يشكل صعود السلفيين إلى مراكز القرار والتأثير في
اليمن، تطورا لافتا، وسط حضور متزايد داخل مؤسسات الدولة التنفيذية المدنية والعسكرية، وهو ما يثير أسئلة عدة عن أبعاد ودلالات هذا الحضور.
ولأول مرة، يبدو أن التيار السلفي يحقق هذا المستوى من الحضور الذي لم يقتصر على الجانب العسكري الذي تشكله الأولوية والتشكيلات العسكرية المتكاملة بقيادات محسوبة على هذا التيار، بل يتم تعزيزه بقرارات رسمية تدفع بقيادات سلفية إلى مفاصل مهمة داخل الدولة، فإلى أين يقود هذا التوجه والحضور اليمن؟
اظهار أخبار متعلقة
من المسجد لموقع القرار
وفي السياق، قال أستاذ علم الاجتماع السياسي اليمني، عبدالكريم غانم إن الحرب التي شنتها جماعة الحوثي أواخر 2014 تجاه المدن اليمنية اقتضت رفع شعارات دينية، فكان من الطبيعي أن يتم مواجهة الحوثي بقوى دينية مناهضة.
وأضاف غانم في حديث خاص لـ"عربي21" أن التجمع اليمني للإصلاح، اقوى الأحزاب السياسية اليمنية، ذو الخلفية الدينية لم يكن محل ترحيب بعض قوى التحالف بقيادة
السعودية، لاسيما الإمارات، فقد استدعت الحاجة اعتماد التحالف بشكل أكبر على "
الجماعات السلفية".
وأشار إلى أنه بعد تفكيك الجيش اليمني، كانت الكتائب السلفية كجماعة أبو العباس وكتائب المحضار وقوات العمالقة، هي الأكثر انضباطاً وتماسكاً عقائدياً، "فوجد فيها التحالف العربي بديلاً جاهزاً عن الجيش الرسمي، فالسلاح والتمويل الخليجي ذهب لمن يقاتل وفق عقيدة دينية، لا ولاء وطني".
وقال الاكاديمي اليمني إنه وفي ظل ما شهدته الساحة السياسية من إعادة توزيع للقوة بين الفصائل المحلية اليمنية تم بالتدريج إقصاء بعض القوى كحزب الإصلاح، "بحجة انتمائه للإخوان المسلمين".
كما تم إقصاء المؤتمر الشعبي العام، "بحجة التفكك والانقسام بين مؤيد للشرعية ومناصر للحوثي"، وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني كونه فقد تمثيل الجنوب لمصلحة المجلس الانتقالي الجنوبي (قبل حله) الذي فرض نفسه بقوة السلاح كممثل للمحافظات الجنوبية حتى وقت قريب.
هذا الأمر وفق المتحدث ذاته، جعل "السلفيين" هم البديل لمعظم هذه القوى التي تعرضت للإقصاء، بشكل أو بآخر، مؤكدا أن الساحة السياسية اليمنية شهدت "تحولًا بنيويًا في موازين القوى داخل الشرعية"، بدأت ملامحه منذ العام 2015، واتضحت نتائجه بشكل أكثر جلاءً في الآونة الأخيرة.
وتابع بأن السلفيين خرجوا من المسجد إلى موقع القرار، والأمثلة على ذلك كثيرة، بدءًا بأبو زرعة المحرمي، وفرج البحسني وكلاهما عضوان في مجلس القيادة الرئاسي، ومحسوب على التيار السلفي.
ولم تكن مناصب محافظي المحافظات بمنأى عن هذا التوزيع، فنبيل شمسان، محافظ تعز، مقرب من التيار السلفي، ومحافظو المحافظات الجنوبية جلهم من السلفيين وفي مقدمتهم محافظ
عدن الحالي، عبدالعزيز شيخ.
والحال نفسه، ينطبق على قيادة المحاور والألوية العسكرية والأجهزة الأمنية. حيث أدى فشل الأحزاب السياسية في إدارة ملف الحرب إلى حدوث هذا الفراغ الذي ملأته الجماعات السلفية، التي قدمت نفسها كقوة غير مؤدلجة حزبيًا وضد الحوثي عقديًا، فكانت بذلك الورقة المقبولة لدى التحالف العربي، بحسب الأكاديمي اليمني غانم.
وأوضح أنه على الصعيد المجتمعي كان لخطاب مواجهة المد الرافضي الذي أطلقه السلفيون قبولًا واستجابة لدى الفئات التي شكلت مخزنا للمقاتلين، فعوضا عن الخطاب الوطني الذي تم التخلي عنه إلى حدٍ كبير، كانت الحواضن الاجتماعية جاهزة لتلقي الخطاب التعبوي من قبل الجماعات السلفية في كل من عدن وتعز ولحج وغيرها.
وقال إن الفرصة سنحت للسلفين لكسر احتكار النخب التقليدية للحكم، فحانت اللحظة ليصبح المسجد، لا الحزب أو القبيلة أو الكتيبة بابًا للوصول إلى السلطة.
ولعل من الإنصاف القول إن "الفصائل السلفية حققت، أثناء الحرب، مكاسب ميدانية كانت بمثابة شهادة عبور من الجبهات إلى مواقع القرار"، على حد قوله.
وأكد أستاذ علم الاجتماع السياسي اليمني على أن القوى السلفية كانت تقاتل الحوثي بدافع ديني وجودي، أكثر من كونه دافع مادي، وهو ما جعلها أقل قابلية للاختراق.
إلا إن المخاوف من تصاعد التيار السلفي ستظل قائمة على المدى البعيد، مرجعا ذلك إلى أن الاعتماد على هذه الجماعات كقوة رئيسية في الخارطة السياسية والعسكرية اليمنية ينسف مفهوم الدولة المدنية، لاسيما أن صعود هذه الجماعات إلى السلطة لم يكن عبر صناديق الانتخابات أو وفق معايير الكفاءة، بل عبر قوة السلاح.
واعتبر أن هذا الأمر الذي قد "يفضي لـظهور إمارة سلفية داخل الدولة، في ظل تباطؤ الدولة في دمج الفصائل العسكرية والأمنية في الأجهزة الرسمية".
واختتم الاكاديمي اليمني حديثه قائلا : إن وجود القوى السلفية في سدة الحكم سيجعل خيار الحل السياسي مع الحوثيين أمرا مستبعدا. فكلاهما يشيطن الآخر، لتظل عملية الفرز تبدو كأنها بين جنوب يسيطر عليه السلفيون وشمال يخضع لجماعة زيدية، حسب وصفه.
اظهار أخبار متعلقة
قرارات من الخارج
من جانبه، قال الكاتب والباحث السياسي اليمني، أنور الخضري إنه إذا كان المقصود بالسلفيين في السؤال الأول هم "المداخلة والجامية" الذين عملت دولتا التحالف العربي على تقوية شوكتهم من خلال تجنيدهم وتحويلهم إلى معسكرات وألوية وتصعيد رموزهم للوظائف العسكرية والحكومية والمناصب العليا السيادية فهؤلاء تيار لا يمثل السلفية، وإن تسمى بها وانتحل صفتها.
وأضاف الخضري في حديثه لـ"عربي21" أنه برغم ادعاءاتهم سابقا البعد عن السياسة والقتال كونهما فتنة إلا أنهم اليوم منغمسون في السياسة والقتال من باب تجنيد أنفسهم لقوى خارجية، ما يجعلهم قوى وظيفية أكثر منها قوى وطنية واعية.
وتابع : "ولهذا يجري تقويتهم وتعزيز حضورهم وتصعيدهم لمناصب رفيعة وتصديرهم للمشهد العام، خصوصا بعد عام 2015، على حساب بقية القوى"، مؤكدا أن هذه سياسة معتمدة في ليبيا والسودان وغيرها.
وقال إن توجههم يعمل "بإملاءات الخارج وليس عن قناعات وطنية واعية وراشدة"، لافتا إلى أن هذا الأمر، للأسف "شوه صورة وسمعة التيار السلفي الذي يتميز بانتمائه للأمة وحرصه على البعد عن المناكفات السياسية والتوظيف السياسي، كما كان حال الشيخ مقبل الوادعي الذي يستغل اسمه كرمزية لهذا التيار في حين كان يرفض عروضا عدة لقوى خارجية ويحذر من تبعية الحكام واستغلالهم للعلماء والدعاة وطلاب العلم، ويفتي بعدم القتال في صفوفهم لأغراض سياسية، ويعيب على غيره من الإسلاميين في ذلك، فوقع هؤلاء فيما كان يحذر منه الشيخ وتوسعوا فيه".
وأخطر ما في هذا التيار، وفقا للكاتب والباحث السياسي اليمني هو "عدم تقيده ( أي هذا التيار) بالدستور اليمني والقانون اليمني وتوزعه على أجندات تخدم الانفصال في الجنوب وعودة النظام السابق في الشمال والقيام بأعمال وظيفية قذرة في تصفية العمل الإسلامي".
أما القرارات المعززة لحضور هذا التيار فبحسب الخضري فإنها "قرارات قادمة من الخارج"، موضحا أن هذا التيار مكن له عسكريا من خلال إيجاد معسكرات له خارج جسد وزارة الدفاع وصدر رموزه على حساب القيادات العسكرية الوطنية الرسمية واستغلوا - خصوصا في الجنوب- لطعن الشرعية وتعويق تقدمها نحو صنعاء، وكوفئوا بتعيينهم في مجلس القيادة والحكومة ومناصب سياسية وعسكرية ومدنية.
وأعتبر أن هذا الأمر "تجاوز صارخ للدستور والمبادرة الخليجية" التي جعلت قرار اليمن توافقيا في المرحلة الانتقالية بين القوى اليمنية، فهمشت هذه القوى اليمنية لصالح رموز صدرت عبر مجاميع مسلحة "مليشيات" لا تخضع للمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية ثم جرى توطينها.
وأردف قائلا: "وهذا بدوره تلغيم للحياة السياسية والعسكرية والمدنية حاضرا ومستقبلا. وكما ذكرت هذا تيار محسوب على السلفية وهو ليس كذلك".
اظهار أخبار متعلقة
انتقال إلى مستوى النفوذ
من جهته، يرى الصحفي والكاتب اليمني، أحمد الشلفي أن صعود السلفيين في مراكز القرار داخل الدولة اليمنية لم يأتِ من فراغ، ولا يمكن النظر إليه باعتباره تطورًا مفاجئًا أو معزولًا عن السياق الذي أنتجته الحرب والتحولات السياسية والعسكرية منذ عام 2015.
وقال الشلفي لـ"عربي21" إن الحضور السلفي في اليمن ليس جديدًا، صحيح انه ليس بحجم حضور الإسلام السياسي وعراقته وخبرته ممثلا بحزب الإصلاح لكنه كان حاضرًا في محطات مفصلية خلال العقود الماضية، سواء في حروب صعدة ضد الحوثيين، أو في حرب 1994 بين الوحدة والانفصال.
وتابع بأن حضور كلا الطرفين تأثر بالحرب الأفغانية التي ساهمت في إسقاط الاتحاد السوفيتي، وما أفرزته لاحقًا من تحولات وتنظيمات مختلفة بينها هذه التيارات الإسلامية وكذلك تنظيمات مثل القاعدة وغيرها..
لكن الجديد اليوم في اليمن، وفق الشلفي يكمن في "انتقال هذا الحضور من المجال الدعوي والعسكري إلى مستوى النفوذ داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار، سواء عبر مجلس القيادة الرئاسي، أو المحافظين، أو قيادات المناطق العسكرية والفيالق والأجهزة الأمنية".
وقال إنه خلال السنوات الماضية، كان التيار السلفي حاضرًا بقوة داخل التشكيلات العسكرية التي نشأت مع الحرب، خاصة منذ دخول عدن في 2015، ثم توسع حضوره لاحقًا في المخا بدعم إماراتي ومناطق أخرى عبر ألوية وتشكيلات عسكرية متكاملة بقيادات محسوبة على هذا التيار، وفي مقدمتها قوات العمالقة وغيرها من القوى التي لعبت أدوارًا في المعارك ضد الحوثيين.
ولذلك فإن الحضور السلفي اليوم لا يبدو طارئًا على المشهد العسكري، بل هو امتداد لمسار بدأ مع الحرب وتوسع تدريجيًا مع تغير التحالفات بين السعودية والإمارات، حسبما ذكره الصحفي اليمني.
وأشار إلى أن حزب التجمع اليمني للإصلاح، ظل بوصفه "القوة الأبرز داخل تيارات الإسلام السياسي في اليمن، حاضرًا بقوة داخل مؤسسات الشرعية والجيش خلال السنوات الماضية"، وهو ما جعل جزءًا من التحولات الجارية اليوم يُفهم باعتباره محاولة لإعادة تشكيل التوازنات داخل هذا المعسكر، بحيث لا تبقى القوى المرتبطة بالإسلام السياسي هي الطرف الأكثر حضورًا ونفوذًا.
وفي هذا السياق، أوضح الصحفي والكاتب اليمني أنه يمكن فهم إنشاء المملكة العربية السعودية لقوات "درع الوطن"، التي تولت الرياض تمويلها والإشراف عليها بشكل مباشر، باعتبارها جزءًا من محاولة خلق قوة موازنة تحدّ من نفوذ الإسلام السياسي داخل المؤسسة العسكرية ومفاصل الدولة، خصوصًا بعد التحولات التي شهدتها المنطقة منذ الربيع العربي، حيث أصبحت دول إقليمية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، أكثر تحفظًا تجاه صعود تيارات الإسلام السياسي.
كما أن هذا التوجه يتقاطع مع الرؤية الإماراتية التي دفعت منذ عام 2015 نحو بناء تشكيلات عسكرية متعددة خارج البنية التقليدية للجيش اليمني، بحيث تكون هناك قوى جديدة على الأرض قادرة على فرض توازنات مختلفة داخل المشهد اليمني.
وقال الصحفي الشلفي إن صعود السلفيين لا يرتبط فقط بالجانب العسكري، بل أيضًا بتحولات سياسية وإقليمية أوسع، خاصة أن هذا التيار لم يعد محصورًا في العمل الدعوي أو القتالي، بل بدأ يدخل تدريجيًا إلى المجال السياسي والإداري، عبر المشاركة في الحكومة، أو من خلال أحزاب وتيارات مثل حزب الرشاد، إضافة إلى شخصيات محسوبة على هذا التيار أصبحت حاضرة في مواقع القرار والإدارة المحلية والمؤسسات العسكرية والأمنية.
وأضاف أنه ربما أثار تعيين حمدي شكري، المحسوب على التيار السلفي وأحد القيادات المرتبطة بقوات العمالقة، في منصب عسكري رسمي ضمن المنطقة العسكرية الرابعة التابعة لوزارة الدفاع اليمنية، كثيرًا من التساؤلات، باعتبار أن المنطقة الرابعة تُعد من أهم المناطق العسكرية وتشرف على عدن وتعز ولحج وأبين والضالع".
وأردف: "فهذا التعيين لا يُنظر إليه باعتباره مجرد قرار إداري عسكري، بل باعتباره مؤشرًا على انتقال قيادات كانت جزءًا من التشكيلات العسكرية التي نشأت خلال الحرب إلى مواقع رسمية داخل هيكل الدولة ووزارة الدفاع اليمنية".
وأكد على أن ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى عملية دمج تدريجية لهذه القوى داخل المؤسسات الرسمية، بما يعكس إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية اليمنية بعد سنوات الحرب.
ولهذا فإن الحضور السلفي الحالي يمكن النظر إليه من زاويتين؛ بحسب الشلفي ـ الأولى "حاجة بعض الدول الإقليمية إلى خلق توازن مع الإسلام السياسي ومنع هيمنته على المشهد"، والثانية "إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة والقوات المسلحة عبر إدماج القوى التي أفرزتها الحرب داخل الهياكل الرسمية".
الصحفي والكاتب اليمني، لفت إلى أن هذا التحول يثير في الوقت نفسه أسئلة كثيرة حول "شكل الدولة اليمنية المقبلة، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو بناء مؤسسات وطنية تقليدية، أم نحو تكريس توازنات عسكرية وسياسية ودينية أفرزتها الحرب والدعم الإقليمي"، بحيث تصبح مراكز النفوذ موزعة بين السلفيين، والإسلام السياسي، والقوى المناطقية، والتشكيلات العسكرية المدعومة وأيضا الحوثيين في حال حدث تسوية وهب ليست وشيكة بالتأكيد.
ونوه إلى أن هناك من يرى أن السلفيين والإسلام السياسي، رغم الخلافات بينهما، خرجا في الأصل من بيئة فكرية واحدة مع اختلافات في الأدوات والمقاربات، وإن كان الإسلام السياسي أسبق حضورًا وتنظيمًا وتجربة، خاصة في اليمن.
وقال في ختام حديثه، إن مستقبل هذا الحضور سيظل مرتبطًا بطبيعة التسوية السياسية القادمة، وبقدرة هذه القوى على الانتقال من الفعل العسكري إلى العمل المؤسسي والسياسي، إضافة إلى شكل العلاقة بينها وبين بقية المكونات اليمنية داخل الدولة والمشهد السياسي العام.
ومؤخرا، تم تعيين قيادات سلفية في مناصب عسكرية رفيعة من بينها قيادة المنطقة العسكرية الأولى في مدينة سيئون، بمحافظة حضرموت، شرقا، وقيادات المنطقة العسكرية الرابعة في العاصمة المؤقتة، عدن، جنوبا. إضافة إلى تعيين قيادات أخرى في مناصب حكومية أخرى من بينها عمدة العاصمة عدن ومحافظ محافظة أبين المحاذية لها، ومحافظ محافظة الضالع، الحاضنة السياسية والعسكرية للانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات.
كما يحظى هذا التيار بتمثيل في مجلس القيادة الرئاسي، من خلال عضو المجلس، أبوزرعة المحرمي.