ثمَّة عدد من الحقائق التاريخيَّة، ينبغي
لدارس تاريخ
إيران وحاضرها الإلمام بها، ودوام استحضارها؛ لتُشكِّل خلفيته وأرضيته
وأداته، وإلا صار عاجزا كليّا عن فهم طبيعة تركيبتها ومن ثم؛ أعجز عن التحليل. وهو
عجزٌ كاملٌ، يتجلَّى في "الدراسات الإيرانيَّة" الشحيحة بالمكتبة
العربيَّة، ربما بأكثر مما يتجلى في الحماقات الأمريكيَّة إبَّان هذه الحرب
العدوانيَّة.
ورغم وحدة الدين والتاريخ الطويل، فإن
السياسة لم تكن هي التي فرَّقت -وحدها- بين العرب والإيرانيين، ولا يُمكننا
الإلقاء بكامل التبعة على بروباغاندا دول الخليج؛ التي اتبعتها أنظمة مصر والعراق
حينا بسفاهة شديدة. إذ على عكس الشائع، لم تلعب الثورة الإسلاميَّة في إيران
-بوصفها تحولا سياسيّا ودينيّا وتاريخيّا- الدور الأهم في هذا العجز الإدراكي الذي
يُعانيه "الوعي العربي"؛ بل كان العامل الأهم بإطلاق هو إفقار الروح
العربيَّة إفقارا شنيعا، بواسطة ضراوة التحديث وتغول أيديولوجيَّة الاستهلاك؛
فانحدرت أرواحنا إلى الضحالة، عاجزة إدراكيّا عن استيعاب المجاز القرآني نفسه
وتركيبيته، وهو ما تفاقمت تجلياته الفكريَّة والدعويَّة الكارثيَّة إبَّان
سبعينيات القرن العشرين؛ فمثَّل جوهر أزمة الوعي الجارفة، والتي دفعت بقطاعٍ كبير
من الجيل المسُمى بجيل "الصحوة الإسلامية" إلى الرضا بالاندماج الطوعي
في الأنظمة السياسية القائمة، ولو على هامشها. وقد كان هذا الجيل الأول من
"الإسلاميين" هو الذي واجه تركيبيَّة ثورة إيران الشديدة، وطُولِب
باتخاذ موقف مُركَّب منها؛ فعجز عن ذلك -كليّا- لشدَّة اختزاليته في مواجهة حالة
فذَّة شديدة التركيب. وقد أورث هذا العجز للأجيال التالية بوصفه مُسلَّمة لا جدال
فيها، بل وصارت مقولاته التافهة -المبنية على الاستسهال في التقليد دون وعي- مذذاك
كأنها دوغما حقيقيَّة، تُمثل حجابا ثقيلا عسير التجاوز.
هذه الواحديَّة المفقِرَة -وجدانيّا وفكريّا-
التي تسبَّبت بها الحضارة الاستهلاكيَّة، عزَّزها استعدادٌ عربي داخلي مهَّدت له
الأيديولوجية الدينيَّة الطهوريَّة؛ فمثَّلت اختزاليَّة الوجدان الديني الوهابي
خير مُعين له، خصوصا بعد هيمنة ذلك الوجدان على العالم العربي منذ سبعينيات القرن
العشرين فصاعدا. ولعلَّ أبرز الأمثلة على هذا الجفاف الروحي والكسل الفكري، الذي
تسبَّّبت به تلك الاختزاليَّّة الوهابيَّة، تدعمها الاستهلاكيَّة الوحشيَّة؛ هو
عدم نفور الأمة كلها للجهاد حين اعتُدي عليها مذذاك مرة بعد مرة، بل
"ظهرت" -عوضا عن ذلك- شتَّى الجيوب والتنظيمات الجهاديَّة، بوصفها
محاولات طوباويَّة لملء ذلك الفراغ الحركي؛ فتحولت بها الفريضة الواجبة من دعامة
للدعوة في مواجهة الأنظمة الطاغوتيَّة، إلى أيديولوجية مُخلَّقة مُجوَّفة تدعو إلى
طوبيا مُتوهَّمة؛ فتتلاعب بها الأنظمة والأهواء السياسيَّة، وتُسهم -بمجرد وجودها-
في استمرار تقوض الفريضة نفسها واستمرار النكول عنها.
هذه الاختزاليَّة التي شوَّهت المجال الفكري
والروحي والعقدي العربي، لم تعرفها إيران لعدَّة أسباب تاريخيَّة وموضوعيَّة،
سيتناول بعضها مقالنا هذا، ولعلَّ أهمها محاولتها تخليص نفسها من اختزاليَّة
التيار الإخباري وسطحيته (وهابيَّة التشيُّع!)؛ الذي كان يرفض الاجتهاد، ويرى كل
الكفاية في الاعتماد على ظاهر نصوص القرآن وروايات الأئمة، وذلك لتعذر بلوغ
المعرفة اليقينية في ظل غيبة الإمام. ولهذا، مثَّل انتصار "التيار
الأصولي" بداية تبلور دور حقيقي للاجتهاد وللمجتهد الشيعي، بتوظيف علم أصول
الفقه؛ لتأويل النصوص الشرعيَّة، واستنباط الأحكام في القضايا المستجدَّة. وهو ما
مهَّد التربة بعدها لظهور تقليد المرجعيَّة وتبلور قيادته، وصيرورة دور العلماء
دورا مركزيّا فعالا لا يمكن تجاوزه، خصوصا بعد أن صار المجتهد الشيعي الجامع
للشرائط نائبا "كاملا" عن الإمام الغائب في إقامة الفرائض، التي كان
بعضها قد تعطَّل في كثيرٍ من السياقات الإخباريَّة.
هذا الدور العلمائي -الذي سنعود إليه لاحقا-
هو أحد السمات المركزيَّة المميزة للتشيُّع، وتحديدا التشيُّع الاثني عشري في
صورته التي تبلورت في إيران خلال القرون الثلاثة الأخيرة. فرغم أن التشيُّع
الإسماعيلي كان هو الأقوى حضورا في إيران حتى أواخر العصر العباسي، بل ومثَّل
التشيُّع الاثني عشري -آنذاك- حليفا استراتيجيّا قويّا للخلفاء العباسيين في
مواجهة راديكاليَّة الإسماعيلية وأناركيتهم، وعملهم الدائم على تقويض الحكم
"السُني"؛ فإن الغزو المغولي قد حطَّم الوجود الإسماعيلي في إيران، مما
أسهم في اتساع نطاق التشيُّع الاثني عشري تدريجيّا، مُختلطا بمؤثرات صوفيَّة؛
ليُشكلا معا الملامح الرئيسة للحياة الدينية السائلة في إيران منذ إزاحة العباسيين
وحتى بزوغ نجم الصفويين.
وتُعدُّ هذه
الخلفيَّة الشيعيَّة
العميقة، وتبلور ملامحها وهويتها على مر العصور، وتغلغلها -تدريجيّا- في
الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة لإيران قبل الصفويين، تُغذيها مؤثرات
صوفيَّة وعرفانيَّة؛ هي
أولى الحقائق التاريخيَّة وأهمها، والتي جعلت
"التحول الصفوي" لإيران ميسورا، بل ورسَّخت المكون العرفاني الفلسفي في
التشيُّع، في مقابل محاربتها للتصوف الطرقي وغلو نماذجه المتأخرة في
"الدَّروَشة" والانسحاب من الواقع. وهو مذهب مُتفرد تمايز تدريجيّا، إذ
سلك طريقه -أول الأمر- مُبلورا صيغته "الجديدة" من
التشيع الاثني عشري،
الذي يحمل مؤثرات سنيَّة وإسماعيليَّة شتى، ثم مُضفيا إليها لاحقا صبغة عرفانيَّّة
يقاوم بها التصوف الطرقي. لتشكل هذه الرحلة التاريخيَّة-المعرفية-العرفانيَّة
صيرورة تكون وعي تاريخي "جديد"، فذ الكثافة والحرارة والتكوين؛ وعي واضح
بالذات واﻵخر، سيفرض لاحقا حركة اجتماعيَّة متمايزة.
هذا
الوعي التاريخي الشيعي، الذي
يُمثِّل عندنا
ثاني الحقائق التاريخيَّة المركزيَّة الضرورية لتبلور إدراك
مركب للحالة الإيرانية، وذلك بوصفه صيرورة تُشكل الصيغة المذهبيَّة المركَّبة،
والمحاولة الدؤوب لتحقُّقها؛ يُجسده الحضور الدائم ﻵل البيت النبوي المشرَّف
-والأئمة منهم- سواء في تشيُّع الشهادة العلوي، أو حتى في نُسخة تشيُّع العزاء
الصفوي. وقد جعلت عقيدة "الانتظار" -أي انتظار خروج الإمام المهدي- من
هذا الوعي التاريخي الفذ صيرورة مُتجددة، لا محض وعي بتاريخ ماض؛ أي أنها أضفت على
الوعي التاريخي "الساكن" عناصر مشيحانية "حركيَّة" تزيده
حرارة، وتجعل منه وعدا بتحقُّق مُستقبلي للقيم والمُثُل الإسلاميَّة الشيعية، لا
مُجرد تباكي على ما مضى منها. وهذا بعينه هو سبب نجاح الحركات السياسيَّة
الشيعيَّة الحديثة إبَّان شهر المحرم، وذلك إذ تصير تضحية الإمام الحسين، وتصورها
وتمثُّلها؛ عُنصرا محوريّا في حسم نجاح الحركة.
لقد كان هذا الوعي التاريخي يعني
الاستمراريَّة، رغم التعطُّل والتوقُّف بل والانسحاب التاريخي الذي تسبَّبت به
غيبة الإمام. كان مُجرَّد وعي بالاستئناف، وخطة للاستمرارية؛ فجعل منها التيار
الأصولي واقعا، استحضر القدوة المتجاوزة لضيق اللحظة الآنيَّة، فتجاوز معها
المآلات التاريخيَّة العاجلة، حين اقتدى بالقدوة التاريخيَّة في تقديم التضحية بين
يدي الغاية. وهي النقلة التي تُعيد ثقافة العزاء إلى أصلها الاستشهادي عند الضرورة
وفي أوقات الأزمات، بل وتجعل من الاستشهاد ذخيرة وإمكانيَّة ميسورة الاستدعاء
والتوظيف.
وقد كان هذا الوعي الخاص، العميق والمركَّب؛
مما ساعد على
عُزلة إيران التاريخيَّة الطويلة، باعتبار عُزلتها ثالث الحقائق
التاريخيَّة التأسيسية؛ لاستيعاب الوجدان الإيراني. وذلك كما كان -في الوقت
نفسه- سببا من أسباب عُزلتها عن مُحيطها، حين نشأت بها دولة مُستقلَّة بعد تقويض
العالميَّة السنيَّة التي جسَّدها العباسيون. فكانت هذه العزلة -بوصفها سببا
ونتيجة في آن- من أسباب ازدهار التشيُّع الاثني عشري، باعتباره جامعا لخصائص
التمايُز السابقة في صورة شخصيَّة جمعيَّة أسيرة لعُقدة الاضطهاد؛ اعتادت الأزمات،
واستعذبت ذهنيَّة الأقليَّة الملاحَقَة. فإذا أضفنا إلى ذلك تعثُّر التحديث مدَّة
طويلة حتى عهد رضا خان بهلوي، وأن إيران كانت منطقة نفوذ بريطاني روسي، لكنها لم
تتعرض لتجربة كولونياليَّة حقيقيَّة قد تؤدي إلى تجريف التربة الثقافيَّة
والدينيَّة كما حدث في مصر والهند؛ يتجلَّى لنا كيف كانت هذه العُزلة نفسها سببا
في زيادة تبلور شخصيَّة أعمق وذائقة جماليَّة أكثر تركيبا وفرادة وخصوصيَّة. بل
وكان الدور الأهم لهذه العزلة هو حفظ تقاليد التشيُّع "الإيراني"
الفكريَّة، وإمكان تطويرها -لأطول فترة ممكنة- بمنأى عن ضغوط التحديث، ومن ثم؛
احتفاظها -إلى حدٍّ ملموس- بخصوصيتها الثقافية والفكرية والسياسية، برغم الهجمة
التحديثيَّة والعلمانيَّة التي تنخر في بنيانها اليوم، بيد أنه بنيان مُتجدد أمنع
من غيره.
ولعل ذكر
الذائقة الجماليَّة الإيرانيَّة،
يعني عروجنا على
رابع الحقائق التاريخيَّة المحددة للشخصيَّة الإيرانيَّة؛ وهي
الشخصيَّة الفنيَّة. فإن الإنسان الإيراني ظلَّ مُبدعا في العلوم العقليَّة
وفي الفنون كافَّة، حتى في أحلك لحظات تاريخه؛ إبَّان "تخلُّفه" في
العلوم الطبيعيَّة الطبيعيَّة/ الماديَّّة، وتعثُّر تحديثه عدَّة مرات. لقد ظلَّ
هذا الفنان المبدع حيّا في الشعر والأدب، والفلسفة والعرفان، وشتَّى الفنون
الجميلة والصناعات اليدويَّة، وفي العمارة والتخطيط العمراني. ولا يُمكن للدارس
التغافُل عن هذا البُعد الجمالي في الشخصيَّة الإيرانية، في الموسيقى أو السجاد أو
المنمنات؛ إلا تقوض ركن محوري من أركان إدراكه للشخصيَّة الإيرانية وواقعها؛ فعجز
عن إدراك مُجمل الظاهرة في تركيبيتها.
ليحملنا هذا كله مُتضافرا -في الممارسة
التاريخيَّة- إلى
التنامي الاستثنائي للدور الاجتماعي والسياسي للعلماء، بوصفه
خامس الحقائق التاريخيَّّة وأهمها؛ التي يتعيَّن على الدارس استيعاب كيفيَّة
تطورها وآلية تحققها، والإلمام بآثارها، وإدراك الخاص والعام فيها؛ لاستيعاب
حركيَّات التاريخ والسياسة في إيران. ذلك أن نفوذ العلماء لم يظهر في غفلة من
الزمن، ولم تكن ثورة العام 1979م إلا ذروة تاريخ طويل. فرغم أن نفوذ علماء
الإماميَّة ظلَّ واهيا -نسبيّا- في إيران طيلة القرن الأول من حياة الدولة
الصفويَّة، إلا أن شتى العوامل الاجتماعيَّة والسياسية قد تضافرت على تنميته رويدا
رويدا، منذ انتقال العاصمة إلى إصفهان؛ حتى بلغ هذا النفوذ أوجه في بلاط الحكام
الصفويين قُرب انتهاء دولتهم. وحين انحلَّت الدولة الصفوية عقب الغزو الأفغاني،
وساد الاضطراب أنحاء إيران؛ كان الفقهاء الشيعة هم صمام الأمان الاجتماعي الوحيد،
والقيادة الاجتماعيَّة الحقيقيَّة؛ التي بلغت إلى مرحلة الهيمنة الاجتماعيَّة
التامَّة مع بدء حكم آل قاجار، أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
هذه الطبقة قد فقدت جزءا كبيرا من سلطانها بسرعة خلال آخر عقدين، خصوصا مع تنامي هيمنة العسكر (حرس الثورة)، وتزايُد معدَّلات العلمنة؛ فلا زالت تمثل قطاعا اجتماعيّا مهمّا ومحوريّا، وصاحب تحالفات أعمق مع طبقات أخرى. وربما لهذا لا يُمكن تجاوزها وتهميشها بإطلاق، وإن أمكن في كثير من الأحيان تجاهُلها
وفي عهد آل قاجار، تجلَّى الصراع الضاري
واضحا بين العلماء والحكام؛ ليفشل آل قاجار في إعادة التاريخ القهقري إلى حقبة
الهيمنة المبكرة لحكام الصفويين على العلماء الإماميَّة. وقد كان ثمَّة محطات مهمة
في تاريخ إيران خلال حكم آل قاجار، تجلى فيها نفوذ العلماء حاسما في هيمنته
وتقويضه حتى لسلطان الحكام؛ مثل: الحروب الروسيَّة، وامتياز التبغ، والثورة
الدستوريَّة.
وقد كان من الموافقات القدريَّة، أن انقلاب
رضا خان على آل قاجار، وتأسيسه لحكم أسرته مُتخذا لها قلب "بهلوي"؛ قد
تزامن مع إعادة إحياء حوزة قُم على يد الشيخ عبد الكريم حائري، كما تزامن حكم ابنه
المقبور محمد رضا بهلوي مع بناء آية الله بروجردي لشبكة الحوزة الاجتماعيَّة؛
تمهيدا لتوظيف الإمام الخميني لهذه البنية الاجتماعيَّة والمؤسسية إبَّان الثورة.
وعليه، يتغيَّر إدراك الباحث للواقع إذا
أدرك أن طبقة العلماء الإماميَّة ليست بطبقة طفيليَّة تسلَّطت بانقلاب عسكري، ولا
هي بالفئة العميلة التي جاءت بها دبابة أجنبيَّة، وإنما هي جزء محوري من النسيج
الاجتماعي؛ اكتسبت نفوذها ببطء خلال أربعة قرون تقريبا، لا بمُجرَّد وجودها
الاجتماعي المتغلغل في كافَّة طبقات المجتمع، وإنما بمشاركتها الحيَّة بوصفها
قيادة اجتماعيَّة تصدَّرت لإرشاد الناس في أمور الدين والدنيا، مهما اضطربت
الأحوال.
ورغم أن هذه الطبقة قد فقدت جزءا كبيرا من
سلطانها بسرعة خلال آخر عقدين، خصوصا مع تنامي هيمنة العسكر (حرس الثورة)، وتزايُد
معدَّلات العلمنة؛ فلا زالت تمثل قطاعا اجتماعيّا مهمّا ومحوريّا، وصاحب تحالفات
أعمق مع طبقات أخرى. وربما لهذا لا يُمكن تجاوزها وتهميشها بإطلاق، وإن أمكن في
كثير من الأحيان تجاهُلها والتعدي على سلطانها. لتظل رقما مهمّا وشريكا مركزيّا في
صناعة السلطة، وترسيخ شرعيتها -على الأقل في المدى القرب والمتوسط- حتى إن لم تعُد
صاحبة الكلمة الأخيرة والقول الفصل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.