يقدم
كتاب (زمن الحرب ـ مقاربات وتغطيات
وقصاصات عن
السودان) للصحافي والباحث السوداني خالد سعد عثمان سعد، اطروحة مركزية
تنطلق من تحليل الاقتصاد السياسي، ويطرح الكتاب تصور لمساومة وطنية تؤسس على مشروع
تنموي شامل وليس على تقاسم السلطة والثروة، ويشمل مصالحة وطنية لا تتجاهل المحاسبة
والانصاف، ويعتبر أن مفهوم الاتصال التنموي الحديث هو المدخل الاساسي لحل الخلاف
السياسي وانهاء الحرب بشكل دائم في السودان.
ويعرف الحرب المستمرة في السودان خلال
الفترة من 2023 حتى الآن، بوصفها رؤيتين متناقضتين؛ بين تصور يدعو لاستكمال
الحداثة بالمحافظة على مؤسسات الدولة واصلاحها بما فيها المؤسة العسكرية، وبين
تصور ما بعد حداثي متناقض يدعو إلى التفكيك المجرد دون أي رؤية لاعادة البناء، مع
الاقرار بأنها ليست حرب وليدة لحظة اندلاعها ـ رغم انها غير مسبوقة ـ وإنما تأسست
على إرث من الحروب والنزاعات منذ تشكل الدولة القطرية،
تناول الكتاب موضوع السياسية والجيش في السودان، من زاوية أن الموقف العام المساند في الحرب الدائرة حاليا هو أمني بالدرجة الأولى يتعلق بوجود الدولة نفسها، وليس تأييدا للعسكرتاريا، ويرى أن كثير من القوى السياسية، اتسمت مواقفها -مع أو ضد- الجيش بالانتهازية والتمليق، فغالبية هذه القوى تستند على تاريخ طويل من استخدام الجيش كأداة للسيطرة والحكم باعتباره يمتلك رمزية وطنية، وشرعية احتكار العنف.
صدر الكتاب في القاهرة في الأسبوع الأول من أبريل الجاري من دار العالمية للنشر والتوزيع، ويقع في 290 صفحة من القطع المتوسطة.
الكتاب "كشكول" من المقاربات
السياسية والتحليلات الاقتصادية والرؤى الإعلامية والرصد الاجتماعي، وقد خصص
افتتاحية الكتاب للتعريف بالمنهج المستخدم في الكتاب، حيث اعتمد منهجا صحفيا
توثيقا وتحليلا، يتقاطع مع أساليب العمل البحثي الميداني من حيث الالتزام
بالتاريخ، والسياق، والمصدر، لكن دون إخضاع كافة المواد لإطار أكاديمي صارم لا يناسب
الجمهور العام من القراء، إلا في سياق معالجة ظواهر اعلامية كخطاب الكراهية
وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على الاعلام السوداني خلال الحرب، اضافة إلى دراسة
نموذجية لاعلام تنموي يكافح التضليل المعلوماتي الاقتصادي حسب رؤية الكاتب.
وتضمن الكتاب أيضا الأرشيف الالكتروني
للكاتب أثناء الحرب عبر مشاهدات من العاصمة الخرطوم ومناطق اللجوء في الولايات
الآمنة، ومقالات وتحليلات اقتصادية، ومقابلات صحفية ومناقشات أجريت مع شخصيات ذات
رؤى متباينة، وقصاصات عبارة عن مداخلات وتعليقات نشرت على مجموعات واتساب مغلقة.
تناول الكتاب موضوع السياسية والجيش في
السودان، من زاوية أن الموقف العام المساند في الحرب الدائرة حاليا هو أمني
بالدرجة الأولى يتعلق بوجود الدولة نفسها، وليس تأييدا للعسكرتاريا، ويرى أن كثير
من القوى السياسية، اتسمت مواقفها -مع أو ضد- الجيش بالانتهازية والتمليق، فغالبية
هذه القوى تستند على تاريخ طويل من استخدام الجيش كأداة للسيطرة والحكم باعتباره
يمتلك رمزية وطنية، وشرعية احتكار العنف.
ويعتقد بأنه قد حان الوقت لأن تتخلى الأحزاب
عن البندقية، وأن يتوقف بحث الجيش عن غطاء سياسي يبرر تدخله، ويقترح في هذا الصدد
ميثاق وطني يصنع التوازن المطلوب، ويمنح البلاد فرصة لبناء دولة قائمة على الإرادة
المدنية، المدعومة بجيش وطني بهيكل موحد، غير متورط في الانقسامات الحزبية، معتبرا
أن الحرب الجارية أظهرت هشاشة التحالفات التي تبنى على المصالح الظرفية والسلاح،
كما كشفت عن الحاجة العميقة لإعادة تعريف العلاقة بين
السياسة والجيش.
يشير الكتاب إلى أن الحرب في السودان لم
تكشف الخلل العسكري والتمرد أو صراع السلطة أو تفكيك الدولة فحسب، بل أظهرت هشاشة
بنية وطنية شاملة لم تحسم قضاياها التنموية منذ عقود ولم تكمل جهود حداثتها، وفشلت
في الاستفادة من الخصوصيات الايجابية والتاريخ التليد.
وفيما بدا المشهد السياسي ساحة لتبدل
الاصطفافات أكثر منه ساحة لإنتاج مشروع جامع، فقد أظهر الاقتصاد تآكلا في مؤسساته
قبل أن يكون أزمة موارد عابر، لأنه في الاساس كان مختلا.
المشروع التنموي الوطني المستقل ليس برنامج حكومة مؤقتة أو وثيقة تقنية تعد في مكاتب مغلقة، لكنه يتطلب اتفاق تاريخي يتشكل عبر مساومة وطنية تطرح فيها الرؤى المختلفة حول آلية الوصول إلى السلطة، وأولويات السياسات الاقتصادية، وموقع المؤسسة العسكرية في المجال العام، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعاقلات المجتمع مع بعضه البعض، واتجاهات السياسة الخارجية.
كما كشف المجال الإعلامي عن اختلال عميق في
إدارة السرد العام، حيث تحول إلى فضاء استقطاب وتعبئة وروايات متباينة بحدة، بينما
عكست
التحولات الثقافية والاجتماعية حجم التصدعات التي أصابت الذاكرة الجمعية
وأنماط العيش المشترك.
في المقابل أظهر المجتمعات تماسكها في
الحدود الضيقة القبلية والعائلية، ونجحت في أدوار هي من صميم مؤسسات الدولة، رغم
ذلك تصدع المجتمع في سياقه الوطني العام، وانتشر خطاب الكراهية بشكل غير مسبوق بين
المكونات الاجتماعية للدولة.
غير أن (زمن الحرب)، بطبيعته، يدفع بهذه
المشكلات إلى الصدارة، بيد أن معالجتها يتطلب الاجابة على العديد من الاسئلة وليس
سؤال السلطة فقط، فزمن البناء يبدأ بسؤال "كيف نبني" بعد الخراب المستمر
في كافة النواحي، ذلك أن إعادة ترتيب موازين القوى لا تعني بالضرورة إعادة تأسيس
المجال الوطني، ما لم تصاحبها مراجعة شاملة لطبيعة الدولة ووظيفتها وحدودها، وأن
إعادة الإعمار ليست مناقصة تجارية، ولكن إعادة تعريف للعلاقة بين السلطة والمجتمع،
وبين الاقتصاد والسياسة، وبين الدولة ومحيطها الإقليمي والدولى تحت مظلة مشروع
تنموي يتأسس على الاتصال التنموي بمفهومه الجديد الذي يحقق المشاركة الشعبية
وتبادل الافكار والرؤى بين المجتمعات المتباينة وبين النخب صناع القرارات.
ويوضح الكتاب بأن المشروع التنموي الوطني المستقل
ليس برنامج حكومة مؤقتة أو وثيقة تقنية تعد في مكاتب مغلقة، لكنه يتطلب اتفاق
تاريخي يتشكل عبر مساومة وطنية تطرح فيها الرؤى المختلفة حول آلية الوصول إلى
السلطة، وأولويات السياسات الاقتصادية، وموقع المؤسسة العسكرية في المجال العام،
وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعاقلات المجتمع مع بعضه البعض، واتجاهات
السياسة الخارجية.