عودة لشبح الاغتيالات في عدن وتساؤلات عن خيارات السلطات لوقفها

أكد مراقبون أن "عدن ستبقى رهينة هذه الفوضى ما دام القرار الأمني موزعا بين أكثر من مركز قوة"- جيتي
أكد مراقبون أن "عدن ستبقى رهينة هذه الفوضى ما دام القرار الأمني موزعا بين أكثر من مركز قوة"- جيتي
شارك الخبر
تعيش العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، جنوبا، عودة ملحوظة في شبح الاغتيالات في خضم الترتيبات الأمنية والعسكرية التي تشهدها منذ هزيمة الانفصاليين المدعومين من الإمارات مطلع الجاري.

فبعد أيام من اغتيال رئيس مجلس إدارة مدارس النورس الخاصة، عبدالرحمن الشاعر، هزت عدن جريمة جديدة باختطاف مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، وسام قائد، ومن ثم قتله، ما يثير أسئلة عدة عن معنى استمرار هذه الفوضى في العاصمة المؤقتة، وما الخيارات الحكومية في التعامل مع ذلك.

مشهد شديد الخطورة


وفي السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد الزرقة إن اغتيال عبدالرحمن الشاعر، ثم اغتيال وسام قائد بعد اختطافه، "يضعان المدينة أمام مشهد شديد الخطورة"، فالضحيتان تنتميان إلى فضاء مدني وتعليمي وتنموي، وهذا يعني أن الخوف لم يعد يطارد السياسيين أو العسكريين وحدهم، وإنما امتد إلى الشخصيات المدنية التي تخدم المجتمع وتدير مؤسساته.

وأضاف الزرقة في حديث خاص لـ"عربي21" أنه وعندما يصل العنف إلى هذا المستوى، فإن الرسالة التي يتلقاها المجتمع تفيد أن "الحياة العامة نفسها أصبحت مكشوفة".

وأشار إلى أنه "ستبقى عدن رهينة هذه الفوضى ما دام القرار الأمني موزعا بين أكثر من مركز قوة، وما دامت التحقيقات تنتهي غالبا عند بيانات الإدانة، وما دام كشف الجناة ومحاكمتهم لا يتحول إلى مسار واضح يراه الناس".

اظهار أخبار متعلقة



وبحسب الكاتب اليمني فإن الأمن لا يستعاد بالكلمات، وإنما بقدرة السلطة على منع الجريمة قبل وقوعها، ثم بكشف من يقف وراءها عندما تقع، وبعد ذلك بتقديمه إلى للمحاكمة أمام القضاء بشكل سريع وشفاف.

وأكد على أن الحكومة تتحمل والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية المسؤولية المباشرة وقبل ذلك مجلس القيادة الرئاسي واللجنة العسكرية السعودية التي تتولى إدارة الملف الأمني والعسكري في العاصمة المؤقتة بحسب تفويض العليمي لها مطلع العام الجاري.

وأوضح أن استمرار الانفلات الأمني والتحريض من قبل أطراف تابعة للمجلس للانتقالي المنحل على وجود مؤسسات الدولة في عدن يحتاج لوقفة صادقة وجادة لوقف تلك الحالة من التحريض وخطاب الكراهية والاستقواء بالفصائل المسلحة والمنفلتة.

وقال أيضا، إن السلطة القائمة مسؤولة عن حماية المدينة، وعن ضبط السلاح، وعن إنهاء التداخل في الصلاحيات، وعن إعادة الاعتبار للشرطة النظامية والبحث الجنائي والنيابة والقضاء. وحين تعجز السلطة عن ذلك، فإن شرعيتها تتآكل وتصبح جزء من المشكلة وتفاقم من مخاطر الفوضى.

توحيد غرف العمليات


وبشأن الخيارات أمام الحكومة والسلطات المحلية فقد لفت الزرقة إلى أنها معروفة "تبدأ بإعلان نتائج شفافة في الجرائم الأخيرة، وعلى رأسها اغتيال الشاعر ووسام قائد، ثم "تشكيل خلية أمنية قضائية موحدة تعمل تحت إشراف حكومي واضح، وتضم الشرطة والبحث الجنائي والنيابة، بحيث لا يبقى التحقيق ملفا أمنيا غامضا".

ومن الضروري أيضا، وفقا للكاتب اليمني "توحيد غرف العمليات داخل عدن، وضبط حركة المسلحين، ومنع التجول بالسلاح خارج التكليف الرسمي، ووضع خطة حماية للشخصيات المدنية والعاملين في التعليم والتنمية والخدمات".

وقال الكاتب الزرقة أيضا، إن أي دعم خارجي للملف الأمني في عدن ينبغي أن يرتبط "بالمساءلة وسيادة القانون، لا بزيادة عدد التشكيلات أو تمويل أجهزة جديدة".

وتابع بأن المدينة تحتاج إلى "مؤسسة أمنية واحدة"، وسلسلة قيادة واضحة، وقضاء حاضر، وإلى إعلان دوري للرأي العام عن مسار التحقيقات، مؤكدا أن الصمت بعد كل جريمة يضاعف الخوف، ويمنح الجناة شعورًا بأن الوقت كفيل بطيّ الملف.

اظهار أخبار متعلقة



وأردف قائلا : المشكلة الأساسية تكمن في غياب المساءلة والمسؤولية وبقاء الحكومة والرئاسة والمؤسسات الدستورية والقانونية غائبة وخارج البلاد". كما أن بقاء الفراغ الأمني المتمثل في عدم وجود جهاز للأمن السياسي والقومي والاكتفاء بالتعيينات الشكلية مع بقاء المسئولين عنها في الرياض دليل على عدم جدية تثبيت الأمن والاستقرار واستعادة المؤسسات وقبل ذلك حماية الناس من الجريمة والقتلة الذين يسرحون في العاصمة بدون رادع أو خوف.

وشدد على أن عدن لا تحتاج إلى بيانات تعزية إضافية بقدر ما تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعيد الأمن إلى يد الدولة. حماية المدينة اليوم اختبار حقيقي للحكومة والسلطات المحلية، واختبار لمعنى العاصمة المؤقتة نفسها.

وختم حديثه قائلا : "إذا بقيت الجرائم تمر بلا محاسبة معلنة، ستتحول الفوضى من حدث طارئ إلى قاعدة حكم، أما إذا جرى كسر حلقة الإفلات من العقاب"، فستبدأ عدن باستعادة بعض الثقة التي فقدها الناس في الدولة ومؤسساتها.

من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية وباحث أول بمركز المخا للدراسات الاستراتيجية، إسماعيل السهيلي إنه للأسف الشديد من المتوقع أن تستمر وربما تتصاعد الاغتيالات في مدينة عدن.

وأضاف السهيلي في حديثه لـ"عربي21" إن ذلك يعود إلى أن "البيئة الأمنية والسياسية مهيأة لذلك"، في ظل تسييس واضح للملف الأمني، وضعف المنظومة القضائية والجنائية، واستمرار فوضى السلاح، وتعدد التشكيلات الأمنية والعسكرية المنتشرة في عدن ومداخل المدينة. إضافة إلى "بيئة سياسية تسمح بتأثيرات أجندات لقوى محلية وإقليمية تستثمر في هذا الوضع الهش".

ماهي الخيارات؟


وأما بالنسبة للخيارات المتاحة أمام السلطات المحلية والحكومة المعترف بها دوليا، فبحسب الباحث اليمني بمركز المخا للدارسات الاستراتيجية فإن الأمر "يتطلب تغيير زاوية النظر إلى حوادث الاغتيالات"، بحيث لا يُكتفى بالتعامل معها كحوادث جنائية، بل "كمؤشر على خلل سياسي وأمني أعمق يرتبط بوظيفة الدولة في تحقيق الأمن والعدالة".

اظهار أخبار متعلقة



وأكد على ضرورة العمل على بناء "جهاز أمني موحد" وقادر على ضبط الجناة، وكشف الجهات التي تقف خلفهم تخطيطا وتمويلا وحماية، بالتوازي مع إيجاد منظومة قضائية (نيابة وقضاء) فعالة ومستقلة، قادرة على المحاسبة وإنزال العقاب بعدالة ناجزة، بما يسهم في تجاوز حالة الإفلات من العقاب التي سادت خلال الفترة الماضية.

وشدد الأكاديمي اليمني على ضرورة "قيام مجلس النواب بوظيفته في المساءلة والرقابة على أداء الأجهزة الأمنية"، ومحاسبة المقصرين، مشيرا إلى أهمية إعلان نتائج التحقيقات البرلمانية بشفافية أمام الرأي العام اليمني والعربي والدولي، بما يسهم في إعادة الثقة بمؤسسات الدولة.

وفي وقت سابق من إبريل/ نيسان الماضي، اغتال مسلحون القيادي بحزب الإصلاح ( فرع عدن) ورئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، عبدالرحمن الشاعر، قرب مقر المدرسة في منطقة كابوتا بمدينة المنصورة، وسط عدن.

والأحد، قتل القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية اليمني، وسام قائد، بعد تعرضه للاختطاف من جوار منزله في مدينة إنماء. وقد أقدم مسلحون مجهولون كانوا يستقلون سيارة زرقاء على اعتراضه تحت تهديد السلاح، واقتياده بالقوة، بينما تولى أحد المسلحين قيادة سيارته الخاصة. وبعد ساعات، عثرت الأجهزة الأمنية على جثته داخل مركبته في منطقة الحسوة غرب عدن.

وأظهر تسجيل مصوَّر متداول لحظة تنفيذ عملية الاختطاف، في مشهد أثار موجة غضب واستياء واسعين، وسط مطالبات بتسريع التحقيقات، والكشف عن هوية المنفِّذين والجهة التي تقف خلف العملية؛ خصوصاً أن الضحية لم يكن شخصية سياسية ولا أمنية؛ بل كان أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمشروعات التنمية والتمويل المجتمعي في اليمن.
التعليقات (0)