رمضان في العصر الرقمي: نحو علاقة صحية مع التكنولوجيا

تميم مبيّض
"قد يؤدي تسخير الشهر الفضيل لتنمية أساليب أكثر صحة في التعامل مع التكنولوجيا مع التركيز على استدامتها"- CC0
"قد يؤدي تسخير الشهر الفضيل لتنمية أساليب أكثر صحة في التعامل مع التكنولوجيا مع التركيز على استدامتها"- CC0
شارك الخبر
يتيح لنا شهر رمضان التألق في نواحٍ عديدة يمكن تصور بعضها ويصعب تخيل الأخرى، كما يمنحنا هذا الشهر الفضيل فرصا للتفكير في أفضل السبل لقضاء أوقاتنا، وتسخير طاقتنا لعبادة الله سبحانه وتعالى، والتفكير النقدي الذاتي، وتعزيز قدرات ضبط النفس؛ وعليه يمكننا اعتبار شهر رمضان فرصة سانحة لتقليل مدة استخدام الشاشات. ولكن هل يجب أن نجتهد لجعل تفاعلنا مع التكنولوجيا بشكل مفيد، أو نقلل مدة الاستخدام، أو نتجنبها بالكامل؟

ما بعد تجربة المارشميلو

لقد نالت الأعمال الرائدة لوالتر ميشيل وتجارب المارشميلو الشهيرة اهتماما واسعا لعقود، وكان الاستنتاج الدائم لميشيل أن الأطفال الذين تمكنوا من مقاومة تناول قطعة من المارشميلو الموضوعة أمامهم لفترة زمنية، أو بعبارة أخرى، أولئك الذين تمكنوا من تأجيل إشباع رغباتهم، عاشوا حياة أكثر سعادة ونجاحا وفقا لعدة مقاييس مهمة.

ولكننا لم نعد نحدق في قطع المارشميلو، بل في أجهزة فائقة الذكاء صُممت لتسبب الإدمان. وهذه الأجهزة لا تعد بإشباع رغباتنا الغذائية فحسب، بل بتحقيق الرضا الاجتماعي وتلبية رغباتنا الأخرى كلما زاد انغماسنا في الهواتف الذكية؛ وتم تصميم كل من الأجهزة والبرامج (التطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي) لتكون أكثر إدمانا وجاذبية.

تركيزنا على الالتزام بالصيام خلال شهر رمضان فإننا نصبح أكثر عرضة لسلوكيات أخرى مثل الإفراط في استخدام الهواتف نتيجة لاستنزاف قوة ضبط النفس

وقد عززت التكنولوجيا القدرة على إجراء الاختبارات، والتحديثات، وإطلاق المنتجات بطريقة غير مسبوقة. في حين أن معظم الشركات تحافظ على سرية أنشطتها، فإن الشركات مثل نتفليكس كانت أكثر انفتاحا بشأن بعض أنشطتها، حيث يتم تصميم المحتوى ليبدو وكأنه بلا نهاية، ويتم تجديده باستمرار من خلال القوائم الدوّارة (الكاروسيل). كما تم تصميم الهواتف الذكية لتكون سهلة الوصول بشكل مذهل، مما ساهم في دمجها بسلاسة في حياتنا بطريقة لا يزال مصممو النظارات الذكية يسعون إلى حلها. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أننا لا نعرف بعد كيف تؤثر هذه الأشكال الجديدة للتكنولوجيا علينا، رغم أن البحوث الأكاديمية تتنبأ بأمور مقلقة.

القدرة الموقفية على الاختيار

تشير بحوث عالمة النفس أنجيلا دكوورث، التي نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز، إلى أن الطلاب الذين لا يضعون هواتفهم بالقرب منهم أثناء الدراسة حققوا أداء أكاديميا أفضل من أولئك الذين يفعلون ذلك. ويكمن السر في مفهوم "القدرة الموقفية على الاختيار"، إذ قد تنعدم القدرة على مقاومة الرغبة في استعمال الهاتف، ولكن يمكنك اختيار قرار ترك الهاتف في متناول يدك أو أمامك، أو لا.

وبالطبع، يمكننا استخدام قوة الإرادة في اللحظة نفسها، وتنظيم محيطنا بحيث نقلل من الاعتماد عليها. ويشير "نموذج القوى" لضبط النفس، على سبيل المثال، إلى أنه مع تركيزنا على الالتزام بالصيام خلال شهر رمضان فإننا نصبح أكثر عرضة لسلوكيات أخرى مثل الإفراط في استخدام الهواتف نتيجة لاستنزاف قوة ضبط النفس. كما يشير النموذج نفسه إلى أنه بحلول نهاية الشهر ستكون قدرات ضبط النفس التي درّبناها أقوى من السابق وأقل عرضة للاستنزاف.

كيف يمكننا تحسين تفاعلنا مع التكنولوجيا بناء على نتائج علم النفس؟ وفقا لنصيحة أنجيلا دكوورث، فإن عدم حمل هواتفنا وإبقاءها بعيدا عن متناول أعيننا بشكل مستمر هو الخيار الأفضل. كما أن وضع الحدود أمر مفيد، ويشمل ذلك الحدود المكانية (غرفة يُمنع فيها استخدام الهواتف) والحدود الزمنية (تحديد وقت إيقاف الاستخدام بعد صلاة العشاء). وقد يساعد الاستعانة بشخص نثق فيه أو أحد أحبائنا لدعمنا في تحقيق هدفنا من خلال المساءلة. كما يمكن محاربة التكنولوجيا بالتكنولوجيا من خلال التطبيقات التي تقيّد الاستخدام أو العودة لاستخدام "الهواتف الغبية"، نظرا لكونها تقدم حلولا مباشرة تقلل من اعتمادنا على قوة الإرادة.

يمكن للصيام الكامل أن يوفّر مساحة للتفكير في سلوكياتنا وتحديد المهام "الصحية" بشكل أفضل. ولكن مَن منا يحافظ على عادات غذائية أكثر صحة بعد رمضان؟ فالتغيير السلوكي الدائم ليس أمرا مضمونا في العادة

وأما فيما يتعلق بما إذا كان ينبغي استخدام رمضان لترسيخ عادات أكثر صحة مع التكنولوجيا أو الانقطاع عنها بالكامل، فإنه سؤال لا توجد له إجابة شافية، لأن الامتناع التام عن استخدام منصة معينة من منصات التواصل الاجتماعي قد يوفر وقتا للقيام بأنشطة أكثر فائدة، ولكن من المهم تحديد ماهية هذه "الأنشطة"؛ وإن أفضل الطرق لتغيير سلوك غير مرغوب فيه هي تعزيز السلوك البديل المرغوب فيه. ومع ذلك، فإن تقليل وقت استخدامنا للشاشات قد يؤدي إلى استبدالها بسلوك سيئ آخر.

كما يمكن للصيام الكامل أن يوفّر مساحة للتفكير في سلوكياتنا وتحديد المهام "الصحية" بشكل أفضل. ولكن مَن منا يحافظ على عادات غذائية أكثر صحة بعد رمضان؟ فالتغيير السلوكي الدائم ليس أمرا مضمونا في العادة. وبدلا من الصيام التام، قد يؤدي تسخير الشهر الفضيل لتنمية أساليب أكثر صحة في التعامل مع التكنولوجيا مع التركيز على استدامتها، بدلا من التركيز على دورة الإفراط في الطعام ثم الصوم (خلال رمضان) والعودة مرة أخرى إلى الإفراط في الطعام (بعد رمضان).

وبدءا بتحفيز عملية الالتهام الذاتي (العملية التي تجدّد بها الخلايا نفسها) وحتى تحسين ضبط النفس، يعد الشهر الفضيل مُجدِّدا بتوفير طرق جوهرية ومادية. وإن النقاشات حول احتمالية وجود أي أمر إلهي دون فوائد مادية لا تزال جديرة بالاهتمام والدراسة، فمن المرجح أن تكون للأوامر الإلهية فوائد ثانوية عديدة، وإن لم تكن دائما جلية. وأما النتائج العلمية، بما فيها تلك المتعلقة بعلم النفس وضبط النفس، فهي قابلة دائما للنقاش مع استمرار ظهور الأدلة والبحوث، ولكن ما لا خلاف عليه هو أن الله يحب أن نصوم له، وسيمنحنا الفوائد بطرق لا ندركها، فقد قال النبي ﷺ في الحديث القدسي الشريف: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به".

كما تشير البحوث إلى أن وضع حدود لاستخدامنا الأجهزة الذكية قد يساعد في تنظيم التطبيقات التي قد صُممت لتكون سببا في الإدمان. وقد يتيح لنا ذلك تخصيص بعض الوقت والمساحات المعرفية والعاطفية والطاقة لكي نكون أكثر قربا لله عز وجل، خلال الشهر المبارك، وقد يساعدنا ذلك في تبنّي عادات أكثر صحة مع التكنولوجيا بعد رمضان.
التعليقات (0)