تشير أرقام المعروض من
لحوم الأضاحي في
مصر إلى ارتفاع سعري كبير يمثل عائقاً كبيراً أمام من يرغب من المصريين في ذبح أضحية عيد الأضحى المبارك الذي يحل فلكياً 27 أيار/مايو الجاري.
وبرصد "
عربي21" لإحدى أسواق محافظة الشرقية، فإن سعر كيلو اللحم البقري "ذكر" يتراوح بين 200 إلى 250 جنيهاً، لينخفض في أنثى البقر إلى ما بين 170 و180 جنيهاً، ليسجل العجل الجاموسي بين 165 إلى 170 جنيهاً، فيما تنخفض لحوم الأنثى إلى 140 و150 جنيهاً.
وتبدأ لحوم الجمال (قائم) من 150 إلى 250 جنيهاً للكيلو حسب العمر والوزن، لكن جزارين وتجاراً يؤكدون أن بيع الجمال يكون وفق تقدير التجار وليس بالوزن، موضحين أن سعر الجمل الكبير بين 100 و150 ألف جنيه بحسب حجمه ونوعيته.
اظهار أخبار متعلقة
بينما يصل سعر القاعود (جمل صغير) بين 70 و80 ألف جنيه. وفي أسعار الخراف (قائم) يتراوح سعر كيلو البلدي بين 230 إلى 250 جنيهاً، بينما يصل إلى 280 جنيهاً للكيلو للخراف البرقي، الأعلى سعراً، ليتم تسعير لحم الماعز (قائم) بما بين 250 و260 جنيهاً للكيلو.
وتتباين أسعار بيع اللحوم في مصر بين الريف والمدن، وبين القاهرة وعواصم المحافظات، وبين الأحياء الشعبية والراقية، وبين المولات والمراكز التجارية الكبرى وبين المجمعات الحكومية ومنافذ الجيش ووزارة الزراعة.
فيما يصل سعر أقل كيلو من لحوم الجمال إلى 380 جنيها، ويصل حتى 400 و450 جنيها في أماكن أخرى، بحسب رصد "عربي21" لأسعار الخميس، وسط تأكيد جزارين "حدوث زيادة سعرية قبل عيد الأضحى بين 20 و30 جنيها".
400 بالمئة في 5 سنوات
وتكشف تلك الأرقام عن تضاعف أسعار الأضاحي بنحو 4 مرات عما كانت عليه قبل 5 سنوات، حيث سجلت لحوم الأبقار (قائم) من 55 إلى 60 جنيها في عيد الأضحى عام 2021، وتراوح سعر الكندوز بين 130 إلى 160 جنيها للكيلو، و100 إلى 120 جنيها للحم الجملي، و150 إلى 170 جنيها للكيلو للحم الخراف.
وخلال عيد الأضحى لعام 2023، وصل أقل سعر لكيلو اللحوم المذبوحة من اللحم البقري إلى 300 جنيه بمناطق ريفية وشعبية، وهو السعر الذي زاد بمقادير متفاوتة في أحياء القاهرة والمدن، بينما وصل أقل سعر لكيلو اللحم الجملي 240 جنيها زاد بنسب متفاوتة في المناطق الحضرية والراقية.
وبتحليل تلك الأرقام فإن أسعار الأضاحي قفزت بنسبة 400 بالمئة خلال 5 سنوات، إذ حدثت قفزة سعرية هائلة من 60 جنيها عام 2021 إلى 225 جنيها العام الجاري للأبقار (قائم).
وهو ما يعني أن الأضحية التي كان يمكن شراؤها بـ30 ألف جنيه قبل 5 سنوات، يفوق سعرها الآن مبلغ 110 آلاف جنيه، وهي زيادة لا تتوافق مع حد أدنى للأجور 7 آلاف جنيه، ما يعني أن المصري يحتاج راتبه كاملا لمدة 16 شهرا لشراء أضحية.
كما تكشف المقارنة السعرية أن ارتفاع سعر الكيلو (قائم) للأبقار إلى 225 جنيها يعني وصول السعر بعد الذبح إلى 500 جنيه، ما يجعل شراء 10 كيلو من لحوم الأضحية لاستهلاكها بأيام
العيد وإهداء بعضها للأقارب يكلف موازنة لدى محدودي الدخل أكثر من 5 آلاف جنيه، فقط لبند اللحوم.
ماذا عن البديل؟
وفي حديث لـ"
عربي21"، أشارت عدة أسر مصرية إلى أنها تراجعت بنسبة ما، حيث اعتادت بعض الأسر المشاركة في أضحية واحدة مع تفاقم الأسعار وحدوث خلافات أحيانا، ما دفع البعض للتفكير في الحصول على الأضحية بشراء "كبش" (خروف أو ماعز).
لكن وصول قيمة الواحدة منها ما بين 10 و20 ألف جنيه مع حجم الدهون والعظام الذي يفوق حجم اللحوم، فاقم الأمر صعوبة على الكثيرين، وبتسجيل سعر كيلو الخراف والماعز من 200 إلى 280 جنيها (قائم)، يعني أن خروفا متوسط الوزن (50 كجم) سيتكلف 14 ألف جنيه.
وهو رقم يمثل ضعف الحد الأدنى للأجور، ويكلف راتب شهرين، دون دفع إيجارات أو فواتير كهرباء ومياه وغاز واتصالات وطعام وعلاج، والتي تضاعفت جميع أسعارها بمعدلات فاقمت نسب الفقر في البلاد.
لهذا لن يضحي المصريون؟
تلك المؤشرات تقول إن أغلب الشعب المصري سيكون عاجزاً عن شراء أضحية، وبالكاد يمكنه شراء 3 كيلوجرامات من اللحوم بنحو 1200 جنيه من اللحوم الجملي أو 1350 جنيهاً للحم الكاسر (العجالي)، وفق تأكيد الجزار وتاجر المواشي، السيد أبوعلي، لـ"عربي21".
وحول أسباب عجز المصريين عن شراء أضحية سنوية أو المشاركة مع آخرين في أضحية، يرجع السبب إلى "الضغوط المتزايدة على الناس من غلاء سعر الوقود والكهرباء وغلاء كل شيء بالتبعية، بدايةً من سعر نقل المواشي وغلاء علف الحيوان، وارتفاع أسعار إيجار الأراضي الزراعية ورفع أسعار الأسمدة".
ويؤكد أبوعلي أنه "بالأرقام لابد أن يعجز المصريون عن شراء الأضحية"، مشيراً إلى أن "ارتفاع سعر الأعلاف فاقم سعر المواشي، خاصة مع وصول سعر طن الذرة الصفراء من 10 إلى 14 ألف جنيه خلال عام واحد، وارتفاع سعر طن الردة من 12 إلى 14 ألف جنيه".
ويلمح إلى جانب آخر تسبب في تقليل عدد المعروض من المواشي وهو "انتشار مرض الحمى القلاعية ونفوق عدد كبير من المواشي لدى المربين والفلاحين، ما أدى لوجود فجوة كبيرة في السوق".
كما أشار إلى "غياب دور الحكومة تماماً عن تلك الأزمة التي دفعت الكثيرين إلى التخلص من مواشيهم وعدم اقتناء حيوانات، بل وترك بعضهم مهنة تربية المواشي، لأسباب كثيرة منها عقاب الحكومة للفلاحين".
ويشير إلى "أزمة ارتفاع أسعار إيجارات الأراضي الزراعية التي وصلت لأكثر من 40 و45 ألف جنيه ببعض المناطق، ما دفع المزارعين إلى زراعات تدر دخلاً مالياً، وتقليل زراعاتهم للبرسيم وهو طعام المواشي، وبالتالي تقليل ما لديهم من حيوانات ورفع سعر التبن بصور مبالغ فيها".
مبيناً أن "سعر فدان التبن من القمح سجل قبل 3 مواسم 200 جنيه، لكنه ارتفع بشكل مخيف ووصل العام الماضي إلى 5 و6 آلاف جنيه للفدان، والعام الجاري يجري الحديث عن سعر بين 10 و12 ألف جنيه، ما يعني عجز كثير من المربين عن الاستمرار".
ويواصل أبوعلي حديثه لافتاً إلى أن "أزمة الحرب في السودان ما زالت تلقي بظلالها"، مؤكداً توقف تدفق الجمال الجيدة لمصر، والنتيجة ارتفاع سعر هذا النوع من اللحوم المحبب لدى قطاع واسع من المصريين من 330 إلى 380 جنيهاً هذا العام، وقد يصل إلى 400 جنيه قبل عيد الأضحى".
تلاعب وإغراق.. وخسائر وإفقار
وفي المقابل، تدفع الدولة المصرية بقوة عبر الجمعيات المعتمدة لديها لجمع تبرعات المصريين وطرح صكوك الأضحية بالتقسيط وبأسعار أقل من السوق، لكي تتم تلك العملية من خلالها بداية من الاستيراد والشراء والذبح والتشفية والتوزيع.
وهو ما يثير التساؤلات حول هذه الأدوار، وكيف تأكل من حظوظ المصريين في الحصول على أضحية بسعر يناسب دخولهم؟.
وعن دور الدولة، يقول مستشار وزير التموين المصري سابقاً الدكتور عبد التواب بركات لـ"
عربي21": "استيراد لحوم الأضاحي وغيرها من أنواع اللحوم الحية والمجمدة بواسطة الحكومة ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية عبر صكوك الأضحية، هو إغراق لسوق اللحوم البلدية المصرية وإفقار للمربي والفلاح المصري".
وأضاف أن ذلك سيؤدي إلى "إخراجه من دولاب الإنتاج الوطني، وزيادة لعدد العاطلين عن العمل في سوق تربية الماشية، وجريمة اقتصادية بحق الأمن القومي".
ويرجع الخبير بمركز البحوث الزراعية والأكاديمي المصري ارتفاع أسعار اللحوم إلى "إغراق سوق اللحوم البلدية باللحوم الحية والمجمدة المستوردة، والمعاملة بهرمونات النمو، بواسطة شركات تابعة للجيش وأخرى للحكومة والتي دخلت على الخط مؤخرا، طمعا في الربح المضاعف".
ويلفت إلى أنها "تستورد الكيلو بدولار واحد، وتبيعه سيارات تابعة للجيش بالمدن والقرى والعزب ومنافذ وزارة الزراعة والشرطة بنصف سعر اللحوم البلدية الأعلى في الجودة والنكهة والاستساغة، ما حقق خسائر فادحة للمربي المصري، وتوقف معظم المربين المصريين تقريبا عن الإنتاج".
ويشير كذلك إلى "ارتفاع أسعار الأعلاف بالسوق المحلية، بسبب انخفاض قيمة الجنيه وشح الدولار، ما تسبب في خروج كثير من مزارع اللحوم والدواجن والأسماك من دولاب العمل وتراجع الإنتاج بسبب ارتفاع تكلفته".
وأيضا "انتشار الأمراض المميتة بين المواشي مثل الحمى القلاعية، وغياب دور الدولة في دعم المربين وتوفير اللقاحات والأمصال والأدوية البيطرية، ما أدى لزيادة التكلفة وتراجع الإنتاج".
ويعتقد أنه "لعلاج أزمة اللحوم في مصر لا بد من العودة إلى تنفيذ مشروع البتلو القديم بمميزاته، حيث توفر وزارة الزراعة العجول المحسنة والأعلاف المحلية والإشراف البيطري دون تربح، ثم تشتري وزارة التموين العجول وزن 500 كيلوغرام بأسعار تحقق هامش ربح حقيقيا ويناسب المربي والمستهلك".
وشدد على "ضرورة علاج نقص الأعلاف محليا بدعم إنتاج الذرة الصفراء والقطن، والتوقف عن الإغراق وتدخل الجيش بالاستيراد العشوائي للحوم المجمدة، وتنفيذ برامج تحسين سلالات البقر والجاموس المصري ودعم المربي المصري دعما حقيقيا بالأدوية البيطرية والإشراف البيطري".
وبينما تقدم "جمعية الأورمان" صكاً مستورداً بين 6500 جنيه و7700 جنيه، وبلدياً بـ9300 جنيه مع تقسيط على 12 شهراً، تعرض "مؤسسة مصر الخير" صك أضحية بـ11900 جنيه، ليسجل صك "وزارة الأوقاف" للحوم المستوردة 7 آلاف جنيه، وللبلدي 9500 جنيه، وخروفاً من 7 إلى 15 ألف جنيه، وعجولاً تبدأ من 45 ألف جنيه من مؤسسة "حياة كريمة".
إعلانات بملايين الجنيهات
ولا تكاد تخلو فضائية مصرية من إعلانات صكوك الأضاحي والتبرع لها التي تتكرر مع كل فاصل إعلاني، ما يشير إلى تكلفة مالية كبيرة يجري تعويضها من أموال تلك الصكوك والتبرعات، وذلك في ظل الارتفاع الرهيب في سعر الدقيقة الإعلانية أو "الأسبوت" الإعلاني المقدر بـ(30 ثانية).
وخلال رمضان 2026،
بلغت تكلفة "الأسبوت" الواحد بقنوات "ON" و"DMC" نحو 2 مليون جنيه، و1.5 مليون بقنوات "CBC" و"الحياة"، و1.4 مليون جنيه لكل 30 ثانية بقناة "إم بي سي مصر"، وهي الأرقام التي تتراجع بعد الموسم الرمضاني لكنها تظل تكلفة كبيرة على أسعار الصكوك.
وهو ما يثير مخاوف المصريين من استنزاف أموالهم في بند الدعاية وعدم وصول اللحوم إلى مستحقيها، إلى جانب ما تستقطعه وسائط التحويل المالي من رسوم من تبرعات الصكوك التي تتم عبر حسابات بنكية وتطبيقات رقمية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي حين لا يتم الإعلان عن إجمالي عدد صكوك الأضاحي التي اشتراها المصريون عبر الجمعيات والمؤسسات، حقق مشروع صكوك الأضاحي والإطعام التابع لوزارة الأوقاف بين شهر رمضان وعيد الأضحى عام 2024،
366.7 مليون جنيه، وفق تصريح وزير الأوقاف السابق مختار جمعة.
ووفق بيانات وزارة الزراعة، فقد استقبلت المجازر الحكومية 34 ألف
أضحية بعيد الأضحى الماضي، مقارنة بـ 31 ألف رأس في 2024، إلا أن نقيب الفلاحين حسين أبو صدام يؤكد أن ما يتم ذبحه بالمجازر الحكومية أقل من نصف إجمالي الأضاحي، حيث يفضل المصريون الذبح في المنازل والشوارع.
ويحمل كثيرون الحكومة أسباب تراجع قدرات المصريين عن تنفيذ شعيرة الأضحية، مع رفع أسعار الوقود بين 14 و30 بالمئة في آذار/مارس الماضي، وزيادة سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 220 جنيهاً إلى 275 جنيهاً.