الحرب
التي أشعلتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد
إيران صباح السبت، العاشر من
رمضان، لم تستهدف فقط تدمير المشروع النووي الإيراني، ولا حتى إسقاط النظام
الإيراني، وقتل مرشده الأعلى، وكبار قادته، إنها تستهدف ما هو أكبر من ذلك وهو رسم
خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط تكون
إسرائيل هي القائدة فيها، تطبيقا لوعد
نتنياهو
وترامب.
العدوان
الجديد يؤكد فشل عدوان حزيران/ يونيو الماضي في تحقيق أهدافه؛ خلافا لادعاءات
الرئيس ترامب ونتنياهو اللذين أعلنا من قبل القضاء تماما على المشروع النووي
الإيراني، لكنهما عادا لترديد أسطوانة امتلاك إيران لقدرات نووية عالية، تشمل
400-500 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب (60 في المئة) والذي يمكنها من صنع
القنبلة النووية. ورغم تأكيدات إيران المتواصلة بعدم رغبتها في امتلاك سلاح نووي،
واستنادها لفتوى للخامنئي صدرت في العام 2003 تحرم امتلاك هذا السلاح، والسماح
لمفتشي وكالة الطاقة النووية الدولية بالتفتيش الدائم على منشآتها حتى حزيران/
يونيو الماضي، ودخولها في مفاوضات جديدة بوساطة سلطنة عمان تم منها 3 جولات، ورغم
ما ظهر من تصريحات أمريكية وإيرانية وعُمانية متفائلة عقب أحدث جولة للمفاوضات؛
إلا أن كل ذلك لم يستطع كبح جماح نتنياهو وترامب المصرين على توجيه الضربة الشاملة
التي خططا لها، وحشدت لها الولايات المتحدة 30 ألف جندي في خمس قواعد عسكرية في
المنطقة، وحاملتي طائرات، و300 طائرة هجومية، و19 مدمرة بحرية، فيما اعتبر أكبر
حشد منذ ربع قرن.
* * *
إذا نجحت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في كسر إيران، ونزع سلاحها النووي، وإزاحة نظامها الحالي، فإن ذلك سيفتح شهية الكيان ومن خلفه الأمريكان لتقليم أظافر دول أخرى في المنطقة تراها إسرائيل خطرا عليها في المدى القصير أو البعيد، والمقصود هنا تركيا والسعودية ومصر
عقب
الجولة الأولى للمفاوضات الإيرانية الأمريكية في العاصمة العمانية مسقط، كتبت في
الثامن من شباط/ فبراير المنصرم في هذا المكان؛ مقالا بعنوان "
مفاوضات مسقط
لا تعني تراجع خيار ضرب إيران"، ذكرت فيه أننا "أمام مفاوضات تجري تحت
أزيز الطائرات، والمسيّرات، واختبارات الصواريخ الجديدة"، وأن "الإدارة
الأمريكية تتحرك من عقيدة تحقيق السلام من خلال التهديد بالقوة، ولا تطيق صبرا على
مفاوضات لمدة طويلة"، وأضفت: "رغم أن ترامب زعم أن المفاوضات سارت بشكل
جيد، وأن هناك متسعا من الوقت لإكمالها في جولة جديدة، إلا أن ذلك قد لا يكون
تعبيرا عن نوايا صادقة بل جزءا من خداع إيران".
وطيلة
الفترة الماضية كنت وغيري كثيرون نرى أن الضربة قادمة، وأن المفاوضات هي فعلا للخداع،
وكسب الوقت ريثما تكتمل الاستعدادات، وريثما تتوفر معلومات بوجود صيد ثمين في مكان
ما، وهو ما حدث فعلا، فقد اكتملت الاستعدادات العسكرية الضخمة، والتي أرادت فرض
استسلام على إيران من خلال جلسات التفاوض، وحين لم تصل إلى غرضها، عادت للخيار الأصلي
وهو توجيه ضربات واسعة لتدمير المشروع النووي من ناحية، وتدمير النظام السياسي
نفسه من ناحية ثانية.
حتى
كتابة هذا المقال لم تظهر نتائج الضربات الأمريكية الإسرائيلية المبكرة بشكل كامل،
وإن ظهر بعضها تباعا، مثل قتل المرشد الأعلى وأسرته، وعدد كبير من كبار القادة
العسكريين والمدنيين، وهو ما استعدت له إيران سلفا بتحديد بدلاء لهم، لكن من
الواضح أن إيران، ونتيجة استعداداتها المسبقة، استطاعت استيعاب الصدمة الأولى، والرد
في العمق الإسرائيلي، مع تلويح بتوسيع الرد ليشمل نطاقات أوسع. وقد طالت نيران
الحرب حتى الآن إلى جانب إيران والكيان كل دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، كما
طالت الأردن والعراق، وقد تطال دولا أخرى تباعا.
وهنا
ينبغي الإشارة إلى أن ضرب الأهداف المدنية في دول الخليج هو نوع من العبث
والعشوائية، وكان من الواضح أنه رد فعل انتقامي لقتل المرشد خامنئي أكثر من كونه جزءا
من خطة عسكرية مسبقة.
* * *
ارتكبت
إيران خطايا في سوريا واليمن وحتى العراق، ومن واجبها الاعتذار عن تلك الخطايا،
ولكن ذلك لا يفقدنا البوصلة الصحيحة في النظر للعدوان الحالي عليها، فهو لا يستهدف
الثأر لشعوب تلك الدول، وهو ليس دعما للسنة في مواجهة الشيعة، أو للعرب في مواجهة
الفرس، بل هو انتصار للمشروع الصهيوني، وتسييده للمنطقة كلها، مع الإجهاز على كل
صوت مقاوم له، سواء كان دولا أو جماعات.
ومع
تقديرنا لنضال الشعب الإيراني من أجل الحرية والحياة الكريمة فإن العدوان لا
يستهدف تحقيق هذا الحلم، ولكنه يستخدم ذلك شعارا مرحليا فقط، وقد تابعنا تحريض
ترامب للشعب الإيراني على التظاهر قبل شهرين، وكيف أنه وعدهم بالتدخل لدعمهم، لكنه
لم يفعل وتركهم لقمة سائغة للأجهزة الأمنية. تسعى واشنطن وتل أبيب لتنصيب حكومة
تابعة لهما، وإن عجزتا عن ذلك فسيكون البديل هو ترك الشعب الإيراني لحالة فوضى
وانقسام، تستنزف طاقته وقدراته، وربما تتسبب في تقسيم إيران نفسها إلى عدة دول،
خاصة وأن بذور ذلك موجودة بالفعل.
إذا
نجحت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في كسر إيران، ونزع سلاحها النووي، وإزاحة
نظامها الحالي، فإن ذلك سيفتح شهية الكيان ومن خلفه الأمريكان لتقليم أظافر دول أخرى
في المنطقة تراها إسرائيل خطرا عليها في المدى القصير أو البعيد، والمقصود هنا
تركيا والسعودية ومصر، رغم أن دولتين منها ترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة معها،
بينما الثالثة كانت على وشك الدخول في التطبيع الإبراهيمي، كما أنها تعرضت للضربات
الإيرانية الأخيرة.
* * *
هذه الحرب هي الأوسع نطاقا في المنطقة عبر تاريخها، وسيترتب عليها شكل جديد للمنطقة، يريده نتنياهو شرق أوسط جديدا بمقاييسه
قبل أيام
قليلة أعلن نتنياهو عن سعيه لتأسيس حلف سداسي يضم إلى جانب كيانه كلا من اليونان
وقبرص والهند، ودولتين عربيتين (لم يسمهما)، وربما يتسع لدول أخرى لاحقا. وأكد
نتنياهو أن هذا الحلف يستهدف مواجهة الحلفين الشيعي والسني، ما يعني أنه يستهدف
العالم الإسلامي كله بجناحيه، وقد عدل نتنياهو تصريحه لاحقا بعد أن تسبب في
الإحراج لدول عربية وإسلامية يستهدف ضمها لتحالفه، فأكد أنه يستهدف إيران والإخوان
المسلمين.
والحقيقة
أن نتنياهو مهما حاول تزيين كلامه فإنه يستهدف فعلا كل القوى الحية في العالم
الإسلامي، سواء كانت دولا أو أحزابا أو جماعات، كما أنه يستهدف توسيع مساحة كيانه
وفقا لتصوراته التوراتية من النيل إلى الفرات، وقد جدد مؤخرا قناعته بهذه الرؤية،
وسعيه لتحقيقها. كما أعلن زعيم المعارضة لابيد انحيازه لهذه الرؤية أيضا، ومعهما
السفير الأمريكي في القدس هاكابي، ولن يستطيع نتنياهو تحقيق ذلك دون التخلص من كل
عناصر المقاومة والممانعة في المنطقة.
هذه
الحرب هي الأوسع نطاقا في المنطقة عبر تاريخها، وسيترتب عليها شكل جديد للمنطقة،
يريده نتنياهو شرق أوسط جديدا بمقاييسه، وتريده شعوبنا شرقا عربيا إسلاميا قويا،
قادرا على انتزاع مكانته اللائقة، والتي كانت له من قبل، وليس من المنطقي أن تنتصر
المشاريع الوافدة على المشاريع الاصيلة، أو هذا ما نأمله.
x.com/kotbelaraby