يؤكّد العلماء
وجود مئات الأنواع من حشرات السوس التي تُلحق الضرّر بالحبوب والفواكه والخضراوات
والأخشاب، وتنشر بذلك الإزعاج في حياة الناس، وتكبّدهم، ودولهم، خسائر ماليّة بمليارات
الدولارات سنويّا. وأغلبيّة هذه الحشرات يَصعب معالجتها إلا بالإتلاف التامّ
للمحاصيل والموادّ المتضرّرة، وذلك لصعوبة الوصول لأماكنها ولقدرتها على الاختباء.
وقد وَرَدَ في
الأثر: "العيالُ أَرَضَةُ المَال"، وبمرور الزمن استُعير لفظ الأرَضَة والسوسة
للدلالة على الفاسدين والمختلسين لأنّهم يستهلكون موارد الدولة والناس بالسرّ
والظلام!
ومنذ الأشهر
الأولى للاحتلال الأمريكيّ عام 2003 يُعاني
العراق من سُوسة
الفساد الماليّ
والإداريّ. وذكر مسؤول في النزاهة العراقيّة نهاية أيّار/ مايو 2026 أنّ "خسائر
الفساد وهدر المال العامّ لنحو عقدين تجاوزت 800 مليار دولار"!
واليوم هنالك
4500 مشروع مُتلكّئ، ومئات المعامل والشركات الوهميّة، وآخرها، الأسبوع الماضي،
تمّ اكتشاف 50 شركة إسفلت وكبريت وهميّة تشتري الموادّ الأوليّة بالسعر الرسميّ
المدعوم وتُهرّبه لخارج البلاد!
حينما يكون الفساد جزءا من كيان الدولة فلا يمكن لا لرئيس حكومة بغداد ولا لغيره أن يُعالجوا الموضوع بسهولة؛ لأنّ الفساد الحاليّ مُتجذّر بالمؤسّسات الرسميّة ولا يُعالج إلا بالاقتلاع الجذريّ المدعوم قانونيّا
وعموم الفساد تُديره
شبكات مدعومة، وحيتان قاتلة. وقبل سنوات كُشِفت بعض قضايا الفساد المذهلة، ومنها
"سرقة القرن" المرتبطة برجل الأعمال نور زهير، والمتعلّقة باختلاس 2.5
مليار دولار من أموال الأمانات الضريبيّة وبصكوك وهميّة، ورغم القبض على زهير في العام
2022 أطلق سراحه بكفالة ماليّة مشروطة بتسليم كامل الأموال المسروقة. وبمرور الأيّام
ذابت القضية، بشخوصها وأموالها، في دهاليز وأدراج السياسة والقضاء، وزهير اليوم حرّ
طليق لأنّه جزء من منظومة مخترقة للدولة!
وبعد أسابيع من
تسنّمه المنصب وجّه رئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي يوم 30 أيّار/ مايو 2026،
بتشكيل "المجلس السياديّ للنزاهة واسترداد المال العامّ".
وسبق لرؤساء
الحكومات المتعاقبة بعد العام 2003 أن شَكّلوا ذات المجالس، حيث شَكّل نوري
المالكي "المجلس الاستشاريّ لمكافحة الفساد" (2007)، وأسّس حيدر العبادي
"المجلس الأعلى للفساد" (2016)! وَشَكّل عادل عبد المهدي "المجلس
الأعلى لمكافحة الفساد" (2018)، وأسّس مصطفى الكاظمي "اللجنة العليا
للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى" (2020)، وأطلق محمد شياع السوداني
"الهيئة العليا لمكافحة الفساد" (2022)، وجميع تلك الحكومات والكيانات فشلت
في معالجة آفة الفساد الناخرة لجسد الدولة والساحقة لأموال المواطنين.
ويحتلّ العراق حاليّا
المرتبة 136 عالميّا (من بين 182 دولة) بمؤشّر مدركات الفساد الصادر عن منظّمة
الشفافيّة الدوليّة، مُسجّلا 28 نقطة من أصل 100 في المؤشّر للعام 2025!
ومرتبة العراق فيها
مجاملة واضحة لبغداد؛ لأنّ الواقع مُخيف وبحاجة لسنوات عديدة لمكافحة الفساد
ومعالجته.
وفي أحدث تطوّرات
ملفّات حيتان الفساد الماليّ اعتقلت الداخليّة العراقيّة وكيل وزير النفط لشؤون التصفية
عدنان الجميلي، يوم 30 أيّار/ مايو 2026، وضُبطت لديه أموال نقديّة تُقدَّر بعشرة
ملايين دولار، و20 عقارا وأسلحة متنوّعة، وقال رئيس الحكومة العراقيّة للصحفيّين: إنّ
"الجميلي عَرَضَ عليه رشوة بـ200 مليون دولار لغلق القضيّة"!
فمن أين امتلك
الجميلي هذه الجرأة بمحاولته رشوة رئيس الحكومة؟! وَمَن أبلغ الزيدي بالعرض؟! وَمِن
أين للجميلي هذه الأموال الطائلة؟! ونأمل ألّا تضيع قضيّة الجميلي مثلما ضاعت قضيّة
زهير!
إنّ القضاء على
الفساد بالظروف الطبيعيّة ليست مهمّة مستحيلة، ولكن حينما يكون الفساد جزءا من كيان الدولة فلا يمكن لا لرئيس
حكومة بغداد ولا لغيره أن يُعالجوا الموضوع بسهولة؛ لأنّ الفساد الحاليّ مُتجذّر بالمؤسّسات
الرسميّة ولا يُعالج إلا بالاقتلاع الجذريّ المدعوم قانونيّا، فمحاربة سُوس الفساد
تشبه مكافحة أفاعي
الإرهاب وكلاهما وجهان لمعضلة واحدة، الأولى تستهدف أرزق الناس،
والثانية تستهدف حياتهم!
ويمكن تقليل الفساد
الماليّ والإداريّ بالعمل على:
- تشجيع وترتيب إرادة
وطنيّة خالصة، سياسيّة وبرلمانيّة وقانونيّة وشعبيّة، للقضاء على هذه الآفة.
- تفعيل دور
القضاء ومنع التدخلات السياسيّة، وتطبيق القوانين بحزم على الفاسدين والسرّاق بعيدا
عن مناصبهم وهويّاتهم الفرعيّة.
- ضرورة توفر الشفافيّة
المطلقة لممتلكات كافّة المسؤولين الحكوميّين قبل تَسنّم المناصب وبعدها.
من عجائب الأيّام أنّ أحد المحافظين السابقين اتُّهِم باختلاس نحو 100 مليون دولار من أموال إعادة الإعمار وَحُكِم عليه بالسجن لنحو 20 سنة، وخرج قبل يومين بالعفو بعد ثلاث سنوات من السجن، ورغم فساده استقبلته الحشود البشريّة بالأهازيج والدبكات!
- ربط إيرادات
الدولة وانّفاقها بأنظمة إلكترونيّة موحّدة تخضع للرقابة والتدقيق الصارم لمنع
التلاعب.
- تكثيف الجهود
الدبلوماسيّة والقضائيّة لتعقّب واسترداد أموال العراق المهرّبة إلى الخارج.
- تشجيع الصحافة
الاستقصائيّة، وحماية الإعلام الحرّ ودعمه لكشف ملفّات الفساد بمهنيّة وحياديّة.
- تشغيل وتطوّير المصانع والمعامل المتوقّفة ودعم
القطاع الزراعيّ وفتح باب تقديم الشكاوى الإلكترونيّة، وبالأدّلة، ضدّ أيّ مبتز
ومرتش للمستثمرين!
- التضامن الشعبيّ
للكشف عن الفساد الخفيّ وتفعيل دور المواطنين، وتعزيز ثقافة الإبلاغ السرّيّ عن
الفساد.
وبهذه التدابير وغيرها
يمكن التأسيس لمرحلة أكثر نزاهة وأقلّ فسادا!
ومن عجائب الأيّام أنّ أحد المحافظين السابقين اتُّهِم
باختلاس نحو 100 مليون دولار من أموال إعادة الإعمار وَحُكِم عليه بالسجن لنحو 20
سنة، وخرج قبل يومين بالعفو بعد ثلاث سنوات من السجن، ورغم فساده استقبلته الحشود
البشريّة بالأهازيج والدبكات! فأين الخلل؛ في المسؤول السارق، أم في غالبيّة الشعب
المسروق؟!
وخلاصة الأمر أنّ
الفساد الماليّ والإداريّ هو ثمرة فاسدة للهشاشة الإداريّة، وللضعف السياسيّ،
وعليه ينبغي العمل على ترميم الدولة بقوّة القانون وصلابة الإدارة وصولا لمرحلة شبه
خاليّة من الإرهاب والفساد!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.