يتعجب العقلاء من أن ديل كارنيجي صاحب
كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" وهو الكتاب الأشهر في بث روح التفاؤل،
انتهت حياته منتحرا، وسبحان الله الذي أودع النفوس البشرية أسرارا وأبعادا لا يحيط
بها بالإجمال إلّا هو سبحانه وتعالى.
1- توفى أحد العلماء والأكاديميين مؤخرا في
سن دون الشيخوخة ودون أن يعرف عنه إصابة بمرض خطير يعجل بوفاته، مما حير كثيرا من
أحبابه والمهتمين به وبإنتاجه خاصة مع كونه -رحمه الله- في حياته حلو المعشر طيب
اللسان في الأعم الأغلب.
2- حل لغز الوفاة أحد الأكاديميين المتقاطعين
مع حياة وعلم الراحل لمّا باح بأنه يحسب أن الرجل قضى محصورا على أمر ما باح به
إليه قبيل وفاته، ومن باب حفظ الأسرار الخاصة لم يبح الصديق به، ومن شدة وقع المصيبة
على المتوفى استشار صديقه في الذهاب لطبيب نفسي، فنصحه الصديق الأكبر سنا بعدم
الفعل فمثله يُلجأ إليه في الملمات لا العكس.
3- وفي السياق نفسه كان الراحل الأكاديمي عبد
الحميد إبراهيم (صاحب نظرية الوسطية العربية) يخطب في سني تعليمنا على منبر مسجد
الجامعة، مؤكدا أنه ليس غير الله طبيب الروح والنفس، وأن أحدنا إن لجأ في ملمة
لطبيب نفسي فلمن يلجأ الطبيب؟ وإن لجأ طبيب لآخر فلمن يلجأ الأكبر؟ فنلجأ جميعا
إلى الله إذن منذ البداية.
4- سائد النظريات وعامها يقول بعلم كل إنسان
منا بمحدودية الحياة الدنيا وعدم استمرارية ما يصيبنا فيها من آلام؛ ندرك هذا جيدا
لكننا لما نتألم نشعر بالضعف البشري ونحتاج يقينا لمن يمد لنا يدا. ورحم الله بشار
بن برد:
ولا بد من شكوى لذي مروءة يسليك
أو يواسيك أو يتوجع
5- ويأتي الألم أحيانا من مقرب كصديق وما
شابه، وأحيانا تتراكم سُحب المحن والهموم فتضيق
النفوس بواسع الدنيا ومحنها، فيعيد الطب
النفسي للحياة بعض بريقها لكي تستمر.
6- نذكر لمولانا الراحل الشيخ محمد متولي
الشعراوي -رحمه الله- في خواطره المتلفزة حول القرآن الكريم؛ قوله إن النفس لما
تتعب لماذا لا يتم علاجها النفسي بالنصائح والإرشادات، أي دون العقاقير الطبية؟
وقد قصد الشيخ العلاج النفسي القائم على الاستماع والتداعي لاجتناب أسباب الألم
دون العقاقير المرتبطة بالطب النفسي، وفي البداية والنهاية لم ينكر الراحل المرض النفسي
من الأساس.
7- الراحل عبد الحميد إبراهيم في التسعينيات
من القرن الماضي لم يكن -رحمه الله- قد عاين وشاهد هو وأتباع مذهبه المحترم؛ تزايد
الفتن وأسبابها في زماننا، وما يجره حب الماديات وحضارتها الغربية على النفوس
الهادئة التي تميل للرضا والقليل من متاع الدنيا ومن مغريات ممن حولهم من صحبة
وأهل، وأيضا ما يجره الظلم الواقع على بعض بلداننا، خاصة الكنانة حيث كان يعيش
الأكاديمي الراحل.
8- تأتي صدمة المحنة أحيانا فتشل العقول
والتفكير، كتواطؤ البعض على أديب أو كاتب أكاديمي أو مَنْ شابههم، وأولاء يتسمون
بكثير من نقاء النفس والبعد عن معرفة النفوس ذات
الأمراض، وفي العموم يتسم العلماء
والأدباء الحقيقيون بالانشغال عن المكر والحيل، وفي عالم يتسم بالتغير السريع
ومفاجئ المحن لا يستقر إنسان على حال مهما أوتي من علم ومعرفة.
9- حتى الإيمان ينقص ويزيد كما قال المصطفى
صلى الله عليه وسلم، وأحيانا يشعر المسلم بل المؤمن بلحظات ضعف يحتاج فيها لمن
يأخذ رأيه أو يناصره، وقد يكون الأصدقاء لحظتها منشغلين، أو لا يمتلكون لمتألم
لسبب عام ما يفوق إمكاناتهم شيئا، وقد كان الرسول العظيم يستعيذ بالله من عضال
الداء وفجأة الأنواء والمصائب.
10- ليس معنى حاجة أحدنا للدعم النفسي ضعفا بالنفس
أو الإيمان، وإنما طلبا لتدخل من نفس أعلم بإمكانيات النفس البشرية وسبل دعمها،
وليس الدعم حينها بالعقاقير أو الأدوية وإنما بمساندة ونصائح، فإن كان الرسل
والأنبياء يتلقون دعما من خالقهم عند المآسي، وإذا كانت بعض محن الحياة تستحق
التوقف أمامها، ويستحيي بعض حساسي النفوس من البوح بما لديهم للمعارف أو الأصدقاء،
فإن الطبيب المؤتمن وقتها يكون أفضل حل.
11- لسنا نقر العلاج النفسي على اتساعه وما
يحدث مما لا يرضاه صاحب أمانة، ولكننا لا ننفي الحاجة لعلاج نفسي في بعض شديد
المواقف التي قد تؤدي للموت، كما في حالة الأكاديمي التي أشرنا إليها، فإن قال
قائل برأي الراحل الدكتور عبد الحميد إبراهيم (بمن يلوذ الطبيب النفسي) رأينا أنه
يلوذ بمن هو أقوى منه حالة نفسية حين تعب الأول، ولما يتعب الطبيب يلوذ بمن هو
أكثر استقرارا منه ويلوذ الجميع بالله حين استتباب الأمور. وتمام ما نقصده هنا هو
مجرد الزيارة للطبيب النفسي مرات قليلة في العمر ما تفاقمت المشكلات، بما تقر معه
نفس المريض مؤقتا، وتقر نفس الطبيب النفسي لو فاض بها.. وهلم جرا.
وقانا الله والمخلصين شر الأدواء، بسيطها ومعقدها، سواء بالنفس أو الجسد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.