في
السياسة كما في
الاقتصاد، لا توجد قوانين أبدية، فحين تضرب الأزمات الكبرى، تتراجع
النصوص أمام ضرورات الواقع. هذا ما حدث حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب
تعليق العمل بقانون جونز، أحد أكثر القوانين البحرية حمائية في الولايات المتحدة،
في خطوة تكشف حجم الارتباك الذي يضرب أسواق
الطاقة العالمية.
قانون
جونز، الذي أُقرّ سنة 1920 ضمن تشريعات البحرية التجارية الأمريكية، كان يُنظر
إليه طويلا بوصفه أحد أعمدة السيادة الاقتصادية البحرية للولايات المتحدة.
فالقانون يفرض قاعدة صارمة: لا يجوز نقل البضائع بين الموانئ الأمريكية إلا عبر
سفن بُنيت في الولايات المتحدة، وتملكها شركات أمريكية، ويعمل عليها طاقم أمريكي.
القرار يعكس إدراكا متزايدا داخل واشنطن بأن الأزمات العالمية لم تعد تسمح بسياسات اقتصادية مغلقة، فالعالم الذي تسوده سلاسل الإمداد المعولمة لا يحتمل قيودا صارمة حين تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة
هذه
الشروط جعلت القانون بمثابة درع لحماية الصناعة البحرية الوطنية، لكنها في الوقت
نفسه فرضت تكاليف مرتفعة على النقل البحري الداخلي، خصوصا في قطاع الطاقة. فالسفن
الأمريكية أكثر كلفة بكثير من نظيراتها الأجنبية، سواء من حيث البناء أو التشغيل،
ما جعل حركة نقل النفط والوقود داخل الولايات المتحدة أقل مرونة في مواجهة الأزمات.
لكن ما
كان يُنظر إليه بالأمس كسياسة حمائية مشروعة، أصبح اليوم عبئا في لحظة اضطراب
عالمي. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في إمدادات
النفط، أدت إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة، ومع ارتفاع أسعار الوقود داخل
الولايات المتحدة، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام معضلة اقتصادية وسياسية في
آن واحد: كيف يمكن تخفيف الضغط على السوق دون المساس بمصالح الصناعات الوطنية؟ كان
الجواب في تعليق قانون جونز مؤقتا، بما يسمح للسفن الأجنبية بنقل النفط والمنتجات
البترولية بين الموانئ الأمريكية؛ خطوة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات
أعمق بكثير.
فمن
الناحية الاقتصادية، يهدف القرار إلى توسيع خيارات النقل البحري داخل الولايات
المتحدة. فالسماح للسفن الأجنبية بالدخول إلى هذا السوق يمكن أن يخفض تكاليف النقل
ويزيد سرعة نقل الوقود من مناطق الإنتاج، خصوصا من خليج المكسيك، إلى مناطق
الاستهلاك على الساحل الشرقي.
أما من
الناحية السياسية، فإن القرار يعكس إدراكا متزايدا داخل واشنطن بأن الأزمات
العالمية لم تعد تسمح بسياسات اقتصادية مغلقة، فالعالم الذي تسوده سلاسل الإمداد
المعولمة لا يحتمل قيودا صارمة حين تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة.
الأزمة الحالية كشفت خللا بنيويا في النظام الاقتصادي الأمريكي. فالقانون الذي وُضع قبل أكثر من قرن لحماية الأسطول التجاري، أصبح اليوم عائقا أمام مرونة الاقتصاد في مواجهة أزمات الطاقة
ومع ذلك،
لم يمر القرار دون معارضة. فالنقابات البحرية وشركات
الشحن الأمريكية ترى أن تعليق
القانون قد يفتح الباب أمام تراجع الصناعة البحرية الوطنية، بل وربما يؤدي إلى
فقدان آلاف الوظائف المرتبطة بها. بالنسبة لهؤلاء، لا يتعلق الأمر بقانون اقتصادي
فحسب، بل بأحد رموز السيادة الصناعية الأمريكية.
في
المقابل، يرى منتقدو القانون أن الأزمة الحالية كشفت خللا بنيويا في النظام
الاقتصادي الأمريكي. فالقانون الذي وُضع قبل أكثر من قرن لحماية الأسطول التجاري،
أصبح اليوم عائقا أمام مرونة الاقتصاد في مواجهة أزمات الطاقة.
بين هذين
الموقفين تتكشف مفارقة لافتة: الولايات المتحدة، التي تدافع عالميا عن حرية
التجارة والأسواق المفتوحة، لا تزال تحافظ داخليا على واحدة من أكثر السياسات
البحرية حمائية في العالم.
لذلك، فإن
تعليق قانون جونز لا يمكن قراءته مجرد إجراء مؤقت لتخفيف أزمة طاقة عابرة. إنه
أيضا إشارة إلى أن النظام الاقتصادي العالمي دخل مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث لم
تعد حتى القوى الكبرى قادرة على حماية أسواقها من تأثير العواصف الجيوسياسية.
وفي
النهاية، قد تنتهي الأزمة ويعود القانون إلى مكانه في دفاتر التشريع الأمريكي. لكن
الدرس سيبقى واضحا: حين تضطرب البحار، تتغير القواعد.. حتى في أقوى الاقتصادات في
العالم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.