وسط
منشورات غاضبة تمنع دولة
الاحتلال من مهاجمة
لبنان، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب
إظهار سيطرته، بينما يبحث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن مساحة للتحرك،
و"قائمة إنجازات" للناخب الاسرائيلي، لكنه يواجه بتصريح واضح من منصة
التواصل الاجتماعي للرئيس تقول له "كفى!".
الكاتب
في موقع ويللا، عيدان كيفلار، ذكر أن "وقف إطلاق النار في لبنان جاء في زحمة
تطورات أخرى مثل حرب
إيران، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، والانتخابات
الإسرائيلية، ووسط كل ذلك لم يُصدّق نتنياهو ما يحدث له، فقد هاجمه ترامب علنًا،
رغم أنه أصرّ وبقية المسؤولين في واشنطن على أن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لن
يشمل لبنان، والحرب على حزب الله، لكنه في الوقت نفسه وجّه رسالة: كفى! الولايات
المتحدة تمنع إسرائيل من مهاجمة لبنان".
وأضاف كيفلار في
مقال ترجمته "عربي21" أن "طلب
ترامب الحاسم من نتنياهو دفعه للتساؤل: مع من كنت أتحدث؟ مع صديقي دونالد أم مع
الرئيس ترامب؟، ورغم أنه لا توجد صلة بين المسار الإيراني والساحة اللبنانية، لكن
هناك استثناء واحد مفاده أن ترامب وجد هذه الصلة، فجأة، خلال حديثه مع الصحفيين
على متن طائرته، بقوله إن هناك صلة نفسية بين الأمرين، وسنساعد لبنان على أن يصبح
دولة مرة أخرى".
وأكد
كيفلار أنه "على أرض الواقع، كانت الأمور أكثر وضوحًا، فقد أوقفت إسرائيل هجومها على
بيروت، وحولت تركيزها إلى جنوب لبنان، في خطوة بدت وكأنها امتثال ضمني للضغوط
الأمريكية، ثم جاءت المرحلة التالية بإعلان واشنطن وقف إطلاق النار في لبنان،
بينما في الوقت نفسه فتحت إيران مضيق هرمز، حيث ادعى وزير خارجيتها عباس عراقجي أنه
كان بسبب وقف إطلاق النار في لبنان".
وأوضح
كيفلار أن "ترامب عاد لنشاطه المعتاد الذي يُثير قلق القارئ في كل مرة: ففي غضون
ساعة ونصف فقط، نشر سلسلة من التغريدات بوتيرة سريعة، وكتب في إحداها بحدة
"لن تهاجم إسرائيل لبنان مرة أخرى، فقد منعتها
الولايات المتحدة من ذلك..
كفى!"، لم تعد هذه رسالة دبلوماسية، بل إعلان قوة، ومع ذلك، وراء هذه العناوين،
يكمن واقع أكثر تعقيدًا".
وأشار الكاتب إلى أن "مذكرة التفاهم التي صيغت في وزارة الخارجية تُحدد شروط وقف إطلاق النار،
تنص صراحةً على أن إسرائيل تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس "ضد التهديدات
المخطط لها أو الفورية أو المستمرة"، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار، بعبارة
أخرى فإن إعلان ترامب مثير، لكن الآلية التي وُضعت تترك لإسرائيل مجالًا للمناورة،
ومع ذلك، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع ليست وليدة الصدفة، فقد بدا ترامب معنياً بأن
يُظهر للمقربين منه، ولقاعدة الحزب الجمهوري، أنه هو من يُدير الأمور، وليس
نتنياهو".
وأضاف
أن "هذا لا يحدث بمعزل عن الواقع، فهناك نقاش حقيقي يدور داخل الحزب الجمهوري
حول شعار "أمريكا أولاً"، وإسرائيل، ومدى التدخل في الحروب الخارجية، ويعلم
ترامب أن انتخابات التجديد النصفي تقترب، وهو بحاجة لتلك الأصوات الأكثر تشككاً
التي لا تُحبذ فكرة أن الولايات المتحدة "تُجر" وراء إسرائيل، أو تُدار
من قِبل "بيبي" كما يُصر على تسميته، مع أنه لا يُحب حقاً أن يُناديه الأخير
بـ"دونالد"، وليس "الرئيس".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد كيفلار أن "الصورة تبدو معقدة، حيث يشير استطلاع رأي أجرته مؤسسة إيبسوس مؤخرًا أنه
رغم صخب الانفصاليين، فإن المؤثرين المحبين لإسرائيل في اليمين الأمريكي، مثل شون
هانيتي ومارك ليفين وبن شابيرو، هم من يقودون الخطاب، أكثر من شخصيات متطرفة مثل تاكر
كارلسون أو كانديس سوانبويل، أي أن القاعدة المؤيدة لإسرائيل، ناهيك عن المؤيدة
لنتنياهو، لا تزال قوية، لكن على ترامب أن يوازن بينها".
وأشار
أنه "في مقابلة مع قناة فوكس بيزنس، قدم ترامب لمحة نادرة عن أسلوبه في
التفاوض، قائلا إن "الحرب على وشك الانتهاء... صوتي مبحوح لأنني أصرخ في وجه
الإيرانيين طوال اليوم، هل تعرفون لماذا؟ لأن هذا ما يفهمونه"، وفي الوقت
نفسه، وفي سلسلة من المحادثات، وخطاب ألقاه في أريزونا، ألمح ترامب للنتيجة قائلاً
إن "إيران وافقت على كل شيء"، بما فيه إزالة اليورانيوم المخصب، ووقف
دعم حزب الله وحماس".
وأكد
كيفلار أن "المفارقة الكبرى تكمن هنا: لأنه كي يُبرم الاتفاق مع إيران، يحتاج ترامب لاستقرار
في الجبهة الشمالية لإسرائيل، لذا، حتى وإن لم يكن هناك ارتباط رسمي بين الساحتين،
لكنه موجود عملياً، فيما يحاول نتنياهو الحفاظ على توازن دقيق، فمن جهة، يؤكد
التزامه بالأمن قائلاً إن "لدينا فرصة لاتفاق سلام تاريخي... بشرط أن يُسلّم
حزب الله سلاحه"، ومن جهة أخرى، اعترف علناً بأن "إسرائيل استجابت لطلب
الرئيس الأمريكي" بوقف إطلاق النار، ومن المثير للاهتمام معرفة أي مدى ستتمكن
إسرائيل من مواصلة العمل تحت هذا المظلة".
وختم
بالقول إن "ضغوط ترامب لوقف الحرب على لبنان تضع إسرائيل أمام معضلة: فهل سيُعتبر
أي عمل ضد حزب الله دفاعاً عن النفس، ويُسمح به، أم أن هذا الضغط سيُصبح في الواقع
قيداً حقيقياً، لأن ترامب يُلمّح لرغبته في طيّ صفحة لبنان وإيران، وهو يُراقب
أسعار النفط والاقتصاد الأمريكي الذي يتطلع إلى انخفاض سعر غالون البنزين لأقل من
4 دولارات، فيما يُدرك نتنياهو أن هامش تفاوضه ضاق، وإذا أراد خوض جولة أخرى من
القتال، فعليه أن يُضاعف جهوده المضنية تجاه واشنطن".
تكشف
هذه التطورات تأكيد المقولة السائدة في دولة الاحتلال أنها واقعة تحت الوصاية
الأمريكية، وأنها ليست صاحبة سيادة داخل حدودها، وفي سياساتها وقراراتها، مما يضع
علامة استفهام حول صاحب القرار الحقيقي في الحروب الدائرة في المنطقة: واشنطن أم
تل أبيب؟