أبدى انفصاليون جنوب
اليمن المدعومون من دولة الإمارات، صلابة ومقاومة للإجراءات والقرارات الحكومية التي اتخذت بحقهم في عدد من المحافظات من بينها العاصمة المؤقتة
عدن، إذا ما يزالون يرفضون التسليم بالأمر الواقع، وهو ما يثير أسئلة عدة بشأن هل سيعود
المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل إلى ما كان عليه قبل هزيمته في محافظة حضرموت شرق البلاد مطلع العام الجاري؟
معطيات عدة تشير إلى أن المجلس الانتقالي الذي أعلن عن حله في يناير/ كانون الثاني الماضي، في طريقه للعودة، وذلك بعد استعادة مقراته في العاصمة المؤقتة عدن، ومحافظات شبوة وحضرموت، وأصبح يدر أنشطته من داخلها، بعد الإعلان عن إغلاقها من قبل القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا قبل أسابيع.
لم تتوقف تحركات المجلس الانتقالي وأنشطته عند هذا الحد، بل برز تطور مهم يتمثل في إعلان قياداته العسكرية في الأيام القليلة الماضية، رفضها إعادة هيكلة قوات المجلس المنحل وهيكلتها ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، في خطورة تخالف ما تم الاتفاق عليه مع الجانب السعودي المكلف بإدارة الملف الأمني والعسكري في المناطق الخاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي، جنوب وشرق البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
حالة الصدمة
وفي السياق، يرى الصحفي والكاتب اليمني، مأرب الورد إنه من الواضح أن المجلس الانتقالي الجنوبي قد تجاوز حالة الصدمة التي تعرض لها عقب طرد قواته من حضرموت، وما تلا ذلك من خطوات تصعيدية ضده، تمثلت في تجميد عضويته في مجلس القيادة الرئاسي، والحديث عن إحالة رئيسه (عيدروس الزبيدي) للمساءلة، وصولًا إلى إجراءات تتعلق بمقراته وقياداته.
وقال الورد في حديث خاص لـ"عربي21" إنه مما ساعد الانتقالي في استعادة زمام المبادرة تدريجيًا هو نهج الحكومتين اليمنية والسعودية، اللتين توقفتا عند تلك الخطوات دون استكمالها في المسارات القضائية والسياسية والأمنية.
وأشار "فما كان متوقعًا هو أن تمضي الحكومة في تنفيذ تلك الإجراءات حتى نهايتها، عبر فتح مسار قضائي واضح يتضمن محاكمة قيادات المجلس بتهم "التمرد وأعمال العنف والفساد". بالتوازي مع مسار سياسي وأمني يستهدف تفكيك هياكله التنظيمية، بدلًا من الاكتفاء بإغلاق مقراته لفترة مؤقتة، ثم التراجع عنها بشكل مفاجئ وغير مفهوم.
وبحسب الصحفي اليمني فإن نقطة التحول الأبرز في استعادة الانتقالي للمبادرة كانت من خلال "منحه حصة أكبر من حجمه داخل الحكومة؛ إذ لم يكن أحد يتوقع استبعاده كليًا. لكن كان من المفترض أن تُربط مشاركته بتخليه عن مشروعه الانفصالي، والمساهمة في تفكيك بنيته التنظيمية التزامًا بالقرارات السياسية".
غير أن ما حدث، وفق الورد "كان العكس تمامًا، حيث سُمح له بالاستمرار في التعبير عن مشروعه وهو داخل الحكومة، وكأن شيئًا لم يكن".
وقال إنه في السياسة، كما في الحياة، عندما تمنح خصمك فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أوراقه، فإنك في المقابل تهدر مكاسبك وتفقد أوراق القوة التي كانت لديك، وهو ما ساعد المجلس الانتقالي ( المعلن حله) على العودة مجددًا إلى المشهد.
استعادة المقرات
وأوضح الكاتب اليمني الورد أن ذلك تجلى من خلال "استعادة مقراته، بعد أن اعتمد على التصعيد الإعلامي والشعبي من خلال تنظيم وقفات احتجاجية أمام تلك المقرات، حتى نجح في استعادتها".
وأعتبر أنه كان لهذه الخطوة أثر سلبي مزدوج؛ فمن جهة، "أضرت بمصداقية الحكومة والسلطات المحلية"، ومن جهة أخرى، "عززت صورة المجلس الانتقالي كقوة قادرة على فرض إرادتها وانتزاع ما تريده".
وبعد استعادة مقراته، أكد الصحفي الورد أن المجلس الانتقالي انتقل إلى المرحلة التالية، وهي "كسب ثقة المواطنين، عبر استغلال تدهور الخدمات، مثل الكهرباء، وعدم انتظام صرف الرواتب، وأزمة السيولة"، ليقدم نفسه كفاعل ميداني يتحرك على الأرض، في مقابل حكومة تبدو عاجزة وتتحرك في إطار ردود فعل ضعيفة.
ونوه إلى أن هناك تناقضا داخل الحكومة نفسها، حيث "تتقاطع الرغبة في مواجهة الانتقالي قضائيًا وسياسيًا مع خيار احتوائه وإبقائه ضمن السلطة، رغم أن هذا النهج أثبت فشله خلال السنوات الماضية".
اظهار أخبار متعلقة
تقليص نفوذ
وبشأن الموقف السعودي، فقال الكاتب الورد إن الموقف السعودي يلعب دورًا مهمًا في هذا السياق، "إذ لا ترغب الرياض في إقصاء الانتقالي بالكامل، بقدر ما تسعى إلى تقليص نفوذ الإمارات عليه وتحويله إلى أداة بيدها".
وتابع بأن ذلك انعكس على أداء الحكومة التي لم تمضِ في خطوات حاسمة لإضعافه، مثل "إعادة هيكلة قواته أو توزيعها أو تغيير قياداته، بل أبقت عليه ككتلة متماسكة مع استمرار حصوله على الموارد".
ومضى بالقول: ومما لاشك فيه، أن الحكومة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، إذ كان بإمكانها اتخاذ خطوات لا تُغضب السعودية، مثل "الاستعانة بشخصيات جنوبية غير محسوبة على الانتقالي وتتمتع بحضور شعبي"، بدلًا من تكرار تعيين شخصيات موالية للزبيدي ومؤمنة بمشروعه، وهو ما أضعف قدرتها على خلق توازن سياسي حقيقي.
وبالتالي، فإن عودة الانتقالي إلى المشهد لم تعد مرتبطة فقط بشخص قيادته، بل بقدرته على التفاعل ميدانيًا وسياسيًا، في ظل فراغ حكومي واضح، على حد قوله.
ولم يستبعد الصحفي والكاتب اليمني أن يشهد الوضع مزيدًا من التصعيد، خصوصًا مع عودة الإمارات للاهتمام بالملف اليمني بعد تجاوز انشغالها بحرب إيران، حيث من غير المرجح أن تتخلى عن النفوذ الذي أنفقت عليه لسنوات.
وختم حديثه قائلا: "إن عودة الانتقالي قد تكون جزءًا من إعادة تشكيل النفوذ في اليمن، بما يضمن حضورًا قويًا لأبوظبي"، وفي الوقت ذاته "يضع الرياض أمام تحديات معقدة قد تدفعها في نهاية المطاف إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتعامل مع هذا النفوذ بشكل مختلف".
محاولة منظمة للعودة
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة إن تحركات المجلس الانتقالي في عدن وشبوة وحضرموت تمثل "محاولة منظمة للعودة إلى المشهد بعد انتكاسة حضرموت".
وأضاف الزرقة في حديثه لـ"عربي21" أن المجلس يقرأ لحظة فراغ في عدن تتمثل في "غياب متواصل لمجلس القيادة والحكومة عن العاصمة المؤقتة وضعف إدارة مؤسسات الدولة وارتباك الخدمات، وتراجع وتيرة الحسم السعودي مع انشغال الرياض بملفات إقليمية ضاغطة، بينها تداعيات الحرب الإيرانية".
وبحسب الكاتب اليمني فإن في هذا الفراغ فتح المجلس "مقراته وحرّك جمهوره، ورفع سقف خطابه العسكري".
بوابات متوازية
وأشار إلى أن المجلس الانتقالي ( المنحل) يتحرك من بوابات متوازية "المقرات والشارع إضافة إلى القوات التابعة له.
وقال السياسي الزرقة إن المقرات تمنحه "صورة العودة"، والشارع يمنحه "شرعية ضغط"، فيما التشكيلات الأمنية والعسكرية تمنحه "جوهر القوة".
لذلك يصبح رفض دمج قواته ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وفق المتحدث ذاته، "التطور الأهم في هذه المرحلة"، موضحا أن هذا الرفض يكشف أن المعركة الحقيقية تدور حول السلاح وسلسلة القيادة و التمركزات، لا حول المقرات وحدها.
وأكد الكاتب والمحلل السياسي اليمني على أن قيادات المجلس تدرك أن "الهيكلة الحقيقية تفقدها مركز الثقل". فالقوة العسكرية المستقلة بحسب الزرقة ـ هي التي تمنح المجلس الجنوبي قدرته على التفاوض والضغط والمناورة وبقاء القوات بهياكلها الحالية يعني بقاء المجلس قوة أمر واقع.
فيما يبدو أن تفكيك هذه الهياكل يعني تحويله إلى مكوّن سياسي ضمن مكونات جنوبية أخرى...لذلك يرفض المجلس الدمج، ويتمسك بالتمركزات، ويحوّل ملف الرواتب إلى قضية تعبئة داخلية، ويقدّم أي محاولة لإعادة هيكلة قواته كاستهداف سياسي للقضية الجنوبية، حسبما ذكره الزرقة.
موقف أبوظبي والرياض
ونوه إلى أن الدور الإماراتي حاضر في خلفية هذه التحركات، فأبوظبي لم تستثمر في المجلس الانتقالي كواجهة سياسية عابرة، بل كأداة نفوذ ميدانية ضمن مشروع أوسع في الجنوب اليمني والساحل والجزر والموانئ وباب المندب.
وقال الزرقة إن استمرار احتضان قيادات المجلس، وفي مقدمتهم عيدروس الزبيدي ورفاقه، يعكس رغبة إماراتية في "حماية هذا الاستثمار وعدم تسليمه للترتيبات السعودية".
فالإمارات ترى أن تفكيك الانتقالي أو تجريده من قوته العسكرية يمنح الرياض فرصة للاستحواذ على رصيد بنته أبوظبي خلال سنوات، سواء في قوات الانتقالي، أو في قوات طارق صالح، أو في الموانئ والجزر والمواقع الاستراتيجية.
أما السعودية، فرأى الكاتب اليمني أنها تدير الملف بمنطق "الامتصاص والتأجيل". وقال إن الرياض رفعت سقفها بعد أحداث حضرموت، ودفعت باتجاه الهيكلة والدمج وضبط القوات داخل مؤسسات الدولة، لكنها لم تحوّل هذا السقف إلى حسم كامل على الأرض.
ووفقا للزرقة فإن تعامل المملكة الحالي يقوم على "احتواء الأطراف وإطالة مسارات الحوار ومراجعة الكشوفات و ربط الرواتب بالإجراءات، وتجنب الصدام المباشر".
وأعتبر أن هذه السياسة تمنح الرياض "هدوءًا مؤقتًا"، لكنها تمنح الانتقالي والإمارات "وقتًا ثمينًا لإعادة التموضع".
وبين الكاتب والسياسي الزرقة أن عودة المجلس الانتقالي المعلن عن حله لا تعبر عن قوة ذاتية كاملة بقدر ما تعبر عن ضعف خصومه وتردد رعاتهم.
ذلك أن المجلس، يتحدث الزرقة أيضا، يستثمر الفراغ والإمارات تستثمر الوقت، بينما السعودية تدير الأزمة بالتأجيل. أما الحكومة تكتفي بغطاء الشرعية من دون حضور فعلي كافٍ، وفق تعبيره.
وفي الأيام الماضية، أعلنت قيادة القوات البرية التابعة للمجلس الانتقالي المنحل، رفضها "دمج تشكيلاتها وإعادة تنظيمها ضمن هياكل وزارة الدفاع"، ورفضها التعامل مع أي أوامر أو تعليمات صادرة عن الحكومة اليمنية.