بعد أن كشفنا
في المقال السابق عن صفة البخل المعرفي وكيف يهرب الدماغ من بذل الجهد؛ ننتقل الآن
إلى السلاح التوأم الذي يستخدمه مهندس
الوعي لاستثمار هذا الكسل البيولوجي. إننا بصدد
الحديث عن ظاهرة التلقين عبر التكرار، أو ما يعرف بأثر الحقيقة الناشئ عن الألفة.
في مشهد سينمائي
عبقري من فيلم "Focus"،
يراهن المخادع المحترف نيكي (ويل سميث) مليارديرا صينيا على مقامرة مستحيلة: أن يختار
الملياردير رقما عشوائيا يرتديه أحد لاعبي كرة القدم في الملعب، بينما يتنبأ نيكي بهذا
الرقم مسبقا. في داخل المدرجات المكتظة، تقع عين الملياردير بثقة مطلقة على الرقم (55)،
ويظن في تلك اللحظة أنه يمارس أقصى درجات حريته وفطنته، وأن إلهاما لحظيا هو ما قاده
لهذا الرقم تحديدا.
لكن الحقيقة
المرعبة هي أن الملياردير كان مُبرمجا طوال يومه دون أن يشعر، لقد قام نيكي بزرع الرقم
(55) في طريقه منذ الاستيقاظ؛ رآه مرسوما على قميص حمال الحقائب، وسمعه يتردد في أغنية
المصعد، ولمحه صدفة على لوحة إعلانية في الطريق، وحتى على ملصق خلف ظهر أحد المارة
الذين احتك بهم. لم يكن الرقم (55) خيارا حرا، بل كان المسار الأقل مقاومة لذهنه؛ لقد
اختار ما ألفه، ظنا منه أن هذا الشعور الغامض بالراحة تجاه الرقم هو إلهام، بينما هو
في الحقيقة نتاج عملية هندسة وعي احترافية عن طريق التلقين بالتكرار جعلت الرقم مألوفا
لدرجة التصديق.
هذه الظاهرة العلمية تثبت أن الدماغ يقع في فخ يسمى "الطلاقة الإدراكية"؛ حيث يخلط بين سهولة استرجاع المعلومة وبين مصداقيتها
وتزخر مختبرات
علم
النفس الاجتماعي بتجارب مذهلة، بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، تُثبت أن التكرار
هو أقصر الطرق لزراعة اليقين الزائف في
العقل البشري. ففي تجارب رائدة حول ما يُعرف
بظاهرة "أثر الحقيقة الوهمي"، قام الباحثون بتعريض المتطوعين لمجموعة من
العبارات المتباينة بين الحقائق والأكاذيب على فترات زمنية متباعدة. كانت النتيجة الصادمة
هي أن المشاركين صنفوا العبارات الكاذبة كحقائق مؤكدة بمجرد تكرار سماعها في جلسات
لاحقة، حتى وإن كانت تخالف معارفهم السابقة.
هذه الظاهرة
العلمية تثبت أن الدماغ يقع في فخ يسمى "الطلاقة الإدراكية"؛ حيث يخلط بين
سهولة استرجاع المعلومة وبين مصداقيتها. فكلما تكررت المعلومة، أصبحت مألوفة، وكلما
زادت الألفة، تراجع العقل التحليلي عن القيام بوظيفته النقدية، مفترضا أن هذا الصدى
لا بد أن يكون له أصل من الحقيقة. إن التكرار هنا لا يضيف دليلا جديدا، بل يضيف شعورا
بالراحة تجاه المعلومة، وهو شعور يكفي لإقناع العقل البخيل بالتوقف عن السؤال.
وفي سياق أحدث،
كشفت أبحاث سلوكية عن جانب أكثر خطورة يتعلق بصناعة التبلد
الأخلاقي عبر التكرار. فعند
تعريض الأفراد لصور متكررة من العنف أو المعاناة الإنسانية، سجلت أجهزة القياس تراجعا
حادا في استجابة الجهاز العصبي للمؤثرات العاطفية، فيما يعرف بظاهرة "إزالة الحساسية
المنهجية". هذا الترويض البيولوجي يفسر كيف ينجح مهندسو الوعي في تحويل المآسي
الكبرى إلى خلفية عادية في حياة الناس؛ فالتكرار هنا ليس مجرد أداة للتذكر، بل هو معول
لهدم المناعة الفكرية والوجدانية. إننا أمام عملية هندسية تستهدف استنزاف طاقة الاعتراض
لدى الفرد عبر الحصار المعلوماتي المستمر، مما يجعله في النهاية يتبنى الرواية المكررة
ليس عن اقتناع، بل عن استسلام إدراكي تام، حيث يصبح ضجيج الجماعة المألوف أحب إلى النفس
من صوت الحقيقة المتفردة.
وهنا تكمن
الثغرة التي يسكنها مهندسو الوعي؛ حيث يتحول التكرار الممل إلى تلقين صامت يهدم حصون
النقد، ويحول الألفة إلى دليل زائف على الصدق. كيف يستخدم مهندس الوعي هذا التلقين
لصناعة الأنماط البشرية المستلبة؟
أولا: صناعة
الإنسان الأداة
في عشرينيات
القرن الماضي، حين كانت السجائر حكرا على الرجال في المجتمع الأمريكي، وكان تدخين النساء
يُعد عيبا اجتماعيا كبيرا. مهندس الوعي في ذلك الوقت، إدوارد بيرنيز، لم يحاول إقناع
النساء بجودة التبغ أو فوائد التدخين الصحية؛ بل عمد إلى محاصرتهن بصورة ذهنية مكررة.
قام بتنظيم مسيرات لمجموعة من النساء الأنيقات وهن يدخنّ السجائر أمام عدسات الصحافة،
وأطلق عليهن لقب مشاعل الحرية. عبر التكرار الممنهج لهذه الصورة في الصحف والمجلات
والملصقات، وربط السيجارة في كل مرة بمفهوم التحرر والمساواة، سقطت النساء في فخ الألفة.
لم تعد السيجارة مجرد لفافة تبغ ضارة، بل أصبحت في أذهان الملايين رمزا للاستقلال الشخصي.
وعندما كانت المرأة تذهب لشراء السجائر، لم تكن تمارس اختيارا واعيا بناء على الجودة،
بل كانت تستجيب لنمط مألوف تم حقنه في وعيها مرارا حتى تماهت معه تماما.
هذا التكرار
الممنهج حول ملايين النساء إلى إنسان أداة يمتثل طوعا لنمط استهلاكي يستنزف صحتهن وأموالهن
لخدمة شركات التبغ. كانت الواحدة منهن تظن في قمة وهمها أنها تعبر عن تمردها وحريتها
الفردية، بينما الحقيقة أنها كانت مجرد صدى لعملية تلقين بارعة قامت ببرمجة رغباتها،
لتتحول في النهاية إلى مستهلكة مبرمجة تعمل بالتحكم عن بعد من خلال شعارات مكررة صنعت
لها واقعا زائفا ألفته حتى قدسته.
ثانيا: صناعة
العقل التابع
في ألمانيا
ثلاثينيات القرن الماضي، أرسى جوزيف جوبلز قاعدته الشهيرة: اكذب حتى يصدقك الناس. في
تلك الحقبة، لم يكن استهداف العقول يتم عبر الحوار، بل عبر حصار سمعي وبصري شامل يكرر
رواية واحدة مفادها أن التفوق العرقي هو قدر ألمانيا الوحيد للنجاة من المؤامرات المحيطة.
كان المثقف الألماني في البداية يدرك تهافت هذه الادعاءات، ويرى في خطاب الكراهية ضد
الأقليات خللا منطقيا وأخلاقيا بينا. لكن ومع تكرار نفس المصطلحات ونفس التبريرات للأزمات
الاقتصادية في كل صحيفة، وكل خطاب إذاعي، وفي كل لافتة في الشوارع، بدأ هذا المثقف
يفقد مناعته النقدية.
المصطلحات
التي كانت تبدو له همجية ومرفوضة، أصبحت بمرور الوقت مألوفة، ثم تحولت إلى لغة يومية
مقبولة، وانتهى به المطاف وهو يكتب المقالات والكتب لشرعنة تلك السردية وكأنها نابعة
من قناعاته الفكرية العميقة. لقد تحول هذا المثقف إلى عقل تابع بامتياز؛ ليس لأنه اقتنع
ببرهان جديد، بل لأن جهازه الذهني استسلم لضغط التكرار الذي جعل الكذبة تبدو حقيقة
بديهية لا تقبل النقاش. إن مهندس الوعي هنا لم يهزم العقل بالحقيقة، بل هزمه بالإرهاق
المعلوماتي؛ إذ جعل التمسك بالمنطق المستقل يتطلب طاقة ذهنية ونفسية هائلة لا يقوى
العقل التابع على بذلها، فآثر الانسجام مع الضجيج المألوف طلبا للراحة النفسية والاجتماعية،
ليتحول في النهاية إلى بوق مبرمج يكرر الكذبة الكبرى بوفاء مذهل.
ثالثا: صناعة
النفس الهشة
في الولايات
المتحدة الأمريكية، وعقب أحداث أيلول/ سبتمبر، واجه المجتمع صدمة الكشف عن ممارسات
تعذيب وحشية في سجون فيدرالية سرية. في البداية، قوبلت هذه الأخبار برعب أخلاقي واستنكار
فطري من فئات واسعة ترى في تلك الأفعال انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية، لكن مهندس
الوعي في دوائر صناعة القرار لم يلجأ للنفي، بل لجأ إلى سلاح التكرار اللغوي والبصري
لتغيير مسمى الجريمة.
تم تكرار مصطلح
الاستجواب المعزز في كل تصريح صحفي، وكل نشرة أخبار، وفي كل جلسة استماع، حتى غاب مصطلح
التعذيب خلف ستار الألفة اللفظية. ومع تكرار عرض صور السجناء بملابسهم البرتقالية في
وضعيات مهينة، وربط هذه المشاهد يوميا بخطر وجودي يهدد حياة المواطنين، بدأت الحساسية
القيمية لدى الفرد تتبخر. الصور التي كانت تثير الغثيان في المرة الأولى، أصبحت بمرور
الوقت جزءا مألوفا من المشهد العام.
لقد نجح التلقين
في إقناع النفس بأن هذه الفظائع هي ضرورة إجرائية باردة لا تستدعي التوقف الأخلاقي.
لقد تحول المواطن الذي كان يفخر بقيمه الإنسانية إلى نفس هشة؛ يرى صور الإذلال والتعذيب
ببلادة تامة، بل ويجد لها تبريرات نفسية تقنعه بأن القبول هو الواقعية وأن الاعتراض
هو سذاجة لا تدرك حجم المخاطر. إن النفس هنا لم تعد تملك القدرة على الغضب الفطري لأن
التكرار قد استهلك طاقة الانفعال لديها، وحول الجريمة الأخلاقية إلى خلفية يومية مألوفة،
لتصبح في النهاية نفسا بلا عمود فقري أخلاقي، تطلب الأمان الزائف على حساب إنسانيتها
المهدورة.
رابعا: صناعة
الكائن الوظيفي
الوعي الحقيقي يبدأ من لحظة الشك في كل ما يبدو مألوفا وبديهيا، فالتكرار هو العدو الأول لليقظة، وهو الغطاء الذي يمرر من تحته المهندسون كل سمومهم
في مدينة نانجينغ
الصينية عام 1937، تحول الجندي الياباني من إنسان يحمل منظومة قيمية إلى وحدة وظيفية
تنفذ أبشع الجرائم بآلية مذهلة. مهندس الوعي في المؤسسة العسكرية اليابانية آنذاك لم
يكتفِ ببث الحماس القومي، بل اعتمد على تكرار ممارسات وحشية ممنهجة لكسر الحاجز النفسي
لدى الجنود. كانت تقام مسابقات علنية ومكررة لقطع الرؤوس، وتنشر نتائجها في الصحف اليابانية
كأنها أخبار رياضية يومية، مما جعل القتل فعلا مألوفا واعتياديا.
عبر هذا التكرار
الفج لمشاهد التنكيل، وتلقين الجنود يوميا بأن العدو ليس سوى مادة للاختبار أو عقبة
يجب إزاحتها، سقط الجندي في فخ الألفة القاتل؛ لم تعد صرخات الضحايا تثير لديه أي تساؤل
أخلاقي، بل أصبح ينفذ الأوامر ببرود تام وكأنه ترس في ماكينة صماء. لقد تم تجريف المعاني
الروحية والرسالية في حياته، ليحل محلها انضباط وظيفي مطلق يرى في الإبادة واجبا وطنيا
لا يستدعي الندم.
هذا التلقين
المستمر حول الجندي إلى كائن وظيفي بامتياز؛ يمارس القتل في الصباح، ويكتب رسائل عاطفية
لأهله في المساء، دون أن يشعر بأي تناقض. لقد نجح التكرار في رسم حدود ضيقة لوعيه،
وأقنعه بأن قيمته تكمن فقط في مدى كفاءته في تنفيذ مهامه العسكرية مهما كانت دموية.
إنه يعيش في سجن من الألفة الوحشية، يرفض أي نداء للفطرة أو تساؤل عن غاية الوجود،
لأن التكرار قد حول الجريمة إلى روتين يومي مألوف، ليصبح في النهاية منتجا بشريا كامل
المواصفات، يخدم المنظومة بوفاء العبيد وهو يظن أنه يؤدي أسمى وظائف الوجود.
إن الوعي الحقيقي
يبدأ من لحظة الشك في كل ما يبدو مألوفا وبديهيا، فالتكرار هو العدو الأول لليقظة،
وهو الغطاء الذي يمرر من تحته المهندسون كل سمومهم. لقد نبهنا الله تعالى إلى ضرورة
الحذر من اتباع ما ألفه الناس دون تمحيص، وذم الذين يعطلون عقولهم خلف حجاب الألفة
والتقليد، فقال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ شَيْئا وَلَا يَهْتَدُونَ".
التحرر من
سجن التلقين يتطلب منا استعادة دهشة السؤال الأول، وتفكيك كل معلومة تدعي الصدق لمجرد
أنها تردد بلسان الكثيرين، فالصدق مثل الذهب يبيع نفسه، أما الكذب فسلعة بائرة لا تباع
إلا بجهد وحيلة.
* المقال يعبر عن رأي كاتبه