قراءة في وعيد "شر قد اقترب" وهندسة النجاة العربية من الحرب في المنطقة

محمد الشبراوي
"محاولة كبرى لهندسة المنطقة قسريا، وإيقاع العواصم العربية في فخ الاستقطاب الحاد والنزيف الممنهج"- جيتي
"محاولة كبرى لهندسة المنطقة قسريا، وإيقاع العواصم العربية في فخ الاستقطاب الحاد والنزيف الممنهج"- جيتي
شارك الخبر
حين دخل النبي ﷺ على زوجه أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها فزعا وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب"، لم يكن ذلك مجرد إخبار غيبي عابر انقضى بانقضاء زمن النبوة، بل كان تدشينا لمنهجية نبوية صارمة في قراءة التحولات الكبرى؛ قوامها الفزع الواعي، والربط العضوي بين تخلخل الموازين الإيمانية وبين تداعي الكتل الجيوسياسية. واليوم، نحن نرقب المشهد في الشرق الأوسط، والمواجهة العسكرية المباشرة والواسعة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وأُعلن مؤخرا عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف بين واشنطن وطهران، قيل إنه لا يتضمن إنهاء الحرب، في الوقت الذي تظل جبهات أخرى على صفيح ساخن مثل لبنان.

أمام هذه الحرب وتلك الهدنة الهشة والجبهات الساخنة، نجد أنفسنا أمام التجسد الأكثر دقة لمفهوم "الشر الذي اقترب"، متخذا شكل "حرب بلا مركز" تشتعل جبهاتها من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى العمق الإيراني، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب.

هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ليست مجرد جولة عسكرية لتفكيك برنامج نووي أو تقليص نفوذ إقليمي، بل هي محاولة كبرى لهندسة المنطقة قسريا، وإيقاع العواصم العربية في فخ الاستقطاب الحاد والنزيف الممنهج. هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى قراءة مختلفة تتجاوز القراءات السياسية السطحية نحو تفكيك هذا المشهد الملتهب بلغة تجمع بين رصانة التحليل السياسي وعمق البصيرة الإيمانية، مقتفين في ذلك أثر السيرة النبوية المطهرة والتاريخ الإسلامي في إدارة مثل هذه الأزمات الوجودية.

تشريح المأزق: فوضى مدارة وأهداف زئبقية

في مقال سابق لنا بعنوان: "الحرب على إيران.. كيف تتجنب العواصم العربية فخ المحرقة الكبرى؟"، أجدني في حاجة لاقتباس مطول مما أوردناه في ذلك المقال، حيث أشرنا إلى أن المشهد الميداني الحالي يكشف عن سقوط مدوٍ لفرضية "الحسم العسكري السريع" التي بشر بها صقور الحرب في واشنطن وتل أبيب. فرغم الكثافة النارية الهائلة، أثبت الواقع أننا أمام حرب استنزاف طويلة الأمد، تتسم بـ"الشبكية"؛ حيث لم تعد المعركة محصورة في جغرافيا محددة، بل تمددت لتجعل من القواعد العسكرية والممرات المائية في المنطقة أهدافا مفتوحة. وأوضحنا في صلب المقال أن جوهر الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية في هذه الحرب يتحرك وفق مسارات مدروسة بعناية: أولها تصفية الفائض من القوة الإقليمية لإخراج إيران مثخنة بالجراح وفاقدة للقدرة على التأثير، وثانيها فرض الاصطفاف بالإكراه على الدول العربية، عبر سحبها من منطقة "الحياد الإيجابي" أو "الوساطة" إلى أتون المعركة. وثالثها تطبيق تكتيك "الفوضى المدارة"؛ لإبقاء المنطقة في حالة غليان مستمر تبرر استمرار الوصاية الأمنية الغربية والتحكم في مسالك الطاقة العالمية.

وقد حذرنا في ذات المقال من أنه هنا يكمن الفخ الحقيقي للدول العربية؛ تحويل جغرافيتها إلى "صندوق بريد" لتصفية الحسابات، واستنزاف مقدراتها الاقتصادية التي بنيت على مدى عقود، وإجبارها على المفاضلة بين خيارين كلاهما مر: إما الانخراط الكامل في المحور الغربي-الإسرائيلي بكلفته الأخلاقية والتاريخية الباهظة، وإما الانكفاء السلبي الذي يهدد أمنها القومي.

بين الماضي والحاضر: عبقرية إدارة الأزمات في التاريخ الإسلامي

إن قراءة مآزق الحاضر تظل قاصرة ما لم تسترشد بعبقرية إدارة الأزمات في صدر الإسلام والتاريخ الذي تلاه، فالتاريخ يعيد إنتاج جوهر الصراعات وإن اختلفت الأدوات. حينما واجهت الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة خطر الاستئصال في غزوة الأحزاب (الخندق)، تضافرت القوى القرشية واليهودية والقبائلية في تحالف عريض يشبه إلى حد بعيد التحالفات الدولية المعاصرة. في تلك اللحظة الحرجة، وصف القرآن الكريم الحالة النفسية والواقعية بدقة مذهلة: "إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا" (الأحزاب: 10).

في ذلك المأزق الوجودي، لم يركن النبي ﷺ إلى الوعظ المجرد، بل زاوج بين "العقيدة السليمة" و"الواقعية السياسية والعسكرية المبتكرة". وقد لجأ النبي ﷺ إلى حفر الخندق كفكرة دفاعية غير مألوفة في التكتيك العربي آنذاك لتحييد التفوق العددي للعدو، وفي الوقت ذاته، مارس مناورات دبلوماسية معقدة لفك ارتباط قبيلة غطفان عن قريش عبر تقديم تنازلات اقتصادية مرحلية. هذه العبقرية السياسية تثبت أن النجاة من الفخاخ الكبرى تتطلب عقولا مرنة قادرة على الابتكار الدفاعي والدبلوماسي، وليس مجرد ردود أفعال انفعالية.

وفي مرحلة لاحقة من التاريخ الإسلامي، وتحديدا إبان الفتنة الكبرى التي تلت استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، برز فقه إسلامي عظيم يدعو إلى "كف اليد" عند اشتباه الأمور وتداخل الجبهات. وهو ما تؤكده روايات الحديث النبوي المتعددة التي أوردها المحدثون كالإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث حذر النبي ﷺ من فتنة "عمياء صماء بكماء"، وأكد أن "المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر"، موجها إلى أن "القاعد فيها خير من القائم..". إن هذا الفقه التاريخي لا يعني السلبية أو الهروب من المسؤولية، بل يعني رفض الانجرار إلى معارك بالوكالة تُحرق فيها مقدرات الأمة لخدمة أجندات غريبة عنها.

المخرج والحل: هندسة النجاة في زمن الانكسار

إذا كانت الأدبيات النبوية والقرآنية قد شخصت الداء وحذرت من "الشر الذي اقترب"، فإنها في ذات الوقت قدمت بوصلة واضحة للتعامل مع مثل هذه المآزق الكبرى. إن خروج المجتمعات والعواصم العربية من هذا المأزق الإقليمي الراهن يتطلب خريطة طريق ترتكز على محاور شرعية وسياسية متكاملة:

أولا: التحصن بالتوحيد والعقيدة كدرع سياسي؛ إن لجوء النبي ﷺ في حديث الفزع إلى إعلان التوحيد: "لا إله إلا الله، ويل للعرب.."، يمنحنا إشارة بالغة الدقة؛ فالعقيدة السليمة ليست مجرد طقوس تعبدية، بل هي منطلق للتحرر من الخوف من القوى الإمبريالية المتجبرة، وإدراك أن موازين القوة المادية ليست مطلقة. إن تحصين المجتمعات بالوعي الإيماني يمنح الشعوب والحكام مناعة ضد الهزيمة النفسية، ويدفعهم إلى اتخاذ قرارات سيادية نابعة من مصالحهم لا من إملاءات الخوف.

ثانيا: التمسك الصارم بمبدأ "الحياد السيادي والجغرافي"؛ فانطلاقا من التوجيه النبوي في الفتن بـ"كف اليد"، يجب على الدول العربية أن تتبنى موقفا جماعيا صُلبا يرفض استخدام الأجواء أو الأراضي أو القواعد العسكرية المنبثة في جغرافيتها كمنطلق لأي عمل عسكري ضد أي طرف في هذا الصراع. إن تحويل الجغرافيا العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات يسلبها سيادتها ويجعلها هدفا مشروعا للرد المتبادل، وهو ما يجب رفضه علنا وبشكل رسمي.

ثالثا: تفعيل "الدبلوماسية الوقائية" وبناء الكتل الإقليمية؛ فالقرآن الكريم يرشدنا إلى الجماعية في مواجهة الأزمات، والتاريخ الإسلامي يزخر بالتحالفات التي أوقفت التدهور الذي عانت منه الأمة. إن التحركات الدبلوماسية العربية والإقليمية المشتركة يجب أن تتبلور في جبهة موحدة تضغط في المحافل الدولية لإيقاف هذا الجنون العسكري، لأن الحل في هذه المنطقة لا يمكن أن يكون بالبارود الأمريكي ولا بالمغامرات الإسرائيلية، بل بترتيبات أمنية تنبع من مصالح دول المنطقة وشعوبها.

رابعا: تحصين العمق الاقتصادي وتحقيق التكامل؛ فقد علمنا الإسلام أن الأمن الغذائي والاقتصادي صنو للأمن الروحي؛ "الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآَمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ" (قريش: 4). في ظل استهداف منشآت الطاقة وتهديد سلاسل الإمداد في المضايق الحيوية، بات لزاما على العواصم العربية تسريع وتيرة التكامل الاقتصادي البيني، وتأمين ممرات بديلة، وتفعيل خطط الطوارئ لتجنيب شعوبها ويلات التضخم والركود التي يراد للمنطقة الغرق فيها.

خاتمة

إن المشهد الحالي في الشرق الأوسط يؤكد أننا نعيش في قلب زلزال جيوسياسي حقيقي يهدف إلى بعثرة الأوراق وإعادة إنتاج التبعية. إن سياسة حافة الهاوية التي تُمارس اليوم ضد إيران ليست إلا الفخ الذي نصب لاستدراج الجميع إلى محرقة كبرى لا تبقي ولا تذر.

لكن الرد على هذا الفخ لا يكون بالانفعال اللحظي ولا بالاستسلام لليأس، بل بالعودة إلى تلك الروح النبوية المتزنة التي تجمع بين الفزع الإيجابي والتحرك العملي المدروس. إن العواصم العربية تملك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، فرصة تاريخية لتقول "لا" واضحة لمشاريع التدمير والهيمنة، وأن تفرض توازنا عاقلا يحمي إنسانها ومستقبلها، مستلهمة من تاريخها الممتد أن كبوة الأمة لا تعني نهايتها، وأن النجاة تصنعها الإرادة الصلبة والوعي المكتمل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)