوقا كبيرة تُنفق، بينما يظل القرار الفعلي للمال
والشركات والخدمات والوساطة في يد دبي وأبو ظبي.