اتخذت
حكومة جورجيا ميلوني قرارا مفصليا بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية
التعاون
العسكري مع
إسرائيل، ولم يكن هذا التحول نتيجة صدفة دبلوماسية أو تغير ظرفي في
المزاج السياسي، بل جاء بعد سلسلة من الصدمات الميدانية التي مست السيادة
الإيطالية بشكل مباشر.
بدأت هذه
الصدمات عندما تعرضت قافلة تابعة لقوات حفظ السلام الإيطالية العاملة ضمن
اليونيفيل في لبنان لإطلاق نار مباشر من قبل القوات الإسرائيلية بالقرب من بيروت،
في واقعة فُهمت في روما باعتبارها رسالة ترهيب صريحة وتجاوزا خطيرا لقواعد
الاشتباك وللحصانة الدولية التي يتمتع بها الجنود الإيطاليون.
هذا الحدث
وضع الحكومة الإيطالية في موقف حرج أمام مؤسستها العسكرية التي رأت في الأمر
تهديدا مباشرا لأفرادها، وأمام رأي عام لم يعد يقبل استمرار دعم طرف يعرض حياة
جنوده للخطر.
لم يتوقف
التوتر عند هذا الحد، بل امتد إلى الضفة الغربية حيث وقعت حادثة ذات دلالة رمزية
قاسية، تمثلت في تعرض ضباط من الشرطة العسكرية الإيطالية للتهديد بالسلاح وإجبارهم
على الركوع خلال مهمة دبلوماسية رسمية. هذا المشهد لم يكن مجرد حادث أمني عارض، بل
شكل إهانة مباشرة لهيبة الدولة الإيطالية، وأظهر حدود الأدوات الدبلوماسية
التقليدية، إذ لم يعد استدعاء السفير كافيا لاحتواء الموقف أو ترميم صورة الدولة.
جاء هذا القرار ضمن حسابات استراتيجية تتجاوز الوقائع الميدانية المباشرة. فقد رأت روما أن الاستمرار في التحالف العسكري الوثيق مع إسرائيل في لحظة إقليمية شديدة التوتر قد يضعها في مسار تصعيدي لا يخدم مصالحها
أمام هذا
الوضع، بدا تعليق التعاون العسكري كخيار وحيد يعيد رسم حدود العلاقة ويستعيد
الاعتبار للمؤسسة الأمنية.
امتد
التوتر أيضا إلى المجال الديني، بعد التضييق الإسرائيلي على رجال الدين المسيحيين
ومنعهم من الاحتفال بأحد الشعانين في القدس، وهو ما أثار استياء واسعا داخل
الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية. هذا البعد لم يكن هامشيا، لأن هذه المؤسسات تمثل
قوة ضغط اجتماعية وأخلاقية مؤثرة داخل
إيطاليا، ولا يمكن لحكومة محافظة أن
تتجاهلها دون كلفة سياسية.
بهذا
المعنى، لم يعد قرار تعليق التعاون مرتبطا فقط بحسابات عسكرية، بل أصبح مرتبطا
بالدفاع عن الهوية الثقافية والحرية الدينية.
في الوقت
نفسه، جاء هذا القرار ضمن حسابات استراتيجية تتجاوز الوقائع الميدانية المباشرة.
فقد رأت روما أن الاستمرار في التحالف العسكري الوثيق مع إسرائيل في لحظة إقليمية
شديدة التوتر قد يضعها في مسار تصعيدي لا يخدم مصالحها، خاصة في ظل الضغوط
الأمريكية من إدارة ترامب للانخراط في مواجهة مع إيران.
هذا
الاحتمال يهدد بشكل مباشر أمن الطاقة الإيطالي في شرق المتوسط، ويفتح الباب أمام
موجات نزوح وهجرة غير نظامية من مناطق الصراع، وهو الملف الذي يمثل أولوية قصوى في
الداخل الإيطالي.
من هنا،
لم يعد تعليق التعاون إجراء تقنيا، بل أصبح تعبيرا عن رغبة في حماية المصالح
القومية وتجنب الانخراط في مغامرات تتجاوز قدرة الدولة على التحكم في نتائجها.
وجدت
الحكومة الإيطالية نفسها أيضا أمام معطيات قانونية دولية معقدة، مع تصاعد
الملاحقات المرتبطة بالنزاعات المسلحة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية
الدولية. ويقيد القانون الإيطالي تصدير الأسلحة إلى الدول التي تنتهك حقوق الإنسان
أو تشهد نزاعات مسلحة، وهو ما جعل استمرار تدفق المعدات العسكرية يحمل مخاطر
قانونية مباشرة.
في هذا
السياق، تحول تعليق الاتفاقية إلى إجراء وقائي يحمي الدولة من احتمالات المساءلة،
ويجنب المسؤولين تبعات قانونية قد تمس سمعة إيطاليا وموقعها داخل المؤسسات الدولية.
على
الصعيد الداخلي، برز ضغط اجتماعي واضح من خلال تحركات نقابية داخل الموانئ، خاصة
في جنوة ونابولي، حيث رفض العمال التعامل مع شحنات عسكرية متجهة إلى إسرائيل،
معتبرين أن مشاركتهم في هذه العمليات تجعلهم طرفا في نزاع لا يحظى بقبول واسع داخل
المجتمع.
لم يكن قرار تعليق التعاون العسكري خطوة ظرفية، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الأمنية والرمزية والقانونية والاقتصادية
هذا الرفض
لم يكن رمزيا، بل حمل تهديدا فعليا بتعطيل نشاط الموانئ، وهو ما كان من شأنه إرباك
حركة التجارة في مرافق حيوية. أمام هذا الوضع، وجدت الحكومة نفسها أمام خيار صعب
بين الاستمرار في صفقات السلاح أو الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي،
فكان التعليق وسيلة لاحتواء هذا التوتر ومنع تحوله إلى أزمة أوسع.
في البعد
الاستراتيجي الأوسع، سعت إيطاليا من خلال هذا القرار إلى حماية موقعها كمركز طاقي
في منطقة المتوسط، وهو موقع يتطلب علاقات متوازنة مع دول منتجة للغاز مثل الجزائر
وليبيا. أي انحياز عسكري مطلق كان من شأنه تهديد هذه الشراكات وتعريض الاستثمارات
الإيطالية لمخاطر سياسية واقتصادية، إضافة إلى احتمال تعرض الشركات الإيطالية
لإجراءات انتقامية أو مقاطعة.
كما أن
الحفاظ على هامش استقلالي عن السياسات الأمريكية، خاصة في ملف التصعيد مع إيران،
يعزز قدرة إيطاليا على لعب دور الوسيط، وهو دور يتيح لها حماية تدفقات الطاقة
وتقليل مخاطر الانفجار الإقليمي.
بهذا
المعنى، لم يكن قرار تعليق التعاون العسكري خطوة ظرفية، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة
من العوامل الأمنية والرمزية والقانونية والاقتصادية. وهو يعكس محاولة لإعادة ضبط
موقع إيطاليا داخل شبكة تحالفاتها، بما يضمن حماية مصالحها القومية، ويجنبها
الانزلاق إلى صراعات مفتوحة قد تتجاوز كلفتها كل ما يمكن أن تحققه من مكاسب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.