في
المقالات السابقة، رسمنا خريطة العدو الخارجي، وكيف يبني أدواته ويمارس سيطرته، ثم
وضعنا تصورا للأنماط البشرية القابلة للاستلاب، لكن خريطة العدو وحدها لا تكفي.
النصر لا
يتحقق بمعرفة خطط الخصم فحسب، بل بمعرفة كيف تُستغل بعض الظواهر البشرية المنتشرة
(المعرفية والوجدانية والوجودية)، والتي يحوّلها مهندسو
الوعي من واقع
إنساني معاش
إلى أدوات تدجين، منتجين بذلك
سلوكيات إن فُصلت عن ضوابطها القيمية قد تصبح
انحرافات أخلاقية.
نعم، هناك
مهندسو وعي، وهناك مشغلون أصحاب مصالح، وهناك أموال ضخمة واستراتيجيات معقدة، لكن
لا مهندس بلا ثغرة، ولا مختبر بلا باب خلفي يفتحه له صاحب البيت نفسه.
وفي هذا
الرصد نحن لا نناقش الانحرافات السلوكية الفردية كالسادية، ولا الاضطرابات النفسية
المتخصصة كالنرجسية، ولا حتى السمات الأخلاقية المذمومة كالكذب؛ فهذه سماتٌ تخص
بنية الفرد وتركيبته الذاتية، إنما ينصبُّ تركيزنا على الظواهر النفسية والإدراكية
المشاعة بين الناس جميعا، والتي وُجدت في الأصل لغاياتٍ حيوية كحماية الذات أو
توفير الطاقة الذهنية.
خطورة هذه
الظواهر لا تكمن في كونها مرضا، بل في كونها عرضة لأن تكون مواطن ضعف إذا استهدفها
مهندسو الوعي، وبالتالي تصبح قابلة للاختراق.
خطورة هذه الظواهر لا تكمن في كونها مرضا، بل في كونها عرضة لأن تكون مواطن ضعف إذا استهدفها مهندسو الوعي، وبالتالي تصبح قابلة للاختراق
وليس
مهندسو الوعي بمفردهم من يستغل تلك الظواهر، فالكثير منا وعلى كل المستويات
يمارسون هندسة الوعي عن طريق اختراق المحيطين. وقد نكون فاعلين في قضية ومفعول بنا
في أخرى، فهندسة الوعي عملية عابرة للمجتمعات، يمكن أن يمارسها تلميذ على زميله،
أو حكومة على شعبها، أو منظمة سرية على إقليم جغرافي بأسره.
ويمكننا
تفكيك الظواهر القابلة للاختراق في عمليات هندسة الوعي، وتحليلها من خلال ثلاثة
مستويات متداخلة، كل منها يضم سبع ظواهر رئيسية:
أولا:
المستوى الإدراكي
في هذا
المستوى، يتعامل مهندس الوعي مع العقل البشري كجهاز معالجة بيانات له حدود وطاقة
قصوى. الاستراتيجية هنا هي الاختراق عبر خطوط المقاومة الدنيا.
فلنتأمل
هذا المشهد المتكرر الذي نعيشه جميعا: متابع
للأخبار يفتح هاتفه في الساعات الأولى لاندلاع جولة صراع بين المقاومة الفلسطينية
وجيش الاحتلال الصهيوني، يمر أمامه خبر عاجل على لسان المتحدث باسم جيش الاحتلال
يتحدث عن وقوع فظائع ارتكبتها المقاومة. الخبر يتصدر القنوات العالمية ومواقع
التواصل، ويتبعه سيل من الصور المشوشة وعناوين تتحدث عن تهديد للأمن العالمي وقيم
التحضر. في غضون دقائق، يمتلئ الفضاء الرقمي بتصريحات قادة سياسيين ينددون بالحدث،
ومشاهير يعلنون تضامنهم مع الكيان الصهيوني، مع عرض قصص فردية مؤثرة لجندي مصاب أو
عائلة مذعورة. ووسط هذا الضجيج، تُقدم تحليلات تدعي العمق، تصف ما يحدث بمصطلحات
معقدة تزيد من الارتباك الذهني.
هذا
المشهد المصنوع بعناية يهدف إلى حجب الحقيقة المجردة التي هي خلاف ذلك تماما،
وأمام هذا الضغط الهائل بين الرواية المهندسة والحقيقة المغيبة، يجد المتابع نفسه
محاصرا أمام خيارين: إما أن يصدق السردية التي تكررت أمامه مئات المرات مدعومة
بإجماع المشاهير، أو أن يصمت خوفا من التخوين والنبذ. وربما يختار طريقا ثالثا:
وهو الهروب والغرق في تفاصيل تقنية حول عدد الشاحنات وحجم الدمار لينسى جوهر
القضية. وفي النهاية، يصل لمرحلة يرى فيها صور الأشلاء والأطفال الممزقين خلف
الشاشة كخلفية يومية مألوفة لا تستدعي التوقف، بل يذهب للبحث عن تبرير أخلاقي
يُقنعه بأن الضحية هي المسؤول الأول عن موتها.
إن ما حدث
في هذا المثال ليس صدفة، بل هو مثال متكرر في مجالات ومناحي متعددة، نقع فيه
جميعنا بشكل أو بآخر (وأنا أولكم)، نتيجة خليط من الظواهر البشرية التي يستغلها
مهندسو الوعي؛ ليصنعوا أنماطا سلوكية تدعم أهدافهم.
تبدأ
العملية باستغلال الميل الفطري لتوفير الطاقة الذهنية؛ فالدماغ كائن بخيل معرفيا،
يبحث دائما عن الإجابات الجاهزة لتجنب عناء التحليل العميق. هنا يتدخل المهندس
ليغذي هذا الميل بتكرار مفرط لمعلومات محددة، مستغلا حقيقة أن العقل يميل لتصديق
ما يألفه، وبمجرد أن تستقر المعلومة، ينشط التحيز التأكيدي كحارس شخصي، فيقوم
بفلترة الواقع ليتناسب مع ما تم زرعه، محققا للإنسان شعورا زائفا بالسيطرة على
الغموض؛ فالعقل يكره الفراغات المعلوماتية ويفضل كذبة كاملة على حقيقة ناقصة.
ولإتمام
الإحكام، يتم تغليف الأفكار الدخيلة بتشابهات مضللة مع قيم المجتمع الثابتة،
وتُمرر عبر نمذجة لشخصيات كاريزمية (نجوم، خبراء، مؤثرين) يقلدهم الجمهور بلا وعي.
والنتيجة النهائية هي حالة من تجزئة الإدراك، حيث ينشغل المجتمع بتحليل الأجزاء
والغرق في تفاصيل الهوامش والفضائح اليومية، بينما تمرر المشروعات الكبرى من فوق
رؤوسهم لأنهم فقدوا القدرة على رؤية النسيج الكلي للواقع.
ثانيا:
المستوى الوجداني
إذا كان
المستوى الإدراكي يستهدف المعالج، فإن المستوى الوجداني يستهدف الوقود الذي يحرك
الإنسان. الهدف هنا هو تعطيل المنطق عبر الشحن العاطفي.
تخيل
أحدهم وهو يجلس في لحظة صفاء مع عائلته، ينظر إلى أطفاله وهم يلعبون بأمان، وفجأة
يقتحم ذهنه تساؤلٌ غرسَه إعلانٌ شاهده للتو أو اتصالٌ من مندوب مبيعات وثائق تأمين:
ماذا لو حدث لك شيءٌ غدا؟ في تلك اللحظة، يتبخر هدوؤه ويحل محله خوفٌ وجدانيٌّ
خانق؛ ليس خوفا على نفسه، بل خوفا من فكرة العجز عن حماية من يحب، وقلقا من أن
يتركهم رحيله المفاجئ في مواجهة عالمٍ لا يرحم.
هنا، يبدأ
مهندس الوعي في العزف على أوتار الذنب والمسؤولية المفرطة، يُصور له أن حبه
لعائلته لا يكتمل، وأن أمانهم يظل ناقصا، ما لم يقتن تلك الوثيقة التي تَعِدُه
بشراء المستقبل. يتحول الأمر من تدبيرٍ مادي عقلاني إلى هوسٍ انفعالي؛ فيشعر بضغطٍ
نفسي يوهمه بأن القدر يمكن ترويضه بورقة، وأن موته أو مرضه سيصبح أقل وطأة إذا كان
مغطى برقمٍ مالي.
هو هنا لا
يشتري عقدا قانونيا، بل يشتري مسكنا لقلقه وحقنة مخدرة لخوفه الفطري من الفناء
والضياع. وتحت وطأة هذا الابتزاز العاطفي، تنهار قدرته على رؤية الحياة بمرونتها
وفطرتها، ليجد نفسه يدفع أقساطا باهظة من عرق يومه، ليس استثمارا في الحاضر، بل
قربانا لدفع القلق الذي صنعه له المهندس. هو هنا يشتري راحة بالٍ زائفة، هاربا من
مواجهة الحقيقة المؤلمة: أن أقدس مشاعره تجاه أمان عائلته قد تم تحويلها إلى فخٍ
محكم، يقتات على رعبه من المجهول ليحوله إلى أرقام في حسابات شركاتٍ باعت له وهم
السيطرة على القدر في وثيقةٍ أنيقة.
يُعد
الخوف هو الأداة الأقدم والأكثر فتكا؛ فعندما يُحاط الإنسان بتهديدات وجودية
(حقيقية أو متخيلة)، يتراجع العقل التحليلي لصالح دماغ البقاء، مما يدفع الفرد
للهروب نحو الانتماء الاجتماعي والذوبان في الجماعة بشكل راديكالي، حيث يصبح صوت
القطيع هو الملاذ الوحيد من النبذ.
وفي ظلال
هذا الخوف، يقدّم المهندس تفسيرات جاهزة لتفسير الفشل الجمعي، عبر تحويل الغضب نحو
عدو خارجي أو أقلية داخلية، مع استدرار التعاطف الإنساني وتوجيهه بدقة نحو ضحايا
مختارين لخدمة الرواية، بينما يتم حجب التعاطف عن آخرين.
ومع
الاستمرار في ضخ الأزمات، تنهار محدودية الطاقة النفسية للفرد، ويصل لمرحلة
الاستسلام المكتسب أو يندفع نحو تطرف عاطفي حاد، حيث لا مكان للمشاعر الوسطية؛
فإما حب مطلق أو كراهية مطلقة. وفي نهاية المطاف، يتم استغلال الحنين إلى بساطة
مفقودة (الزمن الجميل المتخيل) لضرب الحاضر وتيئيس الناس من أي محاولة للإصلاح،
ليصبح الماضي هو المخدر الذي يمنع بناء المستقبل.
ثالثا:
المستوى الوجودي
هذا هو
المستوى الأكثر عمقا وخطورة، حيث يتم التلاعب بالأسس التي يقوم عليها تعريف
الإنسان لنفسه وللكون. الغرض هنا هو استعمار الروح.
تأمّل
إحداهن وهي تقع تحت سحر السرديات الحديثة التي تُزين لها اللاإنجابية ورفض القوامة
الفطرية للزوج كقمة الوعي والاستقلال؛ حيث يُصور لها الطفل والأسرة كأعداءٍ
لنجاحها، وعوائق ثقيلة تستنزف جمالها ووقتها وطموحها المهني. تجد نفسها منجذبة
لخطابٍ يهمس لها ليل نهار: "أنتِ ملكُ نفسكِ فقط، وأن قيمتكِ تكمن في قدرتكِ
على المنافسة المادية والاكتفاء الذاتي المطلق"، فتتبنى هذا التوجه ظنا منها أنها تتحرر من قيود التاريخ، بينما
هي تقتلع جذورها بيديها.
لكن،
عندما تقف وتتأمل ما يحدث لها حين ينجح مهندس الوعي في إقناعها بقطع سلسلة الحياة
وتفكيك حصن الأسرة؛ حين تختار الانغلاق على ذاتها المتحررة، تجد نفسها فجأة قد
تحولت إلى المستهلكة المثالية. فالفراغ العاطفي والوجودي الذي خلّفه غياب الامتداد
البشري والسكينة الأسرية لا يبقى فراغا، بل يملؤه المهندس بهويات بديلة باردة؛
فيدفعها لإنفاق عمرها في مطاردة معايير جمالٍ مستحيلة، أو شراء مكانة اجتماعية عبر
سلعٍ لا تنتهي، لتعوض بها جوع المعنى في روحها.
وبسبب
حاجتها للاتساق مع صورتها كمرأة مستنيرة وقوية، ترفض رؤية الحقيقة القاسية؛ وهي
أنها أصبحتِ أكثر هشاشة ووحدة أمام تغول المنظومات التي لا تراها إلا وحدة إنتاجية
تنتهي صلاحيتها بانتهاء قدرتها على العطاء المادي. في نهاية المطاف، تجد أن تلك
الحرية المطلقة لم تكن إلا عملية تجريف لغريزة الأمومة والخلود فيها، جردتها من
أعظم أدوارها الروحية لتجعلها كائنا يعيش وحيدا ويموت وحيدا، وهو ما يجعلها أكثر
قابلية للتدجين، تظن أنها تحلق في فضاء الاختيار، بينما هي تسقط في جاذبية العدم
التي صممها لها المهندس بعد أن أقنعها بأن أجمل ما في وجودها هو إلغاء أثرها.
يستغل
المهندس جوهر الإنسان المتمثل في البحث عن المعنى، فيقوم بتجريف المعاني السامية
وزرع أصنام حديثة (المادية، الاستهلاك، القومية المتطرفة.. إلخ) لتكون هي الغاية. ويتم
إغراء الفرد بالرغبة في التميز والاعتراف، عبر إيهامه بأن تبني هذه السرديات يجعله
ضمن النخبة أو المستنيرين، وبمجرد أن يتبنى الفرد هذه الهوية، تعمل الحاجة للاتساق
الذاتي على منعه من التراجع؛ فالاعتراف بالخطأ هنا يعني انهيار الهوية الشخصية.
وجود تلك الظواهر وتأثرها بالتلاعب؛ دليل على أن المخلوق البشري محدود بطبيعته. وقد أخبرنا الله تعالى بذلك في القرآن الكريم
ولإغلاق
الدائرة، يُقدم المهندس اليقين والوضوح المزيفين في عالم معقد، مستغلا احترام
الإنسان الفطري للعمق المعرفي عبر حشو السرديات بمصطلحات علمية أو فلسفية معقدة
توحي بالرهبة وتمنع النقد. ثم يتم ترويض الإرادة عبر الرجاء الكاذب بانتظار مخلص
أو حل سحري، وصولا إلى قمة الهندسة الوجودية: وهي الانضباط المنهجي المادي الذي
يختزل الإنسان في مجرد ترس في آلة، ويقنعه بأن حقيقته ليست سوى تفاعلات كيميائية
وغرائز حيوانية، مما يجرده من سلاح الإرادة الحرة ويجعله مادة خاما سهلة التشكيل
في مصانع الوعي.
في
الختام، لا بد وأن نتفق على أن التلاعب المتعمد باستخدام هندسة الوعي ليس الفاعل
في كل المواضع والأوقات، فهناك نسبة معتبرة من التأثيرات تحدث بسبب الديناميكيات
الاجتماعية التلقائية أو الأنظمة الاقتصادية أو الخوارزمية الناشئة.. إلخ.
ووجود تلك
الظواهر وتأثرها بالتلاعب؛ دليل على أن المخلوق البشري محدود بطبيعته. وقد أخبرنا
الله تعالى بذلك في القرآن الكريم فقال: "يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ
عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا". هذا الضعف ليس نقصا في التكوين، بل
هو حقيقة المخلوقية التي تفتح باب الافتقار إلى الخالق؛ ولأن استمرار هذا الضيق
دون مدادٍ إلهي يقلب حياة الإنسان إلى جحيم، فقد جبر الله هذا الضعف ودعمه وقواه
بالوحي والرسل، وجعل ذلك سببا في تزكية الناس وتعليمهم الحكمة، فقال تعالى "هُوَ
الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ".
وبناء على
هذا الفهم، فإن
التحرر الحقيقي يبدأ بمواجهة الذات قبل مواجهة العدو؛ فالأزمة ليست
في امتلاكنا لهذه الظواهر البشرية، بل في الغفلة عنها وتركها دون حماية أو دروع
معرفية وروحية. إن النجاة تبدأ من لحظة الوعي بكيفية الاختراق من الداخل، وفهم تلك
المسارات التي يتسلل منها مهندسو الوعي وغيرهم ليحكموا قبضتهم على العقول.
شكرا
لصبرك معنا في هذه السلسلة التأسيسية، فما زلنا نبني معا خريطة للذات قبل أن نواجه
العدو، وفي المقالات القادمة، سنرى طريقة اختراق كل ظاهرة منها على حدة، وكيف
تستخدم هذه الظواهر في بناء الأنماط البشرية القابلة للاستلاب، وذلك تمهيدا لطرح
الاستراتيجيات والآليات المستخدمة في هندسة الوعي ثم التفرغ لبناء دروع الحماية
والوقاية.