أين تقف الصين من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؟

عبد الله عدوي
"بروز السلبية تجاه أمريكا وإسرائيل وانخفاض الإيجابية"- الأناضول
"بروز السلبية تجاه أمريكا وإسرائيل وانخفاض الإيجابية"- الأناضول
شارك الخبر
في خضم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ينتاب الكثيرين فضول لمعرفة الموقف الصيني في هذه الحرب، وتعج بعض المنصات الرقمية بتحليلات وتخمينات عن دعم الصين لإيران في الخفاء، وسط شح اليقينيات، ما يبقي الصين كقوة صاعدة ومنافسة للولايات المتحدة الأمريكية محل بحث عن موقعها السياسي وتطلعاتها واحتمالات انخراطها في الصراعات المحيطة بها، لا سيما وأنها خسرت حليفا في فنزويلا، والصراع قائم حول شريك اقتصادي جديد.

في ضوء المعطيات السياسية الشحيحة، اخترت الاتجاه لدراسة الخطاب الإعلامي الصيني لفهم التوجهات الصينية نحو الحرب، وفي محاولة للبحث فيما تخبئه السياسة من بوابة الإعلام الصيني الرسمي، أعددت دراسة عن القناة الحكومية الصينية (CGTN Arabic) خلال الحرب.

من المفارقات المهمة التي توصلت إليها الدراسة أن الحرب الإيرانية لم تحظ سوى بـ20 في المئة التغطية، ما يكشف عن عدم أولوية الحرب بالنسبة للقناة، وهو مغاير للعرف الإعلامي الذي يدفع إلى تكثيف التغطية لحرب تدور رحاها في بلد قريب، غير أن النتيجة ما هي إلا تعبير واضح عن سياسة تحريرية مقصودة ضمن أجندة واضحة تتسع لتشمل موضوعات مختلفة ذات أولوية للصين كالاقتصاد والعلاقات والتكنولوجيا والتنمية وغيرها، فضلا عن سياسة تحافظ على التوازن ولا تتأثر بالمتغيرات، وتنحو سبيل الغموض، لذا فإن تكثيف التغطية قد يؤدي إلى الانزلاق إلى مواقف أكثر وضوحا، فضلا عن إتاحة محدودية النشر قدرة أكبر على التحكم المنضبط، وهذا هو محور السياسة الصينية في التعاطي مع الأزمات.

برز اهتمام واضح بالأبعاد الاقتصادية والتنموية والعلاقات والمنشورات العامة كأطر ركز عليها الخطاب الإعلامي، واحتلت حيزا كبيرا ضمن التغطية، ما يشير إلى أولويات اقتصادية وتنموية خاصة تتفوق على الصراعات السياسية في الشرق الأوسط.

من المفارقات هنا، أن الإطار الإنساني المرتبط بالضحايا والقتلى والمصابين في الحرب، والدمار وواقع الناس الصعب، لم يحظ سوى بنسبة متدنية جدا، ما يعكس توجها غير عاطفي تجاه الأحداث ومعالجتها الإخبارية، ويشير إلى عدم أولوية موضوع الضحايا في سياستها، فهي بالرغم من ظهورها بصورة متزنة في خطابها السياسي إلا أنها لا تتجه إلى الخطاب الإنساني.

في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسبب بها إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالميا، تجنب الخطاب الصيني إبداء أية انطباعات عن ذلك، ما يؤكد على سياسة الغموض التي تنتهجها الصين في سياستها الدولية ومنها الإعلامية، فلا تريد أن تظهر في صورة الدولة التي تئن من التبعات الاقتصادية؛ فالتصريحات والتعبير عن المواقف والمخاوف يجعل من السياسة صفحة مفتوحة يسهل قراءتها وفهمها، وبالرغم أنها المستورد الأبرز للنفط الإيراني ووفق امتيازات سعرية خاصة، إلا أن هذا التماسك يظهر دولة صلبة لا تعبأ ظاهريا بالتحديات.

إن اهتمام الصين بهذا الخطاب، تطابق نسبيا مع خطابها في الأزمة الأوكرانية، بالرغم بما تمثله روسيا بالنسبة للصين كونهما قوتين في منافسة القطب الأمريكي والغربي، ما يؤكد أن السياسة التحريرية التي يتبعها الخطاب الصيني ما هو إلا استمرار لذات السياسة في التعامل مع الصراعات بعدم الانغماس الواضح والظاهر فيها.

في خضم سياسة الغموض التي تأخذ الطابع العام، برزت بعض المعطيات الناتجة عن التحليل تشير إلى ارتفاع نسبة حضور إيران كفاعل سياسي ضمن تغطيتها، غير أن مثل هذه الكثافة لا تعبر بصورة واضحة عن الانحياز، ولا يمكن لأحد الالتفات إليها إلا بحسبة رقمية دقيقة توصله لمثل هذه النتيجة، وحفاظا على الخطاب المتزن الذي امتاز به الإعلام الصيني حضرت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بنسب أقل.

تشير هذه النتيجة إلى حرص القناة على إبراز إيران بصورة كبيرة، في الوقت ذاته يظهر تراجع حضور الصين فيما يتعلق بالحرب بالرغم من تصدرها بنسبة مرتفعة في الأخبار التي ليس لها علاقة بالحرب، وهذا يأتي في ذات السياق الذي يتبعه الخطاب الصيني بتجنب الانغماس الكثيف والمباشر في الحرب، مع الحرص على الحضور المنضبط.

اتجهت التغطية إلى الحياد بصورة مرتفعة، وهو التوجه العام للسياسة التحريرية، وهذا مؤشر على الحرص الصيني على الحذر الشديد وعدم الظهور بأي مظهر يضعه في موقف المنحاز، فهو ينقل الأحداث دون بناء المواقف من خلال نقل الأحداث والمساهمة في صناعتها، وهي سياسة تكشف عن الغموض الذي يطغى على سياسات الصين، والتي تخفي وراءها توجهات لم يحن الوقت للإعلان عنها، لذا فإن الحياد سمة تعبر عن النظام المغلق ويلبي حاجات مرحلية لقوة صاعدة، ترقب فرصة سانحة تتيح لها التعبير عن المواقف بصورة واضحة.

بالرغم من ارتفاع نسبة الحياد إلا أن التأطير في اتجاهات التغطية كان حاضرا من خلال الحرص على توزيع هذه الاتجاهات بين الإيجابي والسلبي على الأطراف بصورة عامة، فيما يظهر بوضوح الاتجاه الإيجابي نحو إيران مقابل انخفاض الاتجاه السلبي نحوها بفارق كبير بينهما، ما يعطي مؤشرا على تقديم سرديات داعمة لإيران وصورتها، فيما تظهر المفارقة في بروز السلبية تجاه أمريكا وإسرائيل وانخفاض الإيجابية، لتشكل فرقا واضح بينهما لصالح السلبية بنسبة مرتفعة، وهذا مؤشر خفي يوضح التوجه نحو تعزيز سلبية السردية الأمريكية تجاه الحرب.

يمكن قراءة الاتجاهات التي كشفتها التغطية الإعلامية الصينية عن سياسة واضحة ومدروسة تعنى بالظهور بصورة موضوعية، فيما تعزز أهدافها بصورة غير ملاحظة ضمانا لتعزيز الثقة بمهنيتها، وبهذه الطريقة تدير الصين سياستها بقدر كبير من الحياد والمواقف العقلانية البعيدة عن الاصطفافات والتصعيد، فحتى السلبية جاءت بنسب معقولة ولم تأت في سياق مبالغ فيه، ما يؤكد الكيفية التي تتبعها وسائل الإعلام في سياساتها المخطط لها وتعبيرها عن دولها وتحقيق أهدافها عبر أدواتها الإعلامية الدولية، والتي تتكشف سياساتها بصورة أكثر وضوحا خلال الأزمات الدولية، وتتضح معالم الدبلوماسية الرقمية في خضمها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)