في زمن الحروب، يظهر المثقف من
موقعه المسؤول في تسييل المعارك العسكرية إلى مفاهيم وتأسيسات فكرية ونظم معرفية
لطرح تساؤلات كبرى، تحاول معالجة جذور المشكلة المتمظهرة في الخارج عسكريا،
لمحاولة فهم جذر الصراع؛ هل هو صراع نماذج وسرديات، أو صراع دول ومصالح ظاهرية.
وتتضح في المعارك الكبرى الفروق
الجوهرية لدى الجهات المتصارعة، من خلال المقارنة في الإنتاج بين الطرفين، وفق
معيارية "إنتاج الحمقى" أو "إنتاج العلماء". فالأول يتضح توافره في أنظمة مركزية لا تؤمن بتداول السلطة، ولا بتداول
النخب، فالبديل هنا يعاني من شح معرفي وعلمي، والثاني يتضح في الأنظمة التي تستطيع
بسهولة ملء فراغ السلطة بمن هو أكفأ، ووفرة في إنتاج العلماء والنخب، أي وفرة
معرفية وعلمية، وهنا لدينا عدة نماذج يمكن تصنيفها ضمن نوعين:
1. نموذج تجريبي رأسمالي، يستثمر
في الإنسان والعلم باعتبار الإنسان أحادي البعد (مادي)، ولكن منطلقة مادي يهدف
للاستحواذ والهيمنة، وتحكمه المركزية الغربية ونظرية المركز والأطراف، والاستحقاق
والعلو الحضاري.
2. نموذج
عقلاني، وعقلاني وحياني، يستثمر في الإنسان بما هو
إنسان متعدد الأبعاد، فالاستثمار يكون في البعد المادي والمعنوي، في تنمية العقل
وتثويره وتزكية النفس وتهذيبها، تشاركي يسعى لتحقيق العدالة والنهضة للجميع،
ولفائدة الإنسانية.
لذلك نحن اليوم أمام مفصل تاريخي
نخوض فيه تجارب معرفية هي ليست جديدة، لكنها قديمة بجذورها وجديدة بأدواتها، هذا
المخاض التاريخي يفرض علينا أن نعرف موطئ قدمنا فيه، وموقعنا منه، ووظيفتنا تجاهه
كي يكون لنا دور في كتابة سرديّته، وفي مواقع القرار فيه.
ففي خضم
الحربين العالمتين
الأولى والثانية نشط العسكر، ولكن في موازاته كان هناك نشاط معرفي في الإنتاج
والتداول بين النخب في الغرب، وحتى في الشرق وإن بكثافة إنتاجية أقل. هذا النشاط
المعرفي طرح تساؤلات كبرى حول جذور المعركة ومظاهرها وآليّات علاجها، نتج منها
قيام مؤسسات دولية -بغض النظر عن سبب تأسيسها وحقيقة تحيزاتها- ومنظومات حقوقية،
وتفاهمات بينية أوروبية، انتقل بعدها الغرب لمرحلة النهضة والعمران
"المادي" الذي استثمر في الإنسان والمعرفة "ببعدها المادي".
واليوم نعيش أيضا محطة انتقالية
من النظام الذي أنتجته الحربان العالميتان الأولى والثانية، إلى نظام جديد يتمخض
حاليا في مرحلة انتقالية حساسة، وهو ما يحتاج وقفة من النخب لفهم حقيقة الصراع
الانتقالي، أو المرحلة الانتقالية الوسيطة، وكيف يمكن تفكيك بنيته المعرفية لفهم
مساراته وتداعياته وموقعنا منه، حتى لا نكون في موقع المفعول به كالعادة، وننتقل
إلى موقع الفاعل، لأن المستهدف هو وجودنا في هذه المنطقة، وثرواتنا وهويتنا، أمام
كيان احتلالي توسعي، باعترافات واقعية من قياداته أو من مُموّليه، وهو ما يفرض على
نخب هذه المنطقة وقفة استشرافية جَمْعِيّة تخرج برؤية شاملة، تؤسس وجودا حقيقيّا
لنا في مواقع القرار والاستقلال والسيادة بشكلها الواقعي، وليس بشكلها الظاهراتي
الشعاراتي.
الاستعمار بالعقوبات الاقتصادية
بين الرفاهية والسيادة:
لا يخفى على الجميع أن الاقتصاد
تحول لأداة استعماريّة قصريّة من خلال سلاح العقوبات المُوَجّهة، والمُقَنّنة
بمجموعة مؤسسات دوليّة لا تمثل إلا مصالح الغرب ومن يدور في مركزيته. وعندما نتحدث
عن عقوبات اقتصادية فنحن نتحدث عن الشعوب وحاجياتها الأساسية، أي استهداف الحكومات
من خلال تجفيف منابع الخدمات الأساسية الحياتية على الشعوب لتنتفض وتسقط حكوماتها،
أو لتحدث انقلابات تؤدي لتقويض الأنظمة وتفتيت الجغرافيا ودخول المجتمع بحالة
فوضى، واقتتال يصب في صالح الغرب للهيمنة على الثروات، ومزيد من تجفيف منابع
الثروة على أصحابها، كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، أو بالإبقاء على
النظام مع السيطرة على ثرواته، لكن تحت رحمة الاستعمار الاقتصادي بالقوة المُوَجه
لثرواتها كما حدث في فنزويلا.
بالتالي تصبح المجتمعات أمام
خيارات صعبة، بين حلم الرفاه الغربي الذي يبيعه بأوهام تدغدغ أحلام الشعوب، وهو
حلم يحدد فيه المُسْتَعمِر سقف هذه الشعوب بإبقائها عند حد الكفاف الأدنى خدماتيّا،
دون حد الاكتفاء الذّاتي الأعلى معرفيا ورفاهيّة، وبين الاستبداد الذي يهيمن على
الثروات، لكنه يحقق منسوبا من الاستقرار والأمن، خاصة مع تجارب واقعية لنموذج
التحرر والرفاه الغربي الذي سلب
السيادة، وفتت الجغرافيا، وهيمن على الثروات وترك
أحلام الشعوب في الرفاه معلقة على حائط الأوهام. تعاني هذه المجتمعات من الاقتتال،
وغياب الأمن والاستقرار الاجتماعي، ومن ضياع الجغرافيا بين تنوعات المجتمع التي
تحولت من مصدر إلهام وتنوع وثراء معرفي واقتصادي تعددي، إلى أداة في تفتيتها
وتمزيقها، أداة صنعها الاستعمار، وجعل منها وسيلة للفوضى والاقتتال والتقسيم.
وأمام التّخيير القَصْري
المُوَجّه بين الاستعمار الطّاقَوي المُفَتّت للسّيادة، وبين الرفاهية
الاستهلاكية، كيف يكون خيار الحكومات؟ وكيف يجب أن تكون خيارات الشعوب؟
في كثير من العلاجات المَرَضِيّة
تحتاج أحيانا عند فشل العلاج بالأدوية، واللجوء إلى العلاج الجراحي، لذلك عند
التّزاحم بين رفاهية الشعوب الاستهلاكية والسيادة والاستقلال، فإن الأولوية هي
لخيار السيادة واستقلالية القرارات، لأن تداعيات العبودية وفاتورتها أشد وأعمق من
تداعيات اختيار السيادة، فالارتهان يؤخر مسار الاستقلال الذاتي، ويعطل الابتكار،
والاستثمار في الإنسان الوطني لصالح المستعمر، ومشاريعه وشركاته، وموارده البشرية
الخاصة فيه، فيتحول إلى مرض عضال يصعب استئصاله، بينما وجع الاستقلال موضعي قد يعاني
منه جيل، ولكنه سيفتح كل الآفاق للأجيال القادمة، ويكون مقدمة لبناء دولة حقيقية
مقتدرة، ذات اكتفاء ذاتي وذات سيادة حقيقية على الجغرافيا والقرار.
ولا ننكر أن هموم الشعوب جغرافيا
بين الشرق والغرب مختلفة، لاختلاف الإشكاليّات والأولويات، وطبيعة الهموم التي
تعود لجذر الاختلاف في البنية المعرفية كالعادة.
ففي آسيا يختلف الوعي عن أوروبا
لاختلاف النموذج المعرفي ومصادر المعرفة، لذلك لا نستطيع المقارنة مع هذا الاختلاف
الجذري، فشعوب غرب آسيا على سبيل المثال خاصة العربية منها تعيش تحت سياط الجهل،
ووطأة الاستبداد بحكومات أغلبها وظيفية مرتهنة للخارج، ووطأة هندسة الجهل، التي هي
جزء من عملية الارتهان للخارج. فتقويض بنية التعليم وتسطيحها، وإدخال الفرد في
دوامة همومه الذاتية الضيقة، هو جزء من هندسة الجهل وبسط سلطة الاستبداد دون
مقاومة، لكن مع ذلك بسبب وجود بنية معرفية أحد مصادرها مرتبط بالسماء، فإنه بمجرد
فتح كوة نور في هذا الجدار الأصم سيعود أوكسجين الثورة لهذه الشعوب، لكن ثورتها
ذات منطلقات تتناسب مع إشكالياتها الوجودية، بينما في أوروبا الشعوب تمتلك وعيا
ينطلق من بنية معرفية مختلفة جذريا، فهي تثور ليس على بنية النظام الرأسمالي، بل
غالبا على أي نقص يمس رفاهيتها الاستهلاكية، ويهدد أمانها المادي اللحظي.
واليوم أيضا هناك ثورة تحررية
جديدة في الغرب حول الحريات، وإعادة تعريف مفهوم الحرية أمام انكشاف واقع الحرية
في الغرب، خاصة بعد طوفان الأقصى، وقيام كثير من الدول الغربية بتشريع قوانين خاصة
بحرية التعبير والتظاهر؛ ساهمت بتقنين القمع فيما يتعلق بموضوع الكيان الصهيوني
وفلسطين، ومحاربة كل ما من شأنه يدعم فلسطين وسرديّتها في قبال السّردية الصهيونية
المتوحشّة، فضلا عن تداعيات أزمة الغاز في أوروبا، والبديل الأمريكي المطروح الذي
يقوض مصداقية أوروبا ويدفعها للتصادم مع شعوبها، وهو ما سأتطرق إليه لاحقا.
فهموم الشعوب في العالم وإن
اختلفت في الظواهر لكنها اليوم تعاني من مأزق الاستعمار ذاته، وإن اختلفت في
السردية فهي تتبع اختلاف البنية المعرفية، وبالتالي شكل الهموم واختلاف الأولويات.
لذلك في آسيا وخاصة في العالم
العربي والإسلامي ومع وجود كيان وحشي مثل الكيان الصهيوني، نحتاج لمقاومة تحرر
الأرض وتحافظ على الوجود، ومقاومة معرفية تحرر العقل من التبعية للسلطات الوظيفية
وسلطة الاستعمار، وهذا يحتاج نضالا على المستوى النظري والعملي، وتقديم نموذج
يستطيع أن يقوم بعملية إحلال تدريجي منهجي، تتلقفه الأجيال باعتباره بديلا ناجحا
وتنطلق فيه نحو مسار التحرر.
لذلك صراع النموذج والسردية هو
صراع تاريخي، لكنه اليوم يبلغ ذروته بين الاستعمار وأدواته، وبين أصحاب الأرض
والحق ومنظومة القيم المختلفة في جذرها المعرفي عن المُستَعمِر.
سلطة الحقيقة أمام حقيقة السلطة:
في هذا الصراع، يتم توظيف
"الحقيقة الاقتصادية" (نقص الغاز) لفرض "نموذج سياسي"
(التبعية لمركزية واشنطن). الدول المتوسطة (مثل دول الاتحاد الأوروبي أو الناشئة)
تجد نفسها أمام نموذج يُلغي "حرية إرادة الاختيار" ويستبدلها بـ"قصريّة
إرادة البقاء"، حيث تعرض عليها واشنطن صفقة غاز بمبلغ 750 مليار دولار، فلقد
أبلغ سفير ترامب لدى الاتحاد الأوروبي البرلمان بوضوح: "صادقوا على الاتفاق
التجاري البالغة قيمته 750 مليار دولار دون تعديلات بحلول الخميس 26 آذار/مارس، أو
ستفقدون الميزة التفضيلية للوصول إلى الغاز المسال الأمريكي"، بعد أن خرج
الغاز الطبيعي المسال (LNG) القطري عن
الخدمة تحت بند القوة القاهرة (Force Majeure)، إثر توقف منشأة "راس لافان" بعد استهدافها بطائرات
إيرانية مسيرة في اليوم الثالث للنزاع. هذا يعني فقدان 17 في المئة من القدرة
العالمية لإنتاج الغاز المسال لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات. ومع انقطاع الغاز
الروسي الواصل عبر الأنابيب بعد أزمة أوكرانيا، وصولا إلى بلوغ النرويج ذروة
قدرتها الإنتاجية، قفزت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35 إلى 50 في المئة منذ إغلاق
مضيق هرمز، ولم يتبقَّ سوى مورد واحد ضخم هو الولايات المتحدة الأمريكية.
هذا الاتفاق التجاري البالغ
قيمته 750 مليار دولار، فيه "شروط مخفية" تُحول القارة العجوز من شريك
تجاري إلى "سوق أسيرة". فترامب يطالب دائما بإزالة العوائق أمام المنتجات الزراعية
الأمريكية (مثل الهرمونات في اللحوم والمحاصيل المعدلة وراثيا) التي ترفضها
المعايير الأوروبية الصارمة.
والخسارة الأوروبية وفق هذه
الشروط هي: تآكل معايير الصحة والسلامة الغذائية والبيئية (Green Deal) التي تفتخر
بها أوروبا، مما قد يؤدي لصدام داخلي بين الحكومات والشعوب. أما المكسب الأمريكي فهو:
فتح سوق استهلاكي ضخم (450 مليون نسمة) أمام الفائض الزراعي الأمريكي، وهو ما يرضي
القاعدة الانتخابية لترامب في "ولايات الحزام الزراعي".
هنا، لا تعود السيادة تمارس عبر
البرلمانات، بل عبر "أنابيب الإمداد". وهذا يوضح أثر الذراع الاقتصادي
وفق نموذجه الرأسمالي المادي في توجيه الخيارات في صراع الإرادات، "بين إرادة
الاختيار والتحرر" و"إرادة البقاء وخيار التبعيّة".
فاليوم نحن لا نشهد قطيعة مع
الماضي الكولونيالي، بل نشهد "تطورا سلاليا" لأدواته. إذا كان الاستعمار
التقليدي قد ارتكز على "الجغرافيا" والاحتلال العسكري المباشر لتأمين
الموارد، فإن الاستعمار الحديث يرتكز على "التدفقات" و"الشبكات".
1. من
"استعمار الأرض" إلى "استعمار الشرايين"
في السابق، كان المستعمر يحتاج
لإرسال جيوشه للسيطرة على المناجم والحقول. اليوم، يكفي السيطرة على "نقاط
الاختناق" (Choke Points)؛ سواء كانت
مادية كمضيق هرمز، أو تقنية كمحطات تسييل الغاز، أو قانونية كالاتفاقيات التجارية
العابرة للقارات. السيادة هنا لا تُنتهك بالدبابات، بل بـ"صمام الغاز"
الذي يملك المستعمر الجديد حق فتحه أو إغلاقه.
2. "القوة
الناعمة" غطاء لـ"الإكراه الصلب" أو ما يسميه ترامب "السلام
بالقوة":
تغيرت "مصاديق القوة"،
فبدلا من "التبشير بالحضارة" (Mission Civilisatrice) كذريعة
استعمارية قديمة، يتم اليوم استخدام "حماية الاقتصاد العالمي" أو
"أمن الطاقة" كغطاء أخلاقي وقانوني لفرض شروط استعمارية مجحفة. التهديد
بـ"الظلام" و"الانهيار الاقتصادي" هو الصيغة الحديثة للتهديد
بـ"الحصار العسكري"، وهو الأداة الفاعلة اليوم لتقويض الأنظمة الصلبة
غير الخاضعة، واستبدالها بأنظمة صامتة، تطبق تعليمات المستعمر ذو الشعر الأشقر.
3. تسييل
السيادة (Liquefying Sovereignty)
الاستعمار الجديد يحول السيادة
الوطنية إلى "سلعة" قابلة للمقايضة التبادليّة، مقابضة غير متماثلة، بين
يد عليا للمستعمر، ويد مغلولة أمام ضغط الحاجة.
عندما يُطلب من ملايين البشر
مقايضة معاييرهم الصحية والتشريعية وثرواتهم وحرياتهم، بل وجودهم (السيادة
القانونية) مقابل الحصول على الغاز (البقاء البيولوجي)، فإننا أمام عملية
"تفكيك استعماري" للدولة القومية، حيث تصبح الدولة مجرد وكيل محلي
لتصريف مصالح القوة المهيمنة، ولا قيمة تذكر للشعب وحاجياته التي استغلها
الاستعمار لتقويض وجوده الحقيقي أمام وجوده المادي الموهوم، ونصبح أمام استعمار
ليس جغرافيّا، بل استعمارا اقتصاديّا يقوض بينان الاكتفاء الذاتي المحلي وبما
يمثّله من سيادة خاصة على مستوى القرار، لحساب تبعية هذه الجغرافيا اقتصاديّا
للشركات العابرة للحدود، التي تخضع القرارات والقوانين لتكون في صالح رأسمالها، لا
صالح الدولة وشعبها.
4. الزمان والمكان: الاستعمار الرقمي واللحظي
ما يميز هذا الامتداد هو
"الآنية"؛ الاستعمار القديم كان يتسم بالبطء (حملات، معاهدات، سنوات).
الاستعمار الحالي يمارس سلطته في "الزمن الحقيقي" عبر منصات التواصل
(تغريدة ترامب كأداة ضغط) وعبر سرعة حركة الرأسمال. "الإنذار بـ48 ساعة"
هو تكثيف للزمن الاستعماري لانتزاع تنازلات تاريخية في لحظة ذعر واحدة. فهو ضغط
اللحظة التاريخية في جغرافيا حساسة عالميّا في زمن الحرب والدمار لانتزاع الاعتراف
بالتبعية، مقابل اللقاء البيولوجي المادي، دون قيمة معنوية تذكر.
مآلات هذا النموذج:
إن "امتداد الاستعمار
بأدوات متناسبة مع الزمان" يضعنا أمام تحدٍ فكري جديد: كيف يمكن للدول
والمجتمعات بناء "مقاومة معرفية وتقنية"؟
إذا كانت أدوات الاستعمار قد
انتقلت من "البندقية" إلى "الأنبوب" و"الخوارزمية"،
فإن استعادة الاستقلال تتطلب بالضرورة امتلاك "بدائل تقنية" و"وعي
نقدي" يفكك هذه الارتباطات القسرية، وفهم لسعة إرادة الفعل وأهمية الاستقلال
الذاتي، وآثاره على النهضة والتنمية الحقيقية، التي تستثمر في الانسان والمعنى
أكثر من استثمارها في المادة.
إن الوعي النقدي وعي ينتج معرفة
جديدة مغايرة لما تفرضه ميكانيزمات السلطة، سواء سلطة الاستعمار أو سلطة
الاستبداد، وعي خارج صندوق مثقف السلطة والمال، وخارج فقيه السلطة والمال، وعي
ثوري بأهمية لحظة التحول المصيرية والوجودية للأمة، وهذا الوعي النقدي اليوم لم يعد
مقتصرا على فئة بعينها، بل مع وسائل التواصل الاجتماعي بات متاحا لكل أفراد
الميديا، فهو وعي لم تعد تحدّه الجغرافيا، بل وعي إنساني جمعي تلعب الخوارزميات
دورا فاعلا فيه، تخاض فيه معارك خوارزمية لتوجيه سلطة الحقيقة أو فرض حقيقة
السلطة، هذا الوعي ومعارك الخوارزميات بات يشكل خطرا وجوديّا حقيقيّا للاستعمار
والاستبداد، وفي ذات الوقت تحديّا جديدا للمجتمعات والنخب مع هذه الخوارزميات،
وكيفية توجيهها وتخطي وسائل حجبها لتصل الحقيقة للجميع.
لكن في ذات الوقت ما هي آليات
منع تحولها لأداة في يد الاستعمار والاستبداد لتحجيم تأثير الفعل، وقمع إرادة
الفعل والفاعل، وحجب الأصوات الناقدة خارج إطارها من خلال التحكم بالخوارزميات،
والتجسس، والاختراق الكاشف لما يقترض أنه مستور وسري، من خلال وقوع هذه
الخوارزميات أو مواقع الذكاء الاصطناعي وما تحويه من داتا معلومات كبيرة، في يد
وكالات الاستخبارات التي تسهل مهمة كشف الفاعلين والمؤثرين، سواء في دوائر القرار
للدول المستهدفة، أو لأولئك المؤثرين في معركة صناعة الوعي وبسط سلطة الحقيقة.
فشعوب العالم أجمع أمام مفصل
تاريخي مهم عنوانه الجمعي "التحرر من الهيمنة"، وليس رسما لمعالم هيمنة
جديدة، بل وقف نزيف الاستعمار وتوارث سلالات متطورة منه زمنيا، وهو ما يؤسس لتحرر
من أصل الهيمنة التي مثلتها سابقا دول الغرب، وتمثلها اليوم أمريكا.
هذا التحرر يقتضي تظهيرا لمفهوم السيادة جغرافيا، ويرسم معالم مفهوم الانتماء
ليس على مستوى الشعارات التي تهدد أمن الأفراد وتشكك في ولاءاتهم، بل انتماء يتحقق
عملانيا بمنظومة حقوق وواجبات ترسم معالم العلاقة بين السلطة والشعب، وتجعل من
الاستثمار في الانسان معيارا للتنمية الحقيقية، والكفاءة والأهلية معيارا
للاختيار، والتطوير والنهضة وبناء الإنسان والمجتمع والأوطان معيارا للانتماء
للوطن، وليس معيار الانتماء هو الولاء للسلطة وتحيزاتها الإدراكية اتجاه الشعب.
إننا أمام فرصة تاريخية في التأسيس لرؤية حقوقية تنطلق من منظومتنا القيمية،
ومن هوية هذه المنطقة التي فرضت عليها قوانين ومعايير لا تتسق مع بنيتها المعرفية،
ولا مع قيمها ومعاييرها وتقاليدها وما تؤمن به من نواظم وضوابط اجتماعية تناسب
طبيعة وبيئة مجتمعاتها، هذا فضلا عن حاجتنا للعودة، وما أعنيه هو العودة لتراثنا
ليس على الطريقة النصية الحرفية، بل العودة لاستجلاب النفع منها للتأسيس لهوية
مستقلة من كافة الجوانب المعرفية والاقتصادية والسياسية، هوية مستقلة ليست منغلقة
وإنما تفاعلية هدفها النهضة والعدالة، ومكافحة كل أنواع الهيمنة والاستحواذ، سواء
بشكل مباشر أو غير مباشر.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.