الشبع والجوع من الأحوال الطبيعيّة التي يتقلّب بينها
الإنسان بحسب ظروفه الماليّة والحياتيّة. والجوع نتيجة الفقر من الأحوال المرهقة
لجسد الإنسان وفكره وصحّته ونفسيّته. وقديما
نُقِشَت عشرات الآثار التي تُدلّل على أنّ وجود الفقراء في مجتمع ما نتيجة متوقّعة
مع وجود الجشع والطمع والتغافل عن الفقراء وأحوالهم المعيشيّة، وغياب الحكومات
العادلة.
ويشترك الناس في احتياجهم للطعام والشراب والعلاج،
والدول الناجحة هي التي تُؤَمِّن لمواطنيها تلك الضروريّات وتكفل لهم الحياة
الكريمة الآمنة. ولا يُمكن تصوّر بناء دولة ناجحة إلا بحكومة حازمة في تنفيذ
القوانين، وبالذات ضدّ الذين يتلاعبون بموارد الدولة ويتسبّبون بنشر الجوع والفقر!
ويعاني
العراق منذ سنوات من آفة
الفساد الماليّ والإداريّ
الناشرة للجوع والفقر بين الناس، ومن هنا حاولت حكومة
علي الزيدي أن تفتح فُرْجة
صغيرة في جدران صروح الفساد العملاقة، وذلك بناء على اعترافات أدلى بها وكيل وزارة
النفط المعتقل عدنان الجميلي.
هل سيتمكّن رئيس الوزراء علي الزيدي من ملامسة الخطوط الحمراء التي تمثّلها سلسلة من القيادات العملاقة الفاسدة التي تمتلك المال والسلاح والمناصب؟!
واعتقلت السلطات العراقية نهاية حزيران/ يونيو 2026 أكثر
من 50 شخصيّة، أحدهم يُعدّ من حيتان الفساد، والآخر من القيادات شبه المهمّة،
والبقيّة ما بين نوّاب في مجلس النواب الحاليّ وبعض المتعاونين معهم.
وبحسب رواية المستشار القانونيّ لرئيس الوزراء
العراقيّ، القاضي منير حداد، بعد الحملة، فإنّ كمّيّة الذهب التي عُثر عليها في بيت
النائب عالية نصيف تُقدّر بربع طنّ، وقيمة الخيول في مزرعتها ثمانية ملايين دولار،
عدا مليارات الدنانير العراقيّة! فكيف سرقوها؟ وأين هي الأجهزة الرقابيّة الرسميّة؟!
إنّ جميع مَنْ اعتقلوا، عدا شخصيّة واحدة، هُم ليسوا من
الصف الأوّل، ولا من حيتان الفساد الكبار، وبالتالي هل سيتمكّن رئيس الوزراء علي الزيدي
من ملامسة الخطوط الحمراء التي تمثّلها سلسلة من القيادات العملاقة الفاسدة التي
تمتلك المال والسلاح والمناصب؟! وفيما لو فرضنا بأنّه سيقترب منهم، فهل ستمرّ الأمور دون
حدوث مواجهات بين أتباع الخطوط الحمراء والأجهزة الأمنيّة الرسميّة؟ وهذا الأمر
متوقّع وقد يؤدي إلى خراب البصرة، كما يُقال بالمثل المشهور!
وقالت
شبكة بي بي سي البريطانيّة بعد الحملة بيومين إن نجاح صولة الزيدي "يتوقّف
على عدم تحولها إلى إجراءات انتقائيّة أو انتقاميّة ضدّ الخصوم، وينبغي أن تشمل
جميع المتورّطين"!
وبخصوص حجم أموال العراق المسروقة فلا يمكن تحديدها، وقد
أعلن القاضي
منير حداد بداية تمّوز/ يوليو 2026 بأنّ "الأموال المنهوبة منذ 2003 تتجاوز
تريليوني دولار"، وهذه أرقام مذهلة وتعلن لأوّل مرّة! والعجيب أنّ موازنات الأعوام 2003-2025 حوالي تريليون
و400 مليار دولار، فمن أين سرقوا تلك الأموال التي هي أضخم من موازنات
الدولة؟!
ولا
نريد أن نعطي الحملة الحكوميّة أكبر من حجمها، خصوصا وأن مجموع الأموال التي ضُبطت مع المتّهمين لا يتجاوز مبلغ خمسة
مليارات دولار، من أصل مئات المليارات المسروقة. هذه الأرقام المرعبة من
السرقات
تؤكّد أنّ العراق لا يتعافى إلّا بحلول جذريّة حازمة!
ومقابل هذه مئات المليارات المنهوبة تشخص أمامنا صور
ملايين الفقراء الذين لا يَجدون قُوت يومهم، وحتّى لو قبلنا بنسبة الفقر الرسميّة
المعلنة نهاية العام 2025 والبالغة 17.5 في المئة من السكّان البالغ عددهم 48
مليون نسمة، فهذا يعني أنّ أكثر من 8 ملايين مواطن هم تحت خطّ الفقر!
وقديما قيل "ما جاع فقير إلا بما شبع غنيّ"، وفعلا
ما جاع مواطن عراقيّ إلا بسبب هؤلاء السرّاق الذين لا يخافون من الله، ولا من
القوانين، ولا يخجلون من أنفسهم والناس!
ولإتمام
المؤامرة حذّر المفتّش العامّ الأسبق عباس الأسدي من "خطّة لحرق أضابير وزارة
الهجرة للتغطية على ملفّات الفساد"! فهل سنشهد قريبا بعض الحرائق المفتعلة
للتّغطية على السرقات؟!
والأدهى والأغرب أنّ مَنْ اعتقلوا كانوا يشتمون الفساد
والفاسدين، فإلى متى ستستمرّ دورة خداع الوطن والناس؟
العراق بحاجة لثورة تصحيحيّة قائمة على عدالة القانون، وصلابة الحكومة، والدعم الشعبيّ، وإلا فلا خلاص، ولا علاج ناجع بالحملات الترقيعيّة!
والمدهش أنّ القضاء أفرج عن النائب المتّهم محمد الصيهود
بكفالة ماليّة بسبب حالته الصحّية، فهل الصيهود هو المريض الوحيد
في سجون العراق!؟ حقيقة مساكين أولئك الأبرياء الذين ماتوا بسبب نقص
الدواء والرعاية الصحّيّة في السجون العراقيّة منذ العام 2003!
صدقا صرنا نخجل أن نتحدّث عن الصور المقزّزة التي ظهرت
مع حملة الكشف عن ممتلكات السرّاق، لأنّ الكلام فيه طَعن للعراق قبل أن يكون
لهؤلاء الفاسدين!
العراق بحاجة
لثورة تصحيحيّة قائمة على عدالة القانون، وصلابة الحكومة، والدعم الشعبيّ، وإلا
فلا خلاص، ولا علاج ناجع بالحملات الترقيعيّة! وللخلاص يفترض
تطبيق مبدأ: "من أين لك هذا؟"، على كافّة المسؤولين وموظّفي الدولة، السابقين والحاليّين ودون استثناء، وكشف ممتلكاتهم قبل
المنصب وبعده، وحينها يُعْرف
النزيه من الفاسد!
أما دعوة رئيس الحكومة المواطنين للتبليغ عن الفاسدين
وتقديم مكافآت مُجزية لهم فهذه دعوة غريبة؛ لأنّ أكثريّة الفاسدين معروفون للحكومة
وللشعب!
وأخيرا، هل سيقضي الزيدي على الفاسدين، أم أنّهم سيقضون عليه ويذهبون بالبلاد لانتخابات
مبكّرة!؟
أنقذوا العراق
وشعبه وثرواته، وَطَبّقوا العدالة على الجميع قبل أن يصبح النّزيه هو الحالة الشاذّة
في الدولة والفاسد هو سَيّد الموقف!
x.com/dr_jasemj67
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.