من على متن أسطول الصمود.. تارا أوغرادي لـ"عربي21": غزة اختبار حقيقي للقانون الدولي

الأسطول يشمل نحو 70 سفينة ونحو ألف متطوع من 70 دولة -
الأسطول يشمل نحو 70 سفينة ونحو ألف متطوع من 70 دولة -
شارك الخبر
أبحرت عدد من سفن "أسطول الصمود العالمي" من سواحل مدينة برشلونة الإسبانية في اتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر حصار الاحتلال الإسرائيلي المفروض على القطاع وإيصال مساعدات إنسانية، وذلك في تحرك هو الثاني خلال أقل من عام، لكنه يأتي هذه المرة بمشاركة أوسع تشمل نحو 70 سفينة ونحو ألف متطوع من 70 دولة، مقارنة بمحاولة سابقة شارك فيها 42 قارباً و462 شخصاً.

ويأتي هذا الإبحار في إطار تحرك مدني دولي واسع، أعلن منظموه أنه يمثل واحدة من أكبر المبادرات البحرية من نوعها، حيث يستند إلى تنسيق ممتد عبر عشرات الدول، ويهدف إلى فتح ممر إنساني عبر البحر في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات إلى غزة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية هناك، وفق ما يصفه القائمون على المبادرة.

وأكد منظمو الأسطول أن هذه الخطوة لا تقتصر على نقل مساعدات فقط، بل تحمل رسالة سياسية وإنسانية تتعلق بتحميل المجتمع الدولي مسؤولية ما يجري في غزة، والمطالبة بفتح ممرات آمنة عبر البحر والبر، في وقت يشيرون فيه إلى تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية نتيجة تصاعد أزمات وصراعات أخرى في المنطقة.

في هذا السياق، التقى "عربي21" بالناشطة الحقوقية تارا رينور أوغرادي، رئيسة منظمة "لا سلام بلا عدالة"، وأحد الوجوه البارزة المشاركة والداعية في المبادرات البحرية المتجهة إلى غزة، حيث تنشط في مجال حقوق الإنسان والعمل الإنساني، وتشارك في حملات تهدف إلى كسر الحصار المفروض على القطاع وإيصال المساعدات للمدنيين.

وتحدثت أوغرادي عن أهداف "أسطول الصمود العالمي"، ودوافع إطلاقه من جديد، والتحديات السياسية والقانونية التي تواجه مثل هذه المبادرات، إضافة إلى رؤيتها لتأثير هذه التحركات على الأرض في قطاع غزة.

أكدت الناشطة الحقوقية أن التحضيرات لإطلاق أسطول صمود جديد تتضمن جهوداً لوجستية وقانونية ودبلوماسية متكاملة، تشمل تأمين السفن وتجنيد ناشطين وصحفيين وعمال إغاثة، إلى جانب تنسيق شحنات من مواد طبية وغذائية واحتياجات أساسية، في وقت تعمل فيه فرق قانونية على تقييم المخاطر البحرية والاستعداد لاحتمالات الاعتراض، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية تستهدف ضمان الظهور الإعلامي والحصول على دعم سياسي قبل الإبحار..إلى نص الحوار.

ما الخطوات العملية التي يتم اتخاذها حالياً لانطلاق أسطول الصمود؟

تتضمن التحضيرات الجارية مزيجاً متكاملاً من الجهود اللوجستية والقانونية والدبلوماسية، ويعمل المنظمون على تأمين السفن المشاركة، وتجنيد المتطوعين من ناشطين وصحفيين وعاملين في المجال الإنساني، إلى جانب تنسيق الشحنات التي تشمل عادة مواد طبية وغذائية واحتياجات أساسية للسكان في قطاع غزة.

وفي موازاة ذلك، تقوم فرق قانونية مختصة بتقييم المخاطر البحرية المرتبطة بالرحلة، ووضع سيناريوهات للتعامل مع احتمالات اعتراض السفن أثناء الإبحار.

كما يعد التواصل الدبلوماسي جزءاً أساسياً من التحضيرات، عبر التواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام، بهدف ضمان أكبر قدر ممكن من الحضور الإعلامي، وتوفير مساحة من الحماية السياسية قبل انطلاق الأسطول.

 ما الرسالة الإنسانية والسياسية الأساسية التي تسعون إلى إيصالها ؟

تتمثل الرسالة الإنسانية الأساسية في التأكيد على ضرورة تمكين المدنيين في قطاع غزة من الوصول دون عوائق إلى احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

أما على المستوى السياسي، فإن المبادرة تسعى إلى التشكيك في شرعية الحصار المفروض وتداعياته، واعتباره انتهاكاً للقانون الدولي وشكلاً من أشكال العقاب الجماعي، كما تهدف إلى إعادة تسليط الضوء الدولي على الوضع في غزة، والدفع باتجاه تحرك فعلي من جانب الحكومات في ظل ما يعتبره المنظمون حالة من التقاعس الدولي.


Image1_4202615183849142260518.jpg

ما أبرز العقبات السياسية والقانونية التي قد تعيق إطلاقه؟

تعد احتمالات اعتراض الأسطول من قبل القوات البحرية الإسرائيلية أكبر التحديات، حيث يتم تبرير ذلك في العادة بدواعٍ أمنية، وعلى الرغم من أن قانونية الحصار ما تزال محل جدل دولي، فإن تطبيقه في البحر يترتب عليه مخاطر مباشرة تشمل توقيف المشاركين، ومصادرة السفن، وفرض تبعات قانونية عليهم.

وعلى المستوى السياسي، لا تشجع العديد من الحكومات المشاركة في مثل هذه المبادرات، ولا توفر لها الدعم الدبلوماسي الكافي، ما يحد من هامش الحركة، كما تمثل قضايا التأمين البحري، والحصول على تصاريح الموانئ، وتسجيل السفن، عوائق إضافية تتأثر بالضغوط السياسية المحيطة.

 كيف يمكن ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في غزة؟

يرى القائمون على المبادرة أن ضمان وصول المساعدات يتطلب مجموعة من الإجراءات المتوازية، من بينها التنسيق مع منظمات إنسانية معترف بها دولياً لوضع آليات واضحة لتوزيع المساعدات، وضمان شفافية الشحنات وتصنيفها بشكل صارم كمواد إنسانية.

كما يشددون على أهمية الاستفادة من التغطية الإعلامية المباشرة أثناء الرحلة للضغط في حال حدوث أي محاولة اعتراض، إلى جانب دمج جهود الأسطول مع تحركات موازية على الأرض تهدف إلى الدفع نحو فتح المعابر البرية.

اظهار أخبار متعلقة


وفي هذا السياق، يؤكد المنظمون أن الهدف لا يقتصر على إيصال المساعدات مادياً، بل يمتد إلى محاولة فرض فتح مسارات الوصول الإنساني بشكل دائم.

برأيك، هل تحقق مثل هذه المبادرات تأثيراً عملياً أم أنها تبقى رمزية؟

تجمع هذه المبادرات بين الطابع الرمزي والتأثير العملي في آن واحد، فعلى الأرض، غالباً ما يكون التأثير المباشر محدوداً بسبب احتمالات الاعتراض أو منع الوصول.

لكن من الناحية الرمزية والسياسية، يمكن أن يكون لها تأثير واضح، إذ تساهم في رفع مستوى الوعي العالمي بالقضية، وتعيد تشكيل الخطاب الإعلامي حولها، وقد تفتح نقاشات سياسية أو تؤدي إلى تخفيف تدريجي لبعض القيود. ورغم أن تأثيرها غير مباشر، فإنه قد يمتد على المدى الطويل ليكون ذا أهمية ملموسة.


Image1_4202615183919455714197.jpg

بالعودة إلى تجربتك مع أسطول الصمود السابق، ما أهم درس خرجت به؟

تتمثل أحد أبرز الدروس المستخلصة في أن التحضير لا يجب أن يقتصر على الجوانب اللوجستية فقط، بل يجب أن يشمل أيضاً استراتيجية إعلامية محكمة، وبناء تحالفات دولية واسعة، فالتغطية الإعلامية، في كثير من الأحيان، قد تكون مؤثرة بقدر أهمية إيصال المساعدات نفسها.

كما أن هناك درساً آخر يتعلق بضرورة التنسيق مع جهود سياسية وإنسانية أوسع نطاقاً، إذ إن التحركات الفردية يمكن احتواؤها بسهولة أكبر، بينما تسهم الحملات المنسقة في زيادة الضغط وتعزيز فرص النجاح والصمود.

 هل تعتقد أن آليات القانون الدولي قادرة على ردع الانتهاكات في فلسطين، أم أننا نشهد أزمة أعمق في منظومة العدالة العالمية؟

لا تزال آليات القانون الدولي تحتفظ بأهميتها، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة على مستوى قدرتها الردعية، فالمؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية توفر أطر عمل أساسية للمساءلة والتوثيق وإصدار الأحكام القانونية.

ومع ذلك، فإن تنفيذ هذه الأحكام يعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية، وهي عنصر غالباً ما يكون غائباً أو غير مستقر في النزاعات شديدة الاستقطاب مثل الحالة الفلسطينية.

ويشير الواقع إلى أن ما يجري لا يمثل انهياراً لمنظومة القانون الدولي، بقدر ما يعكس أزمة مصداقية متصاعدة، نتيجة التطبيق الانتقائي، والفيتو السياسي، والتأخير في الإجراءات، ومع ذلك، تظل هذه الآليات ذات دور مهم في حفظ الأدلة، وتوثيق الوقائع، ووضع أساس للمساءلة المستقبلية، حتى وإن تأخرت العدالة.


ما أبرز التحديات التي تواجه منظمات المجتمع المدني في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي عالمياً، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟



تواجه منظمات المجتمع المدني مجموعة من التحديات المتداخلة والمعقدة، من أبرزها:
تقلص مساحة العمل المدني نتيجة القيود القانونية المتزايدة، والمراقبة، وأحياناً تجريم النشاط المرتبط بالقضية الفلسطينية في بعض الدول.

اظهار أخبار متعلقة


قيود التمويل الناتجة عن حساسية سياسية تؤدي إلى تراجع الدعم المادي وتقليص القدرة التشغيلية.
تصاعد معركة السرديات في ظل انتشار التضليل والانقسام الإعلامي، مما يصعب الحفاظ على خطاب قائم على الحقائق.

المخاطر الأمنية التي يتعرض لها العاملون والشركاء في الميدان.

الضغوط السياسية التي تؤدي إلى تسييس الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وما يترتب عليه من حملات تشويه أو عزل مؤسسي.

ورغم هذه التحديات، لا يزال المجتمع المدني يشكل أحد أبرز الفاعلين في دعم المساءلة وتعزيز الحماية الإنسانية.


Image1_4202615183941519812415.jpg

بعد أكثر من 30 عاماً في مجال حقوق الإنسان، أي قضية تركت الأثر الأعمق عليك؟ وأين تقع غزة في مسارك المهني؟


رغم صعوبة حصر التأثير في قضية واحدة، فإن العمل الطويل في النزاعات الممتدة يترك بطبيعته أثراً عميقاً، خصوصاً في الحالات التي تتكرر فيها دوائر العنف دون حلول حقيقية.

وتبرز غزة في هذا السياق ليس فقط لحجم الاحتياج الإنساني الكبير، بل أيضاً لحالة الجمود السياسي المستمرة التي تحيط بها.

وبالنسبة لي، تمثل غزة مزيجاً من الإلحاح الإنساني والإحباط السياسي، فهي مكان يستمر فيه العمل الإغاثي بشكل دائم، بينما يظل التغيير البنيوي بعيد المنال، لتصبح رمزاً للصراع بين الاستجابة العاجلة والعدالة طويلة الأمد.

كيف أثرت تجربتك في أيرلندا – بتاريخها المعقد في الصراع والهوية – على فهمك للاحتلال؟

يوفر تاريخ أيرلندا، وخاصة فترة "المشاكل"، إطاراً لفهم أعمق لقضايا الهوية والسيادة وحل النزاعات. فقد أظهرت عملية السلام التي توجت باتفاق الجمعة العظيمة أن النزاعات العميقة يمكن أن تتجه نحو حلول سياسية، رغم أنها تتطلب تنازلات كبيرة، وصبراً طويلاً، ودعماً دولياً مستمراً.
ومن خلال هذا السياق، يمكن استخلاص عدة مفاهيم أساسية:
أن النزاعات المرتبطة بالهوية والأرض تتسم بالتعقيد وطول الأمد.
أن الحوار والأطر السياسية، رغم عدم كمالها، تظل ضرورية.
أن التدخل الدولي يمكن أن يكون عاملاً مساعداً إذا تماشى مع الواقع المحلي.
وبهذا المعنى، تمنح تجربة أيرلندا رؤية تجمع بين التعاطف مع حالات مثل فلسطين، وإيمان حذر بإمكانية التغيير رغم بطئه.
التعليقات (0)