دراما الحقوق وطول أمد القضايا.. كيف حولت النسوية المعاناة إلى مادة سردية متكررة تفقد أثرها؟

مهند سامر
"في غزة، اتضح أن التعامل مع معاناة النساء يتم في كثير من الأحيان بوصفها قضية تخضع أيضا لمعادلات السياسة والاهتمام الإعلامي"- الأناضول
"في غزة، اتضح أن التعامل مع معاناة النساء يتم في كثير من الأحيان بوصفها قضية تخضع أيضا لمعادلات السياسة والاهتمام الإعلامي"- الأناضول
شارك الخبر
في تاريخ المنطقة، عملت المرأة على تكريس الهوية العربية والإسلامية بطرق متعددة متأصلة، ومستمدة من عناصر الواقع الذي تعيشه، ولعبت دورا مهما في الحفاظ على التراث والهوية من خلال نقل العادات والتقاليد إلى الأجيال، والحفاظ على اللغة والتراث الشعبي، خاصة في ظل المحاولات الاستيطانية لطمس الهوية، غير أن هذا لم يمنع من تصدّر جمعيات النسوية وغيرها المشهد تحت عنوان الدفاع عن حقوق المرأة والسعي إلى تحصيل إمكانيات أفضل لها.

النسوية احتياج ما بعد الحرب

نتيجة للحربين العالميتين، نشأت الحركة النسوية في الغرب خلال القرن التاسع عشر، مستهدفة تحقيق المساواة السياسية والقانونية والاجتماعية للمرأة. وقد تطورت عبر ثلاث موجات رئيسة بدأت بالمطالبة بحق الاقتراع، مرورا بالتحرر الاجتماعي والثقافي، وصولا إلى العالمية والتعددية. كما تأثرت بالتحولات الرأسمالية والديمقراطية في أوروبا وأمريكا، وهو ما يمكن وصفه باحتياج سوق العمل إلى تجنيد المرأة بقوة لتعويض غياب الرجال نتيجة للحروب. وهي ظروف لم نكن نفتقدها في مجتمعنا العربي والإسلامي بالشكل الموصوف في تلك المجتمعات، ما كان يقتضي خطابا حقوقيا خاصا بنا بدلا من استيراد خطاب جاهز.

الهالة والتأثير الإعلامي
تظهر المفارقة هنا في ملفات إبستين، حيث يبرز سؤال معرفي: هل النسوية خطاب شامل لكل النساء، أم خطاب ينتقي ساحاته وفق السياق السياسي والإعلامي؟

يميل الإعلام بطبيعته إلى بناء الهالة الرمزية حول القضايا. ومع النسوية، أسهمت الصحافة والسينما والمنصات الرقمية في تحويل هذه الرموز إلى شخصيات أيقونية، بينما تحولت معاناة النساء في الغرب إلى مادة سردية قابلة لإعادة الإنتاج، فالرمز في الإعلام أسهل تداولا من الواقع الاجتماعي المعقد.
وهكذا بدأت النسوية تتحول تدريجيا من احتياج مرتبط بواقع سوق العمل الأوروبي إلى خطاب احتفالي موسمي، أو إلى شعار أخلاقي جاهز.

في المقابل، حظيت المرأة في المنطقة بأدوار قيادية مع محافظتها على سلوك اجتماعي محافظ؛ فكانت الشهيدة الواعية، والمثقفة المتعلمة الكادحة، وربّة البيت التي تقف كتفا إلى كتف مع الرجل؛ زوجا كان أو ابنا أو أبا. ومع ذلك، أصرت النسوية على تقديم مشروعها في المنطقة وتدويره تحت عناوين مختلفة، حتى تحولت القضايا الحقوقية في كثير من الأحيان إلى صناعة إعلامية تحتاج دائما إلى بقاء المأساة كي تستمر السردية.

حين تختار النسوية قضاياها

بدلا من أن يكون النقاش منصبا على البنية الاجتماعية التي قد تنتج الظلم، يتحول الحديث إلى صورة المرأة القوية أو الملهمة. وتظهر المفارقة هنا في ملفات إبستين، حيث يبرز سؤال معرفي: هل النسوية خطاب شامل لكل النساء، أم خطاب ينتقي ساحاته وفق السياق السياسي والإعلامي؟ في مثل هذه اللحظات، يصبح حضور المرأة في الخطاب الإعلامي أقل وضوحا، حتى عندما تكون من أكثر الفئات تضررا. ويبدو أن الأمر بات يُقرأ أحيانا من زاوية رأسمالية ترتبط بمصادر التمويل والاهتمام. فالاهتمام الإعلامي بالقضايا لا يتوزع بالضرورة وفق حجم المعاناة، بل وفق قابلية القضية للاندماج في السردية السياسية السائدة.

سؤال غزة والضمير الحقوقي
أحد أكثر التناقضات وضوحا في الخطاب النسوي الإعلامي يتمثل في الانتقائية الجغرافية والسياسية. ففي بعض القضايا يحضر الخطاب النسوي بقوة، بينما يختفي تقريبا في أزمات أخرى لا تقل مأساوية

في غزة، اتضح أن التعامل مع معاناة النساء يتم في كثير من الأحيان بوصفها قضية تخضع أيضا لمعادلات السياسة والاهتمام الإعلامي، لا بوصفها قضية كونية كما اعتدنا سماعها. فمع استمرار الإبادة الجماعية في فلسطين، تعيش النساء هناك مستويات متعددة من المعاناة: النزوح، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية الاجتماعية، وذلك إذا تجنبنا الخوض في القضايا الحساسة اجتماعيا، حول حالات الاغتصاب والتحرش وإجبار الأسيرات على خلع الملابس، وهي قضايا أصبحت موضع شهادات وروايات متعددة. ومع ذلك، غالبا ما يندمج حضور النساء في هذه السياقات ضمن السردية الإنسانية العامة، لا بوصفه قضية نسوية مستقلة.

أحد أكثر التناقضات وضوحا في الخطاب النسوي الإعلامي يتمثل في الانتقائية الجغرافية والسياسية. ففي بعض القضايا يحضر الخطاب النسوي بقوة، بينما يختفي تقريبا في أزمات أخرى لا تقل مأساوية، وهذه الانتقائية لا يمكن فهمها خارج سياق النظام الإعلامي العالمي الذي تحدده مراكز القوة السياسية والثقافية.

ويبقى السؤال: هل كان الخطاب النسوي في الإعلام أداة تحرر، أم أنه خطاب نشأ من حاجة اقتصادية رأسمالية، ثم تحول ليصبح جزءا من اقتصاد السرديات الذي يقوم على إعادة تدوير المعاناة؟
التعليقات (0)