عبد الفتاح البرهان: فروض الوقت وواجبات الساعة

قبيس أحمد المصطفى
"الرئيس البرهان بحاجة إلى تحديد وجهته السياسية دون محاولات اللعب على كل الاتجاهات"- الأناضول
"الرئيس البرهان بحاجة إلى تحديد وجهته السياسية دون محاولات اللعب على كل الاتجاهات"- الأناضول
شارك الخبر
انفتحت الأوضاع العامة في السودان بعد الثورة على واقع مجهول عقب إنجاز هدف الثورة العدمي الذي لخَّصه شعارها "تسقط بس"، فانتهى الحال إلى واقع فوضوي تتجاذبه طموحات قائد الدعم السريع في الاستفراد بحكم السودان وإعادة هندسة الأوضاع على مقاس أمنياته وأحلامه اللامحدودة وغير الموضوعية، مدفوعاً لذلك بالقوى الخارجية، وبما اكتنزه من أموال الذهب التي تحصل عليها بلا رقيب أو حسيب.

وفي الجانب الآخر، كان ضباط المجلس العسكري الذين دفعت بهم أقدميتهم داخل القوات المسلحة بعد انسحاب عوض بن عوف السريع، في مواجهة هذا الواقع المعقد بلا ظهير سياسي أو سابق تجربة، إذ إن الصدفة وحدها هي من قذفت بهم لهذا الوضع الملتهب، بحسب إفادة رئيس المجلس العسكري نفسه في أول ظهور إعلامي له عبر مقابلة تلفزيونية أجراها معه الصحفي ضياء الدين بلال.

وعلى وقع التحشيد الشعبي المصنوع، وصدى هتاف ميدان الاعتصام بالقيادة العامة، وتحت وصاية ورقابة المخطط الخارجي الذي أصبح وجوده سافراً ومستفزاً، وتحت هذا الواقع وتلك الضغوط، حدثت المساومة الانتهازية السريعة والمرتبكة التي قادت إلى تقاسم السلطة بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير، مستفيدة من مناخ الثورة في تضخيم حجمها عبر الصعود على أكتاف الثوار وزخم الثورة، متخذة من ذلك أداة للضغط وتخويف المكون العسكري وإجباره على الرضوخ لمطالبها وتطلعاتها في الانفراد بالحكم وتحويله إلى منفعة خاصة.

تتجه الأنظار نحو الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فهو من يملك الحل، وبيده كل خيوط اللعبة، إذ إنه يستند إلى شعبية معقولة تنامت بعد الانتصارات العسكرية، ويتمتع بصلاحيات وسلطات شبه مطلقة

مضت الشراكة تترنح منذ يومها الأول، وانتهت كما هو متوقع بلا إنجاز أو تحسن في حياة الناس، مثلما بذل تحالف "قحت" الوعود والأماني للشعب برغد الحياة وازدهار الديمقراطية في السودان.

انتهى كل ذلك إلى مزيد من التعقيد والأزمات وغياب الرؤية، التي لخَّصها تصريح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إبان زيارته للمملكة العربية السعودية، بأنهم لا يمتلكون برنامجاً تنفيذياً لإدارة شؤون الحكم في السودان، محملاً قوى الحرية والتغيير المسؤولية حيال ذلك.

ذهبت قحت، الوكيل السياسي والمدني للمخطط الخارجي، إلى المنافي والسجون، ولم يبق لذلك المخطط في أجهزة السلطة سوى قائد الدعم السريع ومليشياته العسكرية. وبالطبع، ما كان الوضع بحاجة إلى كثير انتظار حتى تتفجر أعنف حرب في تاريخ السودان، يشعلها حميدتي ضد الشعب وجيشه طامعاً في كرسي الرئاسة. كان حميدتي متهوراً عجولاً، فخسر كل ما كسبه في السنوات السابقة من صعود غير مبرر ومفاجئ.

خاض الشعب وقواته المسلحة حرباً ضروساً تمكن فيها الجيش من طرد المليشيا من العاصمة وأغلب أقاليم السودان، لتتراجع المليشيا إلى إقليم دارفور وبعض كردفان الكبرى.

ذلك ما كان من عظيم التضحية وحسن البلاء، أما الآن، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، وبينما تدور المعارك ويواصل الجيش تقدمه لدحر ما تبقى من المليشيا التي تعصف بصفوفها الانشقاقات، تشهد بلادنا في هذا الوقت حرباً أخرى لا تقل ضراوة عن عدوان الدعم السريع، وهي حرب الاقتصاد وتدهور أحوال الناس المعيشية. وتبدو حكومة الأمل، التي يقودها الدكتور كامل إدريس، عاجزة عن معالجة هذه الأوضاع المتردية، ومصابة بحالة من الشلل في الأداء العام، ومواجهة هذه الأزمات التي طحنت السودانيين وجعلت حياتهم لا تحتمل.

لقد وصل السواد الأعظم من السودانيين إلى قناعة وحيدة، وهي ضرورة ذهاب هذه الحكومة والإعلان عن حكومة جديدة بواقع جديد وقرارات جريئة تنتشل واقعهم من هذا البؤس إلى رحاب الأمل في مستقبل قريب أفضل.

وهنا بالطبع تتجه الأنظار نحو الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فهو من يملك الحل، وبيده كل خيوط اللعبة، إذ إنه يستند إلى شعبية معقولة تنامت بعد الانتصارات العسكرية، ويتمتع بصلاحيات وسلطات شبه مطلقة لم تتوفر لأحد ممن تعاقبوا على حكم السودان منذ الاستقلال.

ولكن السؤال هو: ما الذي يمكن أن يفعله عبد الفتاح البرهان؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، تتبادر إلى أذهان الكثيرين جملة من المحاذير التي تؤثر على رئيس مجلس السيادة، وتمنعه من القيام بهذه الخطوات، وتشكل ضغوطاً أو موانع تحول دون الإقدام عليها. وهي تتشعب ما بين موازنات الداخل والخارج، ويمكن تلخيصها في مخاوف البرهان من الضغوط الدولية التي تقودها السياسة الأمريكية تجاه السودان، بجانب المصالح الإسرائيلية التي تُنفذ عبر وكلاء إقليميين ضالعين مباشرة في الحرب ضد السودان.

وفي حقيقة الأمر، فإن هذه الضغوط لم تواجه البرهان وحده، بل ظلت أمراً ثابتاً تجاه كل من حكم السودان، مما يسقط فرية الشعارات التي يتبناها المساندون سياسياً للدعم السريع في محاولة لتسويق خطاب يسعى إلى تفسير هذه السياسة تجاه السودان، بسطحية تتغافل عن جوهر الصراع والأطماع الكبيرة فيه منذ سنوات طويلة خلت.

فالأمر ليس بذلك التبسيط المخل الذي يريد أن يبرر الحرب والهجمة على السودان بغرض محاربة (56 دولة)، أو محاربة الإسلاميين في السودان، أو أيّاً من تلك المبررات الساذجة، إذ إن الأمر يتعلق بثروات السودان وموقعه الجغرافي الذي يجعل منه أرضاً للفرص وتأمين الغذاء، وبالتالي يجب أن يظل بلداً منهكاً وضعيفاً، لا يمتلك جيشاً قوياً وموحداً، حتى يصبح لقمة سهلة سائغة للطامعين.

وللبرهان عبرة فيمن سبق من رؤساء السودان وحكوماته، إن أراد الاعتبار وأخذ أمر الحكم بالقوة اللازمة، وتوحيد جبهة الداخل، غير عابئ بالخارج وضغوطه، وغير طامع في دعمه وعطاياه، لأن التاريخ أثبت أنه ما من وعد أو عهد قطعته الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل ترغيباً لأي دولة من دول العالم إلا وأخلّت به، إذ لا توجد دولة أو شعب استفاد من الوعود الأمريكية الإسرائيلية الكذوب.

إذاً، على الرئيس عبد الفتاح البرهان أن يتحرر كلياً من هذه الضغوط، سواء كانت دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، أو إقليمية تحركها إسرائيل وتنفذها بعض دول الإقليم والجوار ضد السودان، وذلك ببساطة لأن السودان لن يواجه ضرراً أكثر مما واجه، ولن يتم الضغط عليه بأكثر مما حدث عبر الحرب التي أُشعلت ضده، ودُمِّرت بنيته، وهُجِّر شعبه.

الرئيس البرهان بحاجة إلى تحديد وجهته السياسية دون محاولات اللعب على كل الاتجاهات، فهو الذي بدأ حريصاً على ما يسمى بقوى الثورة، وسعى للاحتفاظ بحبل الوصل معها، قبل أن تتحول هذه القوى إلى جناح سياسي يساند مليشيات الدعم السريع، ويتحالف معها سياسياً، ويقاسمها وزر الجرائم البشعة التي ارتكبتها.

وبالمقابل، ظل البرهان حريصاً على المجاهرة بعدم علاقته بالإسلاميين، بل مضى أكثر من ذلك حين أعلن أمام جمعٍ من قيادات الكتلة الديمقراطية في بورتسودان أنه لا عودة للمؤتمر الوطني، وأن حكمه قد سقط بأمر الثورة، مستلفاً شعارات الثورة، ومعبراً عن أمنيات فئة محدودة ومعزولة. وهو حديث ربما أراد من خلاله أن يرسل رسالته إلى الخارج، وينال رضا من يظن أنهم قوى ثورية أعلنت دعمها للجيش ويمكنه الاستفادة منها.

ولكن على البرهان أن يسأل نفسه عن ماهية الدعم الذي يمكن أن تقدمه له هذه الأحزاب الصفرية؟ إنها أحزاب بلا سند شعبي أو امتداد جماهيري، وبعضها لا يعدو أن يكون كمنظمات المجتمع المدني، تصدر البيانات وتعلق على الأحداث لتقول إنها موجودة في انتظار مكافأتها عند أقرب عملية سياسية ممكنة.

الضلع الثالث المكمل للمشهد السياسي هم الإسلاميون بتيارهم العريض، ووجودهم الاجتماعي الكبير، وفاعليتهم في المشهد الراهن بحكم وقوفهم في صف الجيش، وحشد قواعدهم في مواجهة تمرد الدعم السريع، مقدمين في سبيل بقاء السودان موحداً وخالياً من الجنجويد مئات الآلاف من المتطوعين للقتال في صف الجيش، ومتوجين جهدهم هذا بآلاف الشهداء من خيرة شباب السودان.

إذن، فهذه هي حقائق الواقع السياسي الراهن، بجانب التدخلات والضغوط الخارجية التي تنعكس في مجملها بشكل سالب على كامل الأوضاع الداخلية، وتسبب كثيراً من التوتر والقلق السياسي.

ويضاف إلى هذه المشكلات العجز الحكومي في الأداء التنفيذي وتقديم الخدمات الأساسية للناس، مع التراجع الاقتصادي، وتدهور سعر صرف الجنيه بشكل مضطرد، مما أدى إلى ازدياد الغلاء والتضخم إلى معدلات غير مسبوقة، مع عدم قدرة الحكومة على الاستفادة من عائدات الذهب الضخمة ومكافحة التهريب، علاوة على مشكلة الكادر المؤهل في الخدمة المدنية، أو حتى على مستوى الوزراء والقيادات العليا في الأجهزة الحكومية، ومقدرتهم على ابتكار الحلول.

إذاً، ما هو الحل؟

تلك كانت المعطيات الراهنة، وهي كما تبدو صعبة ومعقدة، ولكن ما هي الحلول التي يمكن أن يتبناها رئيس مجلس السيادة ليتمكن السودان من الاستفادة من الموارد الاقتصادية الضخمة، ويحسّن من مستوى معيشة شعبه، ويرفع من معدلات دخل السكان ليتمكنوا من العيش بشكل لائق وكريم، يتوفر فيه الحد الأدنى من الرفاهية؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)