تحتفل دولة
الاحتلال هذه الأيام بذكرى تأسيسها على أنقاض فلسطين المحتلة، وتتباهى بسلسلة هائلة من الإنجازات الاقتصادية والتكنولوجية، إلا أنها تعاني في الوقت ذاته من أزمات سياسية واجتماعية حادة.
وذكر خبير الشؤون الدولية، دان بيري، أن "
إسرائيل، البالغة من العمر 78 عامًا، تقدم قصتين متناقضتين، أولاهما كونها دولة صغيرة أصبحت قوة تكنولوجية وثقافية واقتصادية عظمى، وثانيهما أزمة عميقة تعاني نظاما سياسيا متصدعا، ومجتمعا منقسما، وقيادة متخبطة تمامًا تُهدد أسسها، وبعد أن قمت بتغطية اندثار دول حول العالم مثل الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، فقد بدت جميعها مستقرة، حتى انهارت".
وأضاف بيري، في مقال نشرته صحيفة "
معاريف"، وترجمته "عربي21" أن "إسرائيل تواجه لحظة حاسمة، واختبار داخلي سيُحدد ما إذا كانت ستنضم لهذه القائمة من الدول المندثرة، لأنها تعيش واحدة من أحلك فصول تاريخها، ولأنها تُدار من قِبَل رئيس وزراء متهم بارتكاب جرائم، وحكومته متطرفة، ذات نزعة خلاصية، ومعادية للديمقراطية".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه "من بين أمور أخرى، تتسبب حكومة اليمين بتعذيب مستمر للعدالة بسبب نقص مئات القضاة، بمن فيهم خمسة في المحكمة العليا، وهو رقم قياسي، لأن وزير القضاء في حالة حرب مع النظام القانوني، ولا يعترف بالرئيس الأعلى للمحكمة، فيما شنّت إسرائيل حربًا مدمرة على غزة، تركت حماس على الأرض، وقتلت عشرات آلاف الأبرياء، وسوّت القطاع بالأرض، وأودت بحياة نحو ألف جندي، ومائة رهينة، وتسببت في ركود دولي غير مسبوق، بجانب التهديد بإجراءات قانونية دولية".
وأكد أن "الدولة تتدهور ليس بسبب ما تقدم فقط من أسباب، بل بسبب تساهلها مع المتشددين دينيًا من الحريديم، الذين يتزايد عددهم بوتيرة سريعة، ويرفضون الاندماج تحت رعاية الحكومة، وهو سلوك كارثي، وأسفر عن كون المجتمع منقسما، منهكا، وقلقا، وبقاء المزيد من الأسئلة الوجودية العالقة في الأجواء، حول صورة النظام السياسي، ومستقبل الصهيونية، وقدرة الدولة على الاستمرار في الوجود على وضعها الحالي".
وأكد أن "هذا السلوك الحكومي يدمر ما حققته الدولة طوال السنوات السابقة من إنجازات اقتصادية، حيث بلغ نصيب الفرد من ناتجها المحلي الإجمالي حوالي تريليوني شيكل، بما يعادل، بسعر الصرف الحالي 65 ألف دولار أمريكي للفرد، وهو أعلى من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، كما تستثمر في التكنولوجيا المتقدمة بمستويات هائلة مقارنة بعدد سكانها، كما ساهمت بأنظمتها الملاحية، وأمنها السيبراني، وزراعتها الصحراوية، وكل ذلك بات مُهددا بالمقاطعات العالمية الأخيرة".
وشرح قائلا إن "المحركات الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية للدولة ستبدأ بالتلاشي، لأنه بدون ازدهار، لن يكون هناك أمن، وإذا أُطيح بهذه الكتلة، فستكون هناك فرصة حقيقية للتصحيح، وستتمكن القضايا التي تم إهمالها أو تحييدها لأسباب سياسية من الحصول على معالجة جادة، محذرا من مخاطر جمة تنتظرها، ومنها التحدّي الديموغرافي من حيث ارتفاع معدلات المواليد في أوساط اليهود المتشددين، وعدم اندماجهم الكافي في سوق العمل والجيش ونظام التعليم الحديث، وهذا ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة فشل سياسي".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن "الخطر الوجودي على إسرائيل لا يقتصر على المشاكل الداخلية، بل التحديات الخارجية، خاصة القضية الفلسطينية، التي حُصِرت بين التطرف واللامبالاة، ويمكن العودة بها لمسار أكثر عقلانية، لأن العنف المستمر في الضفة الغربية ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجة خيارات سياسية، كما يمكن للقيادة الإسرائيلية الجديدة أيضاً إعادة بناء العلاقات مع غالبية اليهود الأمريكيين، الذين شكلوا جزءاً أساسياً من الدعم الواسع لإسرائيل على مر السنين".
وختم بالقول إن "إسرائيل أمام مفترق طرق يتمثل بأنه إذا بقيت كتلة نتنياهو، فستتعمق اتجاهات التآكل، ومعها خطر التفكك الداخلي، وفي رأيي من المشكوك أن تبقى على حالها حتى عام 2048، وسيكون ذلك كارثة، فقد كان لدى الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا بدائل، أما إسرائيل فلا، وإذا ما أُطيح بهذا التكتل اليميني الحاكم، فستُفتح نافذة حقيقية لوقف التدهور، وتعزيز إسرائيل كدولة، وهذه ليست مجرد مناظرة سياسية أخرى، بل مهمة تاريخية، فالأمر لا يقتصر على رفض نتنياهو فحسب، بل أوسع من ذلك بكثير".