كيف ستتعامل الإمارات مع الوضع في اليمن بعد انتهاء حرب إيران؟

الإمارات تلقت انتكاسة استراتيجية بعد تحقيقها وحلفائها الانفصاليين نصرا سريعا بالسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة  في كانون الأول/ ديسمبر- جيتي
الإمارات تلقت انتكاسة استراتيجية بعد تحقيقها وحلفائها الانفصاليين نصرا سريعا بالسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة في كانون الأول/ ديسمبر- جيتي
شارك الخبر
يستبعد مراقبون أن تتخلى الإمارات عن النفوذ الذي أنفقت عليه مليارات الدولارات جنوب اليمن، أو أن تقبل بالخروج المذل نهاية العام الماضي إثر المهلة التي منحت لها من قبل الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية نهاية العام الماضي.

وكانت دولة الإمارات قد تلقت انتكاسة استراتيجية بعد تحقيقها وحلفائها الانفصاليين نصرا سريعا بالسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، شرق اليمن، في كانون الأول/ ديسمبر 2025، تدحرجت بعدها الأحداث بشكل دراماتيكي نحو أزمة عاصفة مع الحكومة الشرعية والسعودية. وانتهت الأزمة بطرد أبوظبي من التحالف الذي تقوده الرياض وإنهاء وجودها خلال 24 ساعة.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن ما حدث كأنه ظرف طارئ قبل أن تستفيق أبوظبي من جديد للعودة من جديد إلى المشهد في جنوب اليمن، حيث يفترض الكثير أن الدولة الخليجية لن تتخلى أبدا عن نفوذ أنفقت عليه مليارات وسنوات من البناء، أو أن تقبل بالخروج بالشكل الذي حدث خلال فترة وجيزة. هذا الأمر يثير أسئلة عدة بشأن الكيفية التي ستتعامل بها الإمارات مع الوضع في اليمن بعد انتهاء حرب إيران.

اظهار أخبار متعلقة


يتزامن ذلك، مع عودة التصعيد بين الإماراتيين والسعوديين بشكل متدرج مؤخرا، وفي ظل استمرار المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي والمعلن عن حله في يناير الماضي، في أنشطته التصعيدية وتحركاته الرافضة والمضادة للتحركات الحكومية والسعودية الداعمة لها في آن واحد.

 وقد لا يمكن التنبؤ بشكل العودة الإماراتية إلى اليمن، إلا أن عودتها تبدو مرجحة، ولن تقتصر على إضعاف الحكومة اليمنية وتفعيل سياسة المواجهة من قبل المجلس الانتقالي المنحل، بل قد تتجاوز ذلك إلى استنزاف الرياض وإغراقها في وحل الفوضى والإرباك.

شكل وجودها سيتغير

وفي السياق، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، عادل الشجاع إنه من غير المستبعد أن تنسحب الإمارات فعليا من اليمن، لكن شكل وجودها ستغير وليس بالضرورة أن يكون مباشرا.

وأضاف الشجاع في حديث خاص لـ"عربي21" أن الإمارات منذ تدخلها في اليمن عام 2015 لم تكن تتحرك بدافع واحد فقط، بل ضمن مجموعة أهداف "السيطرة على الموانئ وخطوط التجارة من عدن وباب المندب وصولا إلى المكلا، في حضرموت، شرقا، ومواجهة الإسلام السياسي خصوصا حزب الإصلاح وبناء نفوذ طويل الأمد عبر قوى محلية موالية لها".

وتابع : لهذا، من غير المنطقي أن تتخلى عن استثمار سياسي وعسكري بهذا الحجم بسهولة، حتى لو تعرضت لانتكاسة ميدانية.

وأشار الأكاديمي اليمني إلى أن الإمارات تاريخيا لا تتصرف بردود فعل عاطفية، بل بأسلوب "إعادة التموضع" الذي قد يأخذ عدة أشكال أبرزها "العودة غير المباشرة، بدل الحضور العسكري المباشر" من خلال دعم مالي وتسليحي لقوى محلية.

إضافة إلى العمل عبر تشكيلات متعددة ( وليس فقط المجلس الانتقالي المنحل) و"اختراق النخب القبلية والاقتصادية في الجنوب".

وقال إن الإمارات قد تدعم فصائل جنوبية أخرى، أو تعيد تشكيل قيادة جديدة أكثر مرونة، مع التركيز على النقاط الاستراتيجية مثل السواحل والموانئ والجزر.

اظهار أخبار متعلقة


تنافس ناعم

من جانبه، قال الأكاديمي اليمني في علم الاجتماع السياسي، عبدالكريم غانم إنه من الواضح أن حرب إيران وإن عجزت عن خلق تحالف عسكري خليجي إلا إنها ستجعل تحييد الخلافات الداخلية لدول مجلس التعاون أمرًا حتمي، مرجحا أن تتحول العلاقة بين الرياض وأبوظبي من الصراع إلى التنافس الناعم.

وتابع حديثه لـ"عربي21"  بأنه خلال فترة الثلاثة أشهر التي مرت منذ أحداث حضرموت لم تكن كافية لملء الفراغ الذي تركته الأمارات في اليمن، في ظل بطء الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة سعوديًا، وعجزها عن توحيد الفصائل المسلحة في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، الأمر الذي يجعل الفرصة تبدو مواتية أمام أبو ظبي لمحاولة إعادة إنتاج نفوذها من جديد.

وأضاف: "الإمارات يصعب عليها أن ترمي استثمارها الاستراتيجي في اليمن بهذه السهولة، وفي حال انتهت حرب إيران ستصبح الأولوية لدى الرياض التركيز على ضمان أمن حدودها مع اليمن، بما في ذلك تطوير اتفاقاتها الأمنية مع الحوثيين. دون أن يستبعد أن تسمح المملكة "بمنح أبو ظبي نفوذًا أمنيًا واقتصاديًا على جزيرتي ميون وسقطرى وسواحل جنوب اليمن وغرب تعز، في حال التزام أبو ظبي بعدم تطوير مناطق النفوذ الأمني والاقتصادي إلى مشاريع سياسية مستقلة".

وأشار الأكاديمي اليمني إلى أن أبوظبي ستدعم سلطات الأمر الواقع وبغض النظر عن مسميات الفصائل العسكرية، في "المخا وعدن وشبوة" لضمان حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.
وكما أن وصول الحوثيين إلى حقول النفط في مأرب خط أحمر سعودي، وفق المتحدث ذاته، أيضا "سيبقى وصول حلفاء الإمارات إلى نفط حضرموت خط أحمر، بما يبقي الحاجة مستمرة للمال السياسي السعودي في جنوب اليمن وشماله على حدٍ سواء".

وأوضح أنه من خلال توظيف أبو ظبي لورقة القوات الجنوبية ( التابعة للمجلس الانتقالي المعلن حله) وقوات المقاومة الوطنية ( التابعة لعضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح) ورفضهما للدمج ضمن القوات المسلحة اليمنية، فإنه "يمكن للإمارات أن  تفرض قبول التقاسم الضمني للنفوذ في اليمن كأمر واقع، بما يمكنها من تعويض خسارتها في حضرموت بنفوذ في سواحل شبوة وعدن والساحل الغربي لتعز، مع الالتزام بالحفاظ على الوضع القائم وعدم تغييره".

ومع أن انتهاء حرب إيران، في حال حدوثه، سيبطل مبرر الوجود الإماراتي في اليمن بحجة مواجهة الخطر الإيراني بحسب أستاذ علم الاجتماع السياسي اليمني، إلا إن "تجربة الحرب الإيرانية الأخيرة قد أسهمت في تطوير الأهمية الأمنية للمضائق والموانئ، بما يجعل محاولات أبوظبي لإعادة إنتاج نفوذها على سواحل جنوب وغرب اليمن متوقعة".

اظهار أخبار متعلقة


وقال إنه بدلًا من الرهان على المشاريع الانفصالية للاحتفاظ بالنفوذ الإماراتي جنوب اليمن، قد تغير أبوظبي استراتيجيتها في الاحتفاظ بموطئ قدم لها في هذا البلد من خلال الاستثمار في الموانئ والجزر، مقابل عقود استئجار لفترات طويلة.

وأردف : "فالبقاء في أرخبيل سقطرى وجزيرة ميون بالقرب من مضيق باب المندب يستحق التكاليف التي قد تجازف أبو ظبي باستثمارها في موانئ عدن وبلحاف والمخا ( قرب مضيق باب المندب)".

من خلف الستار


وأوضح أن إظهار فلول المجلس الانتقالي المنحل والقوات المحسوبة عليه عدم تخليها عن مشروع الانفصال وإصرارها على المواجهة مع الحكومة اليمنية الشرعية وعودة العديد من قياداتها التي فرت عقب أحداث حضرموت إلى الخارج، وما تمارسه هذه القوى من تصعيد إعلامي وأمني هي "الورقة التي تستخدمها أبوظبي من خلف الستار، كمحاولة لفرض القبول بالتقاسم الضمني للنفوذ في اليمن".

وقال أيضا، إنه لا يخف على المتابع لتطورات المشهد اليمني تصاعد حدة الخلاف بين الحكومة اليمنية الشرعية وقيادات القوات التي شكلتها الإمارات جنوب غرب اليمن في الآونة الأخيرة، حيث تكاد تجمع هذه القوى على "رفض برنامج الحكومة الرامي لدمج الفصائل المسلحة في إطار وزارتي الدفاع والداخلية، وإظهار فشل الحكومة في تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي والهيكلي".

ولفت  الأكاديمي اليمني غانم إلى أن الإمارات التي قد تقدم بعض التنازلات من قبيل التخلي عن دعم المشاريع السياسية التجزيئة، وقد تقبل بإعادة التموضع من بسط النفوذ على المحافظات الجنوبية الشرقية برمتها للاكتفاء بنفوذ محدود على سواحل جنوب غرب اليمن.

ولم يستبعد أن تتمسك أبوظبي أيضا، باحتفاظ الفصائل العسكرية الموالية لها باستقلاليتها عن الجيش والأمن الحكومي اليمني، بما يحقق استدامة نفوذها، مدعومًا ببقاء القيادة العسكرية الموالية لها على رأس هذه الفصائل العسكرية واحتفاظها بمناصبها في مجلس القيادة الرئاسي.
التعليقات (0)