لقاح روسي- صيني للسرطان: معركة كسر احتكار الدواء بالعالم

نبيل الجبيلي
"أمام احتمال اختراق مهّم قد يغيّر علاج أنواع محددة من السرطان، إذا تأكدت الفاعلية في المراحل السريرية المتقدمة"- الأناضول
"أمام احتمال اختراق مهّم قد يغيّر علاج أنواع محددة من السرطان، إذا تأكدت الفاعلية في المراحل السريرية المتقدمة"- الأناضول
شارك الخبر
في اللحظة التي يتصاعد فيها الحديث عن "لقاح روسي للسرطان" واحتمال دخوله المسار التنظيمي الصيني، لا يعود الخبر مجرد سبقٍ طبي، بل نمسي في صدد ملف يتقاطع فيه العلم مع السياسة مع الاقتصاد. من يملك العلاج لهذا المرض القاتل، سوف يملك جزءا من النفوذ العالمي.. لكن بين العنوان الصاخب والواقع السريري مسافة يجب التعامل معها بحذر.

السؤال الرئيسي مفاده: ما الذي تحقق فعلا؟ وما الذي ما زال في خانة الوعود؟ المؤكد حتى الآن، هو أن العبء العالمي للسرطان هائل ويتسارع، أحدث التقديرات الدولية تشير إلى قرابة 20 مليون إصابة جديدة وأكثر من 10 ملايين وفاة سنويا، مع توقعات بأن يقفز عدد الحالات الجديدة سنويا إلى نحو 35 مليون حالة بحلول العام 2050، أي بزيادة تقارب أكثر من 75 في المئة مقارنة بالسنوات الفائتة.

هذه الأرقام وحدها تفسّر لماذا تُعامل أي قفزة علاجية في الأورام، كحدث جيوسياسي وليس كخبر طبّي أو علمي؛ لأن الأمر يتعلق بميزانيات صحية ضخمة، وقدرة الدول على حماية مجتمعاتها، وبنية صناعات دوائية تدرّ مئات المليارات من الدولارات.

الجديد في السردية الروسية، أنّه يجري تقديم مشروع جاهز للانتقال من "الإطار البحثي" إلى الاستخدام الأوسع في فئات مرضية محدّدة، مع حديث عن تطبيقات في حالات متقدمة من الميلانوما غير القابلة للجراحة أو الأورام شديدة الانتشار

أمّا ما يجري الحديث عنه حول اكتشاف روسي لعلاج السرطان، فهو ليس لقاحا وقائيا بالمعنى التقليدي، بل لقاح علاجي يُستخدم بعد تشخيص السرطان.. وهنا أهمية الأمر: الفكرة العلمية لهذا العلاج تقوم على إعادة تدريب الجهاز المناعي كي يتعرف بدقة أكبر إلى الخلايا الورمية ويهاجمها. وهذا المسار ليس روسيا فقط، بل اتجاه عالمي واسع، خصوصا مع المنصات المعتمدة على (mRNA) واللقاحات الشخصية المصمّمة وفق الخصائص الجزيئية لكل ورم.

لكن الجديد في السردية الروسية، أنّه يجري تقديم مشروع جاهز للانتقال من "الإطار البحثي" إلى الاستخدام الأوسع في فئات مرضية محدّدة، مع حديث عن تطبيقات في حالات متقدمة من الميلانوما غير القابلة للجراحة أو الأورام شديدة الانتشار.

الانتقال من نتائج أولية واعدة إلى "معيار علاجي عالمي" يحتاج سلسلة شروط معروفة في الطب القائم على الدليل: تجارب سريرية واسعة ومتعددة المراكز، ونتائج منشورة ومحكّمة، ومقارنات مباشرة مع أفضل العلاجات المتاحة، ومتابعة طويلة للسلامة والاستجابة، ثم قدرة تصنيعية تضمن ثبات الجودة وتوافر المنتج.. ولهذا السبب، فإن العبارات من نوع "نهاية السرطان للأبد" قد لا تستقيم مهنيا حتى الآن، بل الأدق هو القول إننا أمام احتمال اختراق مهّم قد يغيّر علاج أنواع محددة من السرطان، إذا تأكدت الفاعلية في المراحل السريرية المتقدمة.

أما السؤال الثاني، فمفاده: أين تدخل الصين في القصة؟

سياسيا، فإنّ بكين وموسكو بنتا خلال السنوات الأخيرة شراكة أعمق من مجرد تنسيق، في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والدبلوماسية، هذا السياق يجعل التعاون الصحي عالي التقنية بين الطرفين امتدادا طبيعيا لمنطق "تقاسم النفوذ". فأي تقدم حقيقي في لقاحات الأورام العلاجية سيضع ضغوطا على نموذج ربحٍ تقليدي في سوق الأدوية المتقدمة، خصوصا إذا تمكّن المنتج الجديد من تحقيق نتائج فعلية. لكن الحديث عن إسقاط إمبراطوريات الدواء دفعة واحدة ربما يكون أمرا مبالغا فيه، والسبب خلف ذلك قد يبدو بسيطا: علاج السرطان ليس دواء واحدا يمكن استبداله بزرّ، بل هو منظومة تتضمن التشخيص الجيني، والجراحة، والأشعة، والعلاجات الموجهة، والمناعية، وبروتوكولات الدمج، والرعاية الداعمة. ولذلك فالتغيير، حتى لو بدأ كبيرا، سوف يكون على الأرجح تراكميا: سحب تدريجي لحصص سوقية، وإعادة تسعير، وتعديل في أولويات الاستثمار.

يمكن القول إن ما يتشكل في الأفق قد يكون صراعا مركّبا؛ صراعا علميا على أفضلية العلاج، واقتصاديا على قيمة السوق، وسياسيّا على من يحتكر تعريف الحلّ

من زاوية الجغرافيا السياسية للمعرفة، أهمية التطور الروسي- الصيني المحتمل، لا تكمن فقط في النتيجة الطبية، بل في الرسالة: لم يعد الابتكار الحيوي حكرا على محور غربي واحد. وإذا نجح النموذج في إثبات فعاليته وتوسيعه، فسيعني ذلك انتقال جزء من القدرة على تعريف المستقبل الطبي، إلى قوى صاعدة تريد ترجمة الخطاب متعدد الأقطاب إلى أدوات ملموسة في حياة الناس، من الدواء إلى سلاسل الإمداد، وصولا إلى التمويل الصحي.

مع ذلك، يبقى العامل الفاصل هو الشفافية العلمية. الأسواق والهيئات التنظيمية الدولية والمجتمع الطبي لن تتعامل مع الشعارات، بل مع البيانات، وكذلك مع معدلات الاستجابة، والبقاء دون تقدم المرض، ومع الآثار الجانبية، وجودة الحياة، وقابلية التكرار في بيئات صحية مختلفة.. فإذا جاءت البيانات قوية، سنكون أمام تحوّل تاريخي بالفعل، وإذا ظلت محدودة أو غير مكتملة، فسيبقى الإنجاز في إطار المشروع الواعد، لا أكثر.

وعليه، يمكن القول إن ما يتشكل في الأفق قد يكون صراعا مركّبا؛ صراعا علميا على أفضلية العلاج، واقتصاديا على قيمة السوق، وسياسيّا على من يحتكر تعريف الحلّ.

وفي هذه المعادلة، قد لا يكون السؤال الأهم: هل انتهى السرطان؟ بل: من سيملك مفاتيح المرحلة التالية من علاجاته، وبأيّ كلفة، ولصالح من؟ وإذا استطاعت موسكو وبكين تقديم إجابة مدعومة بالأدلة السريرية الصلبة، فالعالم لن يشهد فقط تقدما طبيا، بل إعادة توزيع جديدة لمراكز القوة في القرن الحالي.
التعليقات (0)