بين الوعي والعنوان

محمد ثابت
"بلحظة الجد تجتمع هذه العناوين مع بعضها لتنصف أوطان الربيع العربي ومن ثم الأمة"- جيتي
"بلحظة الجد تجتمع هذه العناوين مع بعضها لتنصف أوطان الربيع العربي ومن ثم الأمة"- جيتي
شارك الخبر
فوجئتُ عقب النجاح الأول لثورة 25 يناير مباشرة بفكهاني بلدنا النائمة في أحضان النيل يضع عنوانا يعني انتماءه للثورة؛ كنتُ أمر به ساهرا كلما عدتُ بإجازة قصيرة متأخرا كالعادة، زال عجبي لما تفكرتُ بأن من الذين آمنوا بنجاح الثورة في نسختها الأولى هم الذين نطلق عليهم "العامة"، تلك الكلمة المظلومة التي تعني غالبية الناس؛ وتجعلنا نتساءل: وما لهم الغالبية؟ أوَ لسنا نسعى لأن يكون أولاء واعونن عالمون بحقوقهم، مستعدون للدفاع عنها كعلمهم بواجباتهم، أو ليست هذه أسمى روح للإيمان؟ تذكرتُ -أيضا- في تلك الليلة أننا حتى نصل بعد حين للأغلبية الإيجابية يجب أن ننتبه إلى أن أهلنا سيظلون مع الغالب.

1- بداية، نقر بأنه ليس للعنوان الذي نقصده في حياتنا عيب! أي أن الأيديولوجيا التي تجمع الناس على الصواب من الأفعال قبل الأقوال؛ ليست شيئا مذموما -ما دامت تصدر عن مخلصين- فإن جاءت بغير النتيجة المأمولة منها فإن العيب عندها في التطبيق أو عدم التخطيط الجيد بالنظرية.

2- ما اجتهدنا؛ يظل أمر التجمع على أيديولوجية أو عنوان فكري وعملي "مشروع لنهضة الأمة" أو حتى "عناوين" و"مشروعات" تجمع أمتنا؛ أمرا غير معاب، فإنها لن تدعو للشتات أبدا، ما ضمها صدق واجتهاد وإخلاص؛ وبلحظة الجد تجتمع هذه العناوين مع بعضها لتنصف أوطان الربيع العربي ومن ثم الأمة!

3- قد تغلف المثالية بعض التصورات ومنها تصوراتنا، وهو أمر طالما ذكّرنا به البعض، ورغم محبتنا الشخصية الآن أن نكون خارج الإطار الأيديولوجي بوجه تام؛ مرددين مع الراحل الدكتور مصطفى الشكعة عنوان كتابه ورأيه بـ"إسلام بلا مذاهب"، إلا أننا لا يجب أن نغفل -أيضا- أمرين:

أ- أن نكون مثاليين فيما يخص أمتنا، بشرط أن تجتمع كلمتها ولا تتُفرق، أحب إلينا من أن نكون مثبطين أو حتى واقعيين تفرق كلماتنا ولا تجمع، والعياذ بالله.

ب- إننا وإن انتهينا إلى تفضيل ألّا أدلجة أو عنوان في جمع الخيرات من أطرافها، إلا أننا نفخر بكل حكيم سائر تحت عنوان؛ شريطة أن يكون ممن قال تعالى فيهم كتابع للرسول العظيم المقصود بالآية: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159).

4- يبقى "الإخلاص" كلمة سر كل عنوان ناجح في حياة البشرية؛ فإنما يسعى أصحابه لخير الناس في البداية والنهاية، فإن تحقق لهم خير ولخاصة أهاليهم فهما أمران محبوبان جدا؛ لكن على ألا يجيء خير النفس والخاصة على حساب الأمة، بمعنى أن يسعى أحدنا في يومه وعامه وعمره لمصلحة أمته ثم خاصته، مصداقا لقول إبراهيم عليه السلام: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام: 163).

5- خص الله أهل الخير بكل زمان ومكان بالخيرات قبل غيرهم، أو دون غيرهم، من البلايا التي أصابت كبد الأمة فأوهنتها، وصدق الله تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ" (الرعد: 17)، وما نفع سنوات عمر أحدنا إن عاشها في خير وهناء، وحقق النفع له ولصحبه؟ فإنما يبيع غاليا جدا عند ربه برخيص لا يزن، ويكفي حديث الرسول العظيم: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط. هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط" (أخرجه الإمام مسلم وغيره).

6- يصبح العنوان، أو الشعار، أو روح الأيديولوجيا مجمعا للأتباع، لكن يجب أن يفهم واضعه والأتباع له أنه إنما هو وهم أصحاب جهد بشري؛ قابل للأخذ والرد بحسب التجربة والواقع، وأما الكتاب الصادق المصدوق الذي يؤخذ منه ولا يرد، وكله حق فإنما هو القرآن الكريم، وبعده الثابت من سنة المصطفى العظيم.

7- تؤتى العناوين والشعارات من البقاء نظريا على حال واحد كيوم وضعها المؤسس، فحتى سيرة حياته العملية، وما مر بها من تجارب واستدراكات حياتية على المنهج؛ توضع في الحسبان ويؤخذ بها بالإجمال العام، مع مراعاة تراجع واضعها نفسه في أواخر أيامه، بعد أن ثبت عمق نظرته في تعديله وإن حاق بغالب الجمع من بعده شر كثير نتيجة عدم قبول التطوير، فإنما العنوان والشعار جهد بشري قابل للأخذ والرد والتعديل.

8- " يُجيرُ على أُمَّتي أدناهم" (حديث شريف أخرجه الإمام أحمد)؛ كيف يمكن أن يفهم أهل العنوان أن تدرجهم يساوي استبعاد رأي الأدنى، وأخذ رأي الأعلى مهما كان في هذه وذياك من صواب أو خطأ؟ وهو ما يعني أن أصحاب العناوين يطالهم من ضعف الأمة العام وأحيانا بعض من أفعال الظالمين، والأصل الشورى بآليتها الحقيقية.

9- الصدام مع الأنظمة غير السوية واعتبارها "من الظالمين" على اتساع الكلمة والمعنى، أي جمع أبناء البلد والملة مع غيرهم سواء بسواء، وبث ذلك في أذهان الأتباع والأعوان، وهذا يضع أهل العنوان والشعار والأيديولوجية في مركب مغاير مع غيرهم، وهو خطر مستطير على الأمة كلها وعلى أهل التنظيم والشعار أنفسهم لو وعوا أو دروا!

10- لا يجب بحال من الأحوال إدارة دفة الحق حيثما يود ويحب كبار أهل العناوين أو الشعارات، بمعنى أن تعاد كبريات الاجتماعات لتحقيق مآرب ما، أو يُطرد من أهل الشعار والتنظيم من لا يقول برأي، ولو كان رأي الأغلبية أو النافذين، ويجب أن يكون نصب العيون أن الرجال يتبعون الحق، وليس الحق بتابع للرجال.

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية بإذن الله تعالى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)