"نريد خبزا لا سجائر".. غضب عارم في غزة بعد شحنات إغاثية مثيرة للجدل

وجّه ناشطون انتقادات حادة للجهات الدولية المشرفة على إدخال المساعدات مطالبين بتوضيحات رسمية حول طبيعة الشحنات وآلية الرقابة عليها- جيتي
وجّه ناشطون انتقادات حادة للجهات الدولية المشرفة على إدخال المساعدات مطالبين بتوضيحات رسمية حول طبيعة الشحنات وآلية الرقابة عليها- جيتي
شارك الخبر
تسود موجة غضب واسعة واستياء شعبي حاد، قطاع غزة، عقب تداول معلومات وشهادات محلية تتحدث عن إدخال كميات من السجائر ضمن شحنات وصلت عبر قنوات مرتبطة بالمساعدات الإنسانية، في وقت يعيش فيه القطاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمعيشية في تاريخه، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه.

وأثارت الأنباء المتداولة حالة من الصدمة بين الفلسطينيين، خاصة مع استمرار التحذيرات الدولية من اتساع رقعة الجوع وانهيار الأوضاع الصحية، في ظل عجز آلاف العائلات عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، بينما ينتظر السكان دخول الطحين والمواد الغذائية وحليب الأطفال والأدوية المنقذة للحياة.

اظهار أخبار متعلقة


وتداول ناشطون وصحفيون محليون صورًا ومقاطع مصورة قالوا إنها توثق وجود كميات من السجائر وصلت إلى القطاع، عبر منظمة الغذاء العالمي، الأمر الذي فجّر موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن إدخال السجائر في هذا التوقيت يعكس اختلالًا خطيرًا في أولويات الإغاثة، ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي تجاه آليات توزيع وإدارة المساعدات.

Image1_52026992329990432889.jpg

وقال غزيون في أحدايث منفصلة لـ"عربي21"، إن إن القطاع لا يحتاج إلى سلع ثانوية يمكن الاستغناء عنها، بل إلى الغذاء والمياه الصالحة للشرب والمستلزمات الطبية، في ظل تزايد أعداد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، واستمرار انهيار المنظومة الصحية، ونفاد كميات كبيرة من الأدوية والمستلزمات الجراحية من المستشفيات.

ووجّه ناشطون انتقادات حادة للجهات الدولية المشرفة على إدخال المساعدات، مطالبين بتوضيحات رسمية حول طبيعة الشحنات وآلية الرقابة عليها، مؤكدين أن إدخال منتجات مثل السجائر في ظل حالة الاقتصادية الصعبة، يمثل استفزازًا لمشاعر السكان الذين يواجهون الموت والجوع والفقر.

اظهار أخبار متعلقة


"الغذاء العالمي" تعلّق

وفي المقابل، قالت منظمة الغذاء العالمي، إن مزاعم تهريب سجائر عبر شاحنات المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمة إلى قطاع غزة، اتهامات لا أساس لها من الصحة.

وأكدت المنظمة في بيان لها أنها تعمل على تنفيذ عملياتها الإغاثية والإنسانية في قطاع غزة وفقًا لأعلى معايير الشفافية والمساءلة، حيث يتم تفتيش كافة الشحنات بعناية ودقة بالتعاون مع السلطات المعنية. تهدف المنظمة من خلال هذه الإجراءات إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمستفيدين منها بشكل كامل وآمن.

وأضافت أن "هذه المزاعم تُسهم في تعزيز حملات التشويه التي تسعى إلى استهداف سمعة المنظمة وإعاقة جهودها الإنسانية، وهو أمر لا يخدم مصالح المتضررين في قطاع غزة". 

Image1_52026992914957529317.jpg
ويأتي الجدل في وقت تتعرض فيه المؤسسات الدولية العاملة في غزة لضغوط وانتقادات متزايدة بسبب بطء إدخال المساعدات، وعدم كفاية الكميات الواصلة مقارنة بحجم الكارثة الإنسانية، إضافة إلى اتهامات متكررة بفشل آليات التوزيع في الوصول العادل إلى السكان، إضافة إلى شبهات فساد.
وتشير تقديرات أممية إلى أن غالبية سكان القطاع باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، في ظل انهيار الاقتصاد، وتوقف معظم مصادر الدخل، وتدمير واسع للبنية التحتية والمرافق المدنية.

سوق سوداء

المحلل الاقتصادي، أحمد أبو قمر، قال في حديث خاص لـ"عربي21"، إن عملية إدخال هذه الكميات الكبيرة من السجائر، "منسقة" ومرتبة بين أطراف فلسطينية، والجانب الإسرائيلي في إطار إذكاء تغول السوق السوداء.

ورفض المحلل الاقتصادي وصف إدخال كميات كبيرة من السجائر إلى قطاع غزة بـ"التهريب"، معتبراً أن إدخال مثل هذه الكميات لا يمكن أن يتم دون تنسيق مسبق بين أطراف مختلفة، بينها الجانب الإسرائيلي وجهات فلسطينية، بغض النظر عن الجهة التي دخلت الشحنات عبرها، سواء كانت شاحنات تجارية أو مساعدات إنسانية. وأوضح أن الاتهامات الموجهة إلى برنامج الغذاء العالمي لا يمكن الجزم بها في ظل غياب نتائج تحقيقات رسمية، رغم الجدل الواسع الذي أثارته القضية.

وأشار إلى أن السوق السوداء باتت تتحكم بشكل شبه كامل في مفاصل الاقتصاد داخل قطاع غزة، بما يشمل القطاعات التجارية والزراعية والصناعية وحتى القطاع المصرفي، موضحاً أن التجار المتنفذين يسيطرون على السوق وحركة السيولة، ويستغلون النقص الحاد في السلع لإدخال بضائع تحقق أرباحاً ضخمة عبر قنوات غير معلنة.

وأضاف أن إدخال السجائر بهذه الكميات يعكس وجود ترتيبات مسبقة، مؤكداً أن "التهريب الحقيقي يكون على مستوى كرتونة أو اثنتين، وليس شحنات كبيرة". ولفت إلى أن أسعار السجائر في غزة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تباع العلبة التي كان سعرها الطبيعي يتراوح بين 13 و15 شيكلاً بما يصل إلى 800 أو 1000 شيكل، ما يعكس حجم التشوه الاقتصادي القائم.

امتصاص السيولة النقدية
وبيّن أن هذه التجارة تؤدي إلى امتصاص كميات ضخمة من السيولة النقدية من الأسواق المحلية، في وقت يعاني فيه القطاع أساساً من أزمة سيولة خانقة، موضحاً أن المواطنين يضطرون لشراء السجائر بأسعار باهظة حتى لو بشكل مجزأ، ما يفاقم استنزاف الأموال من أيدي السكان لصالح فئة محدودة من التجار.

وأكد أن الأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية خطيرة، أبرزها تعميق حالة انعدام العدالة في توزيع الثروة داخل القطاع، حيث تتكدس الأموال والنفوذ في أيدي قلة من المتنفذين الذين باتوا، وفق تعبيره، "أقوى من الجهات الحكومية والرقابية".

وأشار إلى أن هذه الحوادث ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن دخلت إلى غزة كميات من السجائر، إضافة إلى بطاريات وألواح طاقة شمسية ومواد بناء، بينها الإسمنت الذي تحظر إسرائيل إدخاله، في ظل ارتفاع أسعاره بشكل قياسي داخل القطاع. واعتبر أن تكرار هذه الوقائع يؤكد وجود خلل عميق وتشوهات حادة في بنية الاقتصاد والأسواق في غزة، ويعكس الحاجة الملحة لإيجاد حلول عاجلة لأزمة إدخال السلع والبضائع.
التعليقات (0)