حذر روبرت بايب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو ومؤسس مشروع شيكاغو للأمن والتهديدات، من أن الخطاب السائد حول تحقيق "نصر" في الحرب يخفي مسارا أكثر خطورة يتمثل في الانزلاق التدريجي نحو حرب شاملة دون خطة خروج واضحة أو أفق استراتيجي، مع احتمال أن تخرج
إيران من هذا الصراع أكثر قوة.
ورأى بايب في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الثلاثاء، أن مظاهر القوة العسكرية، مثل الضربات الدقيقة والاغتيالات والسيطرة الجوية، قد توحي بتحقيق إنجازات، لكنها لا تعني بالضرورة اقتراب تحقيق الأهداف السياسية، متسائلا عما إذا كانت هذه العمليات تعزز الأمن أم تدفع نحو تصعيد يصعب احتواؤه.
واعتبر أن كتابه "القصف من أجل النصر" دحض فكرة أن القوة الجوية وحدها قادرة على تغيير سلوك الخصم.
وأوضح أن القصف قد يحقق مكاسب تكتيكية لكنه غالبا يفشل في تحقيق أهداف استراتيجية، بل قد يزيد من صلابة الطرف المقابل.
وأكد أن دولة
الاحتلال والولايات المتحدة لا تقتربان من تحقيق مزيد من الأمن أو الاستقرار، بل تنخرطان في "فخ التصعيد"، حيث تبدو كل خطوة إنجازا تكتيكيا لكنها تقود إلى تحول خطير لا رجعة فيه.
وأوضح أن المرحلة الأولى من هذا الفخ بدأت بقصف موقع فوردو في حزيران/ يونيو 2025، والذي اعتبره نجاحا تكتيكيا فقط، مشيرا إلى أن اليورانيوم المخصب كان قد أزيل قبل الهجوم ولم يتم تدميره بالكامل.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن غياب رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أدى إلى حالة "ذعر استراتيجي"، ما دفع صناع القرار نحو خيار عسكري يتمثل في محاولة تغيير النظام، وهي المرحلة الثانية التي تؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف الممرات البحرية.
وأشار إلى أن النظام الإيراني لم ينهَر، بل أصبح أكثر تشددا وخطورة، مع اكتسابه قوة جيواقتصادية متزايدة، خاصة في حال سيطرته على مرور 20 بالمئة من نفط العالم، ما يمنحه نفوذا وأدوات ضغط إضافية، كما أن المرحلة الثالثة تتمثل في احتمال الانتقال إلى عملية برية، تبدأ بشكل محدود لكنها قد تتوسع، محذرا من أن هذا المسار يعزز قوة إيران ويزيد احتمالات امتلاكها أسلحة نووية.
ولفت إلى أن صناع القرار يواجهون صعوبة في إدراك الفجوة بين النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي، لأن النتائج العسكرية يمكن عرضها بسهولة، بينما يصعب إظهار التغيرات العميقة في سلوك الخصم وبنيته.
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن مضيق
هرمز وسوق الطاقة يمثلان عنصر قوة حاسما لإيران، إذ يمكنها من خلالهما تحقيق مكاسب مالية ونفوذ سياسي واسع، ما قد يقلب نتائج الحرب عكس ما تسعى إليه دولة الاحتلال والولايات المتحدة.
ودعا صناع القرار في واشنطن إلى الحذر من "وهم السيطرة"، مشددا على أن القوة العسكرية لا تحل المشكلات السياسية، وأن المصداقية الحقيقية تكمن في القدرة على ضبط القوة وبناء ترتيبات قابلة للاستمرار، معتبرا أن فرص العودة إلى المفاوضات لا تزال قائمة لكنها تضيق، موضحا أن إيران لم تعد مستعدة لقبول الشروط السابقة، وقد تطالب برفع العقوبات وتقديم تنازلات كبيرة، مثل إخضاع القدرات النووية الإسرائيلية للرقابة الدولية.
وأشار إلى أن انسحاب
ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 كان خطأ فادحا لغياب خطة بديلة، ما أدى إلى تسريع برنامج التخصيب الإيراني ورفع مستوى المخاطر.
وفي السياق، حذر من خطر الهجمات الإشعاعية، مؤكدا أن ضربة واحدة بمواد مشعة قد تحدث صدمة استراتيجية كبيرة دون الحاجة إلى سلاح نووي كامل.
اظهار أخبار متعلقة
وفي ما يتعلق بالقيادة الإيرانية، بين أن سياسة "قطع الرؤوس" قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تستبدل قيادات أكثر تشددا، ما يقرب إيران من امتلاك قدرات نووية بدلا من تأخيرها، مؤكدا أن الحل يكمن في الدبلوماسية، رغم صعوبتها، مشددا على ضرورة وقف التصعيد والبدء بمفاوضات حقيقية حتى لو تطلب ذلك تنازلات كبيرة.
ورجح أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها قد يؤدي إلى واقع إقليمي أكثر خطورة، حيث تزداد قوة إيران ويتراجع الاستقرار، مقابل مكاسب تكتيكية محدودة لا تعكس نجاحا استراتيجيا حقيقيا.